كرد سوريا حين يقاتلون

الأربعاء 2013/08/14

نأى الكرد السوريون بأنفسهم من الحرب التي تشهدها بلادهم منذ أكثر من سنتين.

حضر ممثلون عنهم مؤتمر المعارضة الأول في اسطنبول. جرت خلافات، قيل أنها تتعلق بمفردات وردت في البيان الختامي. هناك من تحدث عن حجم التمثيل. بعدها اختفوا. لم يعد هنالك ذكر لهم في صفوف المعارضة ولا في مؤتمراتها.

الثابت أنهم استقلوا بمناطقهم وصاروا يديرونها بأنفسهم. لم يعترض النظام على ذلك ولم يعمل على إفشاله. بقيت المناطق الكردية بعيدة عن الخراب الذي التهم الجزء الأكبر من بلاد الياسمين.

لم يكونوا محايدين حين عبّر الكرد عن موقفهم العقلاني المستقل. لقد حصّنوا أنفسهم بأنفسهم بعيدا عن بذاءات وقسوة الحرب. لم يقتلوا ولم يُقتلوا. ماذا يريد الكرد أكثر من ذلك؟

في علاقة الأقليات بالنظام كان الكرد هم الأسوأ حظاً، ومع ذلك لم تنخرط أحزابهم في الحرب التي كان الهدف منها إسقاط ذلك النظام. لا لأنهم لا يتمنون سقوط النظام، بل لأنهم أدركوا أن ثمن ذلك السقوط قد يكون أكبر من أن يتحمله أحد. من بين كل أعداء النظام حرص الكرد على الخروج من المعادلة المهتزة متوازنين. كان موقفهم المتوازن دليل حكمة تاريخية تعلموها من دروس أشقائهم في تركيا والعراق.

إنهم يعرفون أن النظام وقد دخل طرفاً في حرب عبثية، قد لا تنتج إلا عن بلد مدمر وشعب مشرد ومستقبل مظلم لن يقوى على البقاء إلى الأبد. فعن طريق لجوئه السافر إلى القمع والقتل من أجل حل مشكلات سياسية كتب النظام بنفسه سطور خاتمته. استقرأ الكرد علامات تلك الخاتمة فقرروا ألا يكونوا جزءاً من رمادها.

لم يكن ذلك الموقف الحكيم ليعجب أطرافاً عديدة في المعارضة السورية.

فإذا كان النظام لم ينزعج من إدارة الكرد ظهورهم له ولمشاريعه الحربية فإن المسافة التي وضعها الكرد بينهم وبين مشاريع المعارضة المسلحة صارت تشكل مصدر إزعاج لأطراف عديدة من تلك المعارضة، وبالأخص الجماعات الإسلاموية المسلحة التي هي عبارة عن فرق مدربة على حرق الأرض وتطهيرها من سكانها الأصليين بذريعة تواطئهم مع النظام عن طريق الصمت. هذا ما فعلته جبهة النصرة في كل مكان وصل أفرادها إليه.

وكما يبدو فإن موقف الجماعات الإسلاموية المسلحة لم يعد محصورا في الانزعاج الصامت بل انتقل إلى مرحلة جديدة، يغلب عليها التصعيد، في محاولة لزجّ المناطق الكردية في الحرب.

وهكذا وجد الكرد أنفسهم في مواجهة تهديد حقيقي تمثله جماعات مسلحة، كان الغرض من تسللها إلى الأراضي السورية المساهمة في إسقاط النظام، فإذا بها تتحول إلى مهاجمة المدن والبلدات والقرى السورية الآمنة التي لم تصل إليها الحرب بعد.

أما حين يصرح الزعيم الكردي العراقي مسعود البرزاني بأنه على استعداد لمد يد العون عسكرياً لأشقائه في سوريا، فإن ذلك لا يعني سوى شيء واحد؛ لقد صار خطر اجتياح المناطق الكردية في سوريا من قبل الجماعات المسلحة حقيقيا، وينبغي عدم انتظار وقوع الكارثة.

ولكن هل قررت الجماعات المسلحة استعداء الكرد وما مصلحتها في نشوب قتال، من المؤكد أنه سيبعدها عن هدفها الأساسي الذي هو إسقاط النظام؟

سنكون سذجاً لو حصرنا وجود فرق الموت تلك بما هو معلن إعلامياً. هناك الكثير من الكذب يجري من حولنا. فالجماعات الإسلاموية المسلحة التي لا يربطها شيء بتطلعات الشعب السوري وتوقه إلى الحرية لا تسعى إلا لتكريس وجودها قوة على الأرض، يكون بإمكانها أن تقيم إماراتها المغلقة على قوانينها الخاصة.

ما لم يعد ينكره المعارضون اليوم أن تلك الجماعات لا تقاتل إلا من أجل إنجاز مخططاتها الخاصة التي لا يجمعها شيء بما يفكر فيه السوريون.

وكما أرى فإن المناطق الكردية لن تؤخذ غفلة كما حدث مع المناطق السورية الأخرى التي استولى عليها الإسلامويون. فالكرد بحكم تجاربهم التاريخية المريرة كانوا دائماً مستعدين لمواجهة أسوأ الاحتمالات.

8