كرسي معهد العالم العربي يجدد نشاطه وينتصر للغة الضاد

مشروع "مئة كتاب وكتاب" يُدشّن إصداراته نهاية 2018 عن كبار الوسطاء الثقافيين بين فرنسا والعالم والذي يعتبر ثمرة تعاون "عربي- فرنسي".
الخميس 2018/07/05
كرسي معهد العالم العربي

باريس – استعاد كرسي معهد العالم العربي بباريس في الخامس عشر من مايو 2017 نشاطه بعد توقف دام حوالي 20 عاما، وذلك بقرار من مدير عام المعهد معجب الزهراني الذي حرص على إعادة تفعيله فور توليه مهامه قبل حوالي عام ونصف العام، وذلك ضمن مجموعة مبادرات تهدف إلى تطوير البرامج الثقافية الموجهة إلى العالم العربي.

وتتضمّن فعالية كرسي معهد العالم العربي لقاءات وحلقات نقاش تعقد مرة كل شهرين من أجل فكر عربي معاصر بمشاركة باحثين ومختصين في الإسلاميات والثقافة العربية، يُناقشون سُبل الإسهام في تجديد الفكر العربي المعاصر وتحديثه.

ثلاثة مشروعات كبرى

أوضح مُعجب الزهراني، مدير معهد العالم العربي بباريس، لـ”العرب” أنّ هناك ثلاثة مشروعات كبرى تنسجم مع الرؤية الجديدة للكرسي، حيث نجح في تجسيد اثنين منها حتى اليوم، أوّلهما اللقاءات العلمية والفكرية التي انطلقت منذ سنة، ولاقت رواجا كبيرا وإقبالا من قبل الفرنسيين والجالية العربية المُتعطشين لهذه الفضاءات الفكرية حول العالم العربي.

 

يعود تاريخ تأسيس كرسي معهد العالم العربي بباريس إلى سنة 1991، وقد استمر إلى غاية 1994، حيث كان يتناول مختلف القضايا الفكرية والثقافية التي واكبت تلك المرحلة. ولكي يسهم من جديد في إثراء المشهد الثقافي والفكري الذي تأسّس عليه تمّت مؤخرا استضافة نخبة من المفكرين العرب والأجانب أمثال عبدالله العروي ومحسن مهدي وإبراهيم السامرائي وأندريه ميكال وآخرين للتباحث في سُبل الإسهام في تجديد الفكر العربي المعاصر وتحديثه

وثانيهما إصدار سلسلة كتب تحمل عنوان “100 كتاب وكتاب” عن كبار الوسطاء الثقافيين بين فرنسا والعالم العربي منذ بداية القرن التاسع عشر حتى اليوم، هذا المشروع الذي يعتبر ثمرة تعاون “عربي- فرنسي” انطلق بفضل اتفاقية شراكة مع أمانة جائزة الملك فيصل العالمية وكرسي معهد العالم العربي، وذلك بهدف رصد رواد الفكر والتنوير في العالم العربي والأوروبي، ومن المتوقع ظهور الإصدار الأوّل من المشروع قبل نهاية عام 2018.

أما المشروع الثالث الذي يأمل الكرسي تحقيقه فيتمثل في جائزة علمية كبرى تُخصّص للباحثين الشباب العرب في بلدانهم وفي المهجر، وسيُعلن عن تفاصيلها في وقت قريب.

ويستعيد كرسي معهد العالم العربي أنشطته بصيغة جديدة، حيث يعتمد اللغة العربية في برامجه التي تنظم مرة كل شهرين، وتندرج مهمته ضمن رسالة المعهد في التعريف بالثقافة العربية في وجوهها الأكثر إشراقا وحداثة، وذلك بتقديم قراءات تسهم في تحديث الفكر الديني.

ويبدأ كرسي المعهد فعالياته دوما بحلقات دراسية تشارك فيها نخبة من الباحثين والأكاديميين، للتساؤل والتفاعل مع المُحاضرين، وتكون بمثابة حلقات حيوية للإشعاع الفكري.

وكشف مدير معهد العالم العربي أنّ إدارة الكرسي قرّرت تخصيص برنامج التكريم للعام القادم 2019 بأكمله للمرأة، وقال في هذا الصدد “من المؤكد أننا سنجد في فرنسا وفي كل بلد عربي من تستحق التكريم، لا لكونها امرأة، بل لأنها حقّقت منجزات علمية وفكرية متميزة في هذا المجال أو ذاك”، مؤكدا أنّ “الباحثات المتميزات كثيرات اليوم ويتزايد عددهنّ باستمرار في مختلف بلداننا، ولحسن حظنا جميعا”.

وذكر مُعجب الزهراني أنّ فعاليات الكرسي انطلقت قبل عام تقريبا، حيث تمّ تنظيم أربعة لقاءات في المعهد بباريس ولقاءين خارجه في كلّ من الرباط وتونس، بمشاركة العشرات من الباحثين والمُتخصّصين، عربا وفرنسيين، كما تمّ تكريم عدد من كبار المفكرين مثل إدغار موران وعبدالله العروي وإندريه ميكال ورشدي راشد، وسيتم في المستقبل القريب تكريم المُفكّر فهمي جدعان في عمّان، ثم ناصيف نصار في بيروت، هذا فضلا عن برنامج مواز بعنوان “ضيف الكرسي” الذي تمّ من خلاله الاحتفاء بكاتبين بارزين نالا جائزة البوكر هما محمد حسن علوان وإبراهيم نصرالله.

معجب الزهراني: الخليج العربي حاضر في أنشطة المعهد عبر المعارض الفنية
معجب الزهراني: الخليج العربي حاضر في أنشطة المعهد عبر المعارض الفنية

خارج باريس

يظل المشروع الأكبر بنظر مُعجب هو “مئة كتاب وكتاب” الذي من المُفترض أن يتم تدشين أول إصداراته قبيل نهاية العام الحالي، كما سيتم تحرير وقائع اللقاءات والمناقشات الخاصة بالكرسي ونشرها في عدّة كتب.

وفي إطار الشراكة مع مؤسسات ثقافية عربية أخرى، ستواصل فعاليات الكرسي تنقلها بين بلدان عربية مختلفة، وعدم الاقتصار على باريس وفرنسا عموما، والهدف من ذلك هو تكريس حضور الكرسي ومعهد العالم العربي معرفيا وإعلاميا في الفضاءات الثقافية العربية الأكثر حيوية.

ونفى الزهراني أيّ تغييب لبعض الدول العربية في فعاليات الكرسي والمعهد، وقال إنّ كل ما في الأمر أنّ هناك مجموعة شروط جغرافية – تاريخية رجحت كفة الثقافة الفرانكفونية في شمال أفريقيا ومصر وبلاد الشام، فكان من المنطقي تماما أن يشارك باحثوها ومثقفوها أكثر من غيرهم في أنشطتنا، خاصة أن المعهد مؤسسة فرنسية. ورأى أنّ منطقة الخليج العربي -والجزيرة العربية عموما- كانت ولا تزال ضمن المنظومة الأنغلو سكسونية، ومثلها العراق والسودان، ومع ذلك فهي حاضرة بانتظام ضمن أنشطة وبرامج أخرى في معهد العالم العربي كالمعارض الفنية والمنتديات الفكرية واللقاءات الاقتصادية.

وتتكوّن اللجنة التنظيمية لكرسي معهد العالم العربي في باريس من رئيس المعهد جاك لانغ، الرئيس الشرفي للكرسي، ويتولى كل من مُعجب الزهراني ومحمد شحرور الإشراف العلمي، فيما يُدير الكرسي الطيب ولد العروسي، والشاعرة الجزائرية لويزة ناظور مُنسّقة ثقافية وإعلامية.

يُذكر أنّ مُعجب الزهراني أكاديمي وناقد وروائي سعودي معروف، وهو مُثقف فرانكفوني حصل من جامعة السوربون في باريس على شهادة الدرجة العليا في اللغة الفرنسية، ودبلوم الدراسات المُعمّقة في الأدب العربي الحديث، وشهادة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن عن أطروحة بعنوان “صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة”.

14