كركوك بلا نفط.. كردستان بلا حلم الدولة

السبت 2017/10/14

الأكراد في العراق أو في الدول المجاورة له؛ كتلة إنسانية كبيرة لا يمكن تجاوزها لحسابات عنصرية مرفوضة عند التعامل مع الأقليات التي طالما انتهكت حقوقها، لأن النظم السياسية للدول الحاكمة تتبنى حسابات الأعداد والأرقام للتهميش، بما ترك أثرا في السلوك بين مكونات المجتمع بظواهر مؤسفة تردد صداها في السلطات والقيادات وأفرزت تجاذبات حادة وأدت إلى تخندقات كنا نعتقد أن بعضها غادر الحياة الإنسانية.

في مقالة سابقة هنا كتبنا عن انطباع شخصي تكون من زيارتنا لإقليم كردستان ولمدينة السليمانية تحديدا سنة 2010. خرجنا بمحصلة مختصرها أن الإقليم يتجه نحو الاستقلال. كنا نستند إلى جهد كردي في تأسيس أرشيف وطني تاريخي وحضاري وسياسي تقوم عليه مؤسسات معنية تجري مسحا لكل صغيرة وكبيرة تتعلق بالأكراد كقومية خارج محددات التقسيمات الجغرافية.

عندما تصل الوقائع عند أكراد العراق الذين استحوذوا قياسا إلى أكراد تركيا وإيران على امتيازات متقدمة إلى بناء قاعدة معلومات خاصة بهم ودور نشر ومتاحف تؤرخ كفاحهم لتحقيق حلم دولتهم، فذلك يعني شبه ثقة لديهم بإنجاز الركن الأساس لمصادر دخلهم القومي ومواردهم الاقتصادية.

الاعتبارات كانت تختلف عند ساسة الإقليم قبل انخفاض أسعار النفط، وقبل دخول داعش إلى الموصل وإشهار الخلافات بين الإقليم وسلطة حزب الدعوة في بغداد، خلافات ذات صلة مسبقة وبمعرفة تامة من الجانب الأميركي قبل الاحتلال وبعده في فترة الحاكم المدني بول بريمر، ومن جانب الأحزاب الوافدة دون استثناء وأيضا من الذين انضموا في ما بعد للعملية السياسية. معظم تلك الخلافات تتعلق بصلاحيات أكبر لإقليم كردستان بما فيها استملاك الكنز النفطي لمدينة كركوك من خلال وضع المادة 140 في الدستور، وهي بمثابة وعد لمنح كركوك إلى إقليم كردستان مع مناطق أخرى عُرفت في ما بعد بالمناطق المتنازع عليها أو الخط الأزرق.

هذه المادة فيها تطمينات للأكراد لغاية سنة 2007 موعد تطبيق الاستفتاء لتلك المناطق الواقعة خارج الإقليم. بمعنى أن السنوات اللاحقة لسنة 2007 تحولت بسبب التأجيل والتسويف إلى نقطة خلاف مركزية وشك عند ساسة الإقليم الذين استعدوا بإجراءاتهم على الأرض ترقبا لتنفيذ تلك المادة الملغمة المتفق عليها قبل أبريل 2003، والتي كانت سببا لعودة الإقليم إلى ربط مستقبله بالمشروع السياسي للاحتلال الأميركي في بغداد.

سقف الأحلام الكردية كان عاليا في تحقيق ما عجزوا عنه طيلة عقود من مواجهات عسكرية كبدت العراقيين، عربا وأكرادا، خسائر فادحة في الأرواح والثروات.

الدستور الذي وافق عليه الأكراد بحكم مشروعهم الانفصالي المنسجم مع المشروع الطائفي للكتلة الأكبر؛ حرضت فيه المادة 140 عرب العراق عموما دون محاصصة طائفية في مواقفهم على رفض فكرة التسليم بالأمر الواقع الوارد في الدستور. لذلك تحولت قضية كركوك إلى مزاد سياسي فاشل.

الطائفيون وهبوا ما ليس لهم في لحظة تمنيات متخيلة لحكم العراق ثم انقلبوا على أنفسهم بعد تحول الحكم إلى حقيقة ومن أجل مكاسب انتخابية توفرها لهم أصوات رافضة كليا للاستفتاء على مصير كركوك كمدينة عراقية وباقي المدن مثار الخلاف.

إن حلم الدولة الكردية أو حلم الرخاء الاقتصادي خطوة جوهرية تنهض بالإقليم عند ضم مدينة كركوك بما تمثله من أهمية جغرافية واقتصادية واعتبارية.

هذا الحلم تراجع أو اصطدم رغم الإنذارات التي أشهرها الإقليم بوجه المركز، لكنها جوبهت بحقائق لا علاقة لها بالطموحات أو الأحلام أو برنامج الواقع الافتراضي لحكم العراق في مؤتمرات ما قبل الاحتلال.

استعجال الاستفتاء والإصرار والتصميم عليه، محاولة ضغط على عصب الدستور للعودة إلى تطبيق المادة 140 مقابل عدم الانفصال عن العراق ولو لمرحلة غير محددة يتلافى فيها قادة الأكراد أخطاء تحالفاتهم وتقديراتهم السياسية.

أزمة الاستفتاء وأزمة الإقليم قبل الاستفتاء وبعده هي أزمة العلاقات السياسية بين الإقليم وحكومة حزب الدعوة وانقلابهما على بعضهما لتفوق المشاريع الإقليمية مع مستجدات الاقتصاد وتقاسم السلطة لدولة تعوم على النفط، لكن نظامها السياسي لا يعوم إلا في مخلفات المشروع الإيراني الآيل للسقوط والزوال.

الدولة العراقية تنافق سياسيا وإعلاميا في حماية الشعب الكردي من تبعات خطوات تحجيم الاستفتاء لأن اندلاع الصراع المسلح بين الطرفين المتنازعين وارد جدا في كل لحظة لواقعيته مع تهديدات ميليشيات الحشد الشعبي الصريحة ورد البيشمركة بتحويل أرض كردستان إلى مقبرة لمن يهددها.

الحشد الميلشياوي اقترب من خنادق البيشمركة في مدينة طوز خورماتو وشيد سواتره كذلك وأطلق النيران من جهته دون تبادل ليتدخل طيران التحالف برشقات سلاح تحذيرية بما يقترب من لغة الحرب على الأراضي المتنازع عليها وضمنها كركوك في بداية لاصطفافات المحاور الدولية والإقليمية.

هل كان إقليم كردستان بحدوده الإدارية المعترف بها قد خطط لاحتمال الصراع المسلح حين دفع خطوط تماسه إلى حدود المناطق المتنازع عليها من أجل إبعاد مديات النيران عن مدنه؟ لِمَ لا والنظام الإيراني يصرح علنا بقادته ورئيس جمهوريته ومرشده أن العراق وسوريا وأي مكان تندلع فيه الأزمات تكون سببا في إبعاد الأذى عن حدود إيران.

معظم الدول التي تحارب الإرهاب ومن بينها روسيا وأميركا تنصب تصريحاتها على تجنيب بلدانها العمليات الإرهابية وتوقعاتها، وكذلك تفعل تركيا وتتشدد كما قال رئيس وزرائها عن منع إنشاء حزام كردي على حدودها مع سوريا.

استخفاف حيدر العبادي ورفضه لأي مبادرة تقريب لوجهات النظر حتى لو كانت من شخصيات تتصدر المناصب العليا في الدولة، ما هو إلا تعبير دقيق لخضوع سلطة العراق لإشارات النظام الإيراني وتنفيذها باستسلام يخدش حياء أي حديث عن سيادة الدولة ووحدة أراضيها ومواطنيها بما يجعلنا نسترجع حتى طروحات الكونفيدرالية لعلاقة كردستان بالعراق وكيف ستنتهي إلى مشروع توزيع مدن كردية وعربية تحت غطاء كونفيدراليات أو استفتاءات إلى دول إقليمية متعددة ليس من بينها العراق بالتأكيد.

كاتب عراقي

9