كركوك وأزمة الدولة المركزية

السبت 2017/10/21

بدا للوهلة الأولى أنها عملية عسكرية خاطفة سيطرت فيها قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي بدعم إيراني وصمت أميركي على كركوك في غضون ساعات، ونتجت عن ذلك هزيمة مريرة للأكراد. تبين لاحقا أن حكومة كردستان العراق وقوات البيشمركة كانت قد قررت الانسحاب لتجنب الدخول في معركة مع الجيش العراقي الذي دخل المدينة الغنية بالنفط من دون قتال، ولكن ذلك لا يلغي أن ما حصل هو هزيمة مدوية للأكراد ستكون لها تبعاتها الداخلية. كما تُظهر تلك الهزيمة أن إستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية، التي حصرت كل جهودها بمحاربة تنظيم داعش من أجل الاستقرار، هي إستراتيجية قصيرة النظر بل هي وصفة للفوضى والنزاع لعقود قادمة.

وكانت قوات البيشمركة قد استغلت فرار القوات العراقية أمام هجوم داعش في العام 2014 للسيطرة على مدينة كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها. ومع خسارتها للمدينة يخشى البعض من تجدد الحرب الأهلية الكردية التي اندلعت في أعوام 1994 -1997 بين الحزبين الرئيسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والتي انتهت بوساطة أميركية وتقاسم السيطرة على الإقليم، ليسيطر الأول على أربيل والثاني على السليمانية. ولهذا الانقسام عزا البعض سوء التنسيق أو الخيانة في التصدي لقوات الحشد الشعبي والجيش العراقي والانسحاب من المدينة من دون قتال.

ولكن الأزمة كشفت أيضا عن أزمة أكثر عمقا تتمثل في وجود دولة مركزية إقصائية ونزاعات أهلية مزمنة في العراق كان يتم حجبها دوما بأولوية “الحرب على الإرهاب” التي كانت تنحي الخلافات الداخلية جانبا بضغط أميركي. ولكن، ما إن تتوقف تلك الحرب بعد هزيمة الإرهاب، فإن انفجار تلك النزاعات الأهلية ودخول البلاد في الفوضى هو مسألة وقت فقط.

ليست هذه الأزمة المزمنة بشيء جديد خاص بالحرب على تنظيم داعش، بل تعود جذورها إلى بدايات الغزو الأميركي للعراق. في الفترة التي سبقت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تردد الأكراد في حضور الاجتماعات التي نظمتها الإدارة الأميركية مع المعارضة العراقية لدراسة عملية تغيير النظام العراقي والتنسيق لمرحلة ما بعد الغزو. كان شرط الحزبيْن الكرديين للمشاركة الصريحة في أي عملية أميركية لتغيير النظام، أو حتى دعمها، هو ألا يجري استبدال دكتاتور بآخر، وأن يجري تأسيس نظام فيدرالي ديمقراطي تعددي. وقد اقترح الحزب الديمقراطي الكردستاني دستورا في هذا الصدد قبل الغزو.

لم تلتفت الولايات المتحدة إلى مهمة بناء الدولة بعد غزوها وتدميرها، فلا هي نجحت في إرساء الأمن والاستقرار ولا في تشكيل نظام سياسي ديمقراطي جامع ودستور حديث غير طائفي. وضعت أميركا هدفا وحيدا يتمثل بقتال تنظيم القاعدة الذي تنامت قوته بعد الغزو وخصوصا منذ العام 2005، ودفعت جميع الأطراف لقتاله وتأجيل موضوع الصراع الداخلي. وعندما تراجع خطر تنظيم القاعدة في العام 2010، بدأت بوادر انفجار داخلي بين الأكراد والعرب السنة من جهة، والحكومة المركزية الشيعية من جهة أخرى.

خسر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في انتخابات 2010 من ناحية عدد المقاعد وفاز إياد علاوي، ولكن تحالفا داخليا بدعم إيراني-أميركي أوصل المالكي للسلطة. انتهج الأخير سياسات طائفية واضحة ونكث وعود الدولة المركزية للأكراد والعرب السنة الذين هزموا القاعدة، بل زج بشبابهم بالسجون ولاحق قادتهم واتهمهم بالإرهاب فاضطروا لمغادرة البلاد. باختصار خلق المالكي، في ظل الصمت الأميركي، الظروف المواتية لنشوء تنظيم داعش التي أزاحت الانفجار الداخلي من الواجهة، ليحل مكانه من جديد مسألة مكافحة الإرهاب لدى واشنطن.

أمل البعض في ذلك الوقت أن تكون الولايات المتحدة قد أدركت خطأها السابق والمتمثل في تجاهل بناء دولة تعددية، والعمل على إستراتيجية واسعة تخلق تلك التعددية وتنزع عوامل الانفجار الداخلية. وبالفعل بدأت أميركا الحرب على الإرهاب هذه المرة بالإطاحة بنوري المالكي كرئيس للوزراء في إدراك واضح لدوره السابق في خلق الأزمة الحالية واستحالة حلها بالتركيز فقط على الحرب على الإرهاب، بل بضرورة وجود مسار سياسي يوازي المسار العسكري. ولكن النظام العراقي بقي كما هو، استبدادي وفاسد وطائفي، ومهيمن عليه من قبل إيران وعملائها في العراق، وبالتالي مولّد للقلاقل والانفجارات السياسية. فيما عادت الولايات المتحدة لتجبر الجميع على محاربة داعش وصرف النظر عن مظالمهم ومخاوفهم الخاصة بالمستقبل.

قبل عام على الأزمة الحالية في مدينة كركوك، أعلنت بغداد وقيادة إقليم كردستان هجوما مشتركا، بدعم أميركي إيراني، على الموصل لانتزاعها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية. كانت تلك أيام التفاهم والعمل المشترك لاستئصال التنظيم المتطرف واستعادة الاستقرار في العراق.

وصلت الحرب على تنظيم داعش اليوم إلى نهايتها باستعادة السيطرة على معاقله الرئيسية في العراق وسوريا، الموصل والرقة. ومعها عاد المرض المزمن المتمثل بأزمة الدولة المركزية الاستبدادية الطائفية والمعززة بطغيان إيراني وسلبية أميركية وضياع أوروبي للظهور مجددا اليوم. هو مرض غياب حل عادل واسع ورحب، وباعث على الأمل لجميع مكونات هذه البلاد.

كاتب فلسطيني سوري

8