كرم زهدي متشدد في شبابه حكيم لين في كهولته

السبت 2017/06/17
كرم زهدي قيادي إسلامي يقول لرفاقه "اشتغلوا بالفلاحة تفلحوا"

القاهرة- تكشف لائحة الإرهاب التي أعلنت عنها كل من الرياض وأبوظبي والمنامة عن فرز حقيقي لاتجاهات وشخصيات وكيانات كثيراً ما تم الخلط بينها، وكثيراً ما عجز المراقبون عن فهم المسافة الفاصلة بين هذا الاتجاه أو ذاك أو هذا القيادي الإسلامي أو ذاك.

وفي الوقت الذي ضمت فيه تلك اللائحة أسماء رفاق له في الجماعة الإسلامية، مثل محمد أحمد شوقي الإسلامبولي وطارق عبدالموجود إبراهيم الزمر، فقد خلت من اسم أمير الجماعة السابق كرم زهدي المتهم السادس في قضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي فطن مبكرا لسنن التطور وطبيعة الواقع المتغير وما يستلزمه من قدرات وطاقات لا تتوفر لدى الإسلاميين بمختلف تصنيفاتهم وفصائلهم.

منذ نشأة تيار الإسلام السياسي في عشرينات القرن الماضي لم تسجل لقياداته وأعضائه مواقف تؤشر على براعتهم في السياسة، وفي حين خرج من التيارات الأخرى رموز وزعماء سياسيون وعمالقة في فن السياسة عجز التيار الإسلامي عن صناعة زعيم سياسي واحد، وكان هذا حالهم أيضًا في الفن والإبداع والفكر والأدب.

لم تكن المآسي والهزائم المتعاقبة وتلاعب الخصوم السياسيين بهم محصلة لمؤامرات ضدهم كما يدعون إنما لتواضع قدراتهم وخبراتهم السياسية، ويزدحم واقع الإسلام السياسي بشيوخ وقادة يصح تشبيههم بالمطربين الذين يؤدون ما يطلبه المستمعون، فإذا قال لهم الأتباع نصلح للسلطة وتَصدّر المشهد السياسي قالوا لهم “أنتم لها”، وإذا طلبوا منهم السماح بخوض الصراع على قيادة العالم ومغالبة القوى الكبرى أخرجوا لهم من بطون كتب التاريخ ما يمنحهم أحقية سيادة الكون.

ولد زهدي في المنيا عام 1952 ونشأ في بيئة محافظة وشهد له أقرانه بالطموح، ووصفوه بالعنيد في شبابه وبالليّن في كهولته. تخرج من المعهد العالي للتعاون الزراعي وحصل على شهادات في الشريعة، سُجن لمدة اثنين وعشرين عامًا في قضية اغتيال الرئيس السادات من عام 1981 حتى سبتمبر 2003، وهو متزوج من شقيقة زوجة عمر عبدالرحمن الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية ولديه ست بنات.

في العام 2002 أطلق مع قادة آخرين بالجماعة الإسلامية مبادرة وصفت بالتاريخية للمصالحة مع الدولة بعد عقود من الصراع المسلح، وقال الموقّعون عليها “هذه المبادرة حقن لدمائكم والدماء عمومًا في مصر وحفاظ على الأنفس أن تهلك في غير ميدان، أو أن تقتل دون مصلحة شرعية صحيحة، أو أن تزهق دونما هدف شرعي، لقد أطلقناها من أجل وقف ومنع عنف أدى إلى أحقاد ونزاعات وثارات تولّدت وكبرت بيننا وبين قومنا وأبناء وطننا، وكادت تنسي الفريقين أنهما من ملة واحدة ومن دين واحد ويصلّون إلى قبلة واحدة ويعبدون ربًا واحدًا”.

الإسلام السياسي تفتقر قياداته وأعضاؤه ومنذ نشأته في عشرينات القرن الماضي لمواقف تؤشر على براعتهم في السياسة. وفي حين خرج من التيارات الأخرى رموز وزعماء وعمالقة في فن السياسة عجز التيار الإسلامي عن صناعة زعيم سياسي واحد، وكان هذا حالهم أيضا في الفن والإبداع والفكر والأدب

المسلم ليس حاكما فقط

زهدي قيادي إصلاحي شديد الواقعية والحساسية تجاه ماضيه، لذا فإنه يمر عليه في كل مناسبة بممحاة المصارحة والمكاشفة ليمحو مثالبه ويكفّر خطاياه، فهو لا يمنح سائليه ما يتمنّون بل يدلهم على ما يصلحون له ويصلح لهم، ولا يتركهم يحلقون في فضاء الأوهام فتصيبهم كما أصابت من قبلهم “لوثات” الهوس بإطلاق مزاعم وصفات ومطالبات ليس لها من الاستحقاق نصيب.

الجماعة الإسلامية التي أخرج أعضاؤها وقادتها من السجون بفضل مبادرة وقف العنف، ومعهم إخوان وآخرون، أرادوا جميعًا بعد ثورة 25 يناير 2011 الاشتغال بالسياسة والسلطة، فقال لهم زهدي “افعلوا ما تجيدونه ويفيد البلد واشتغلوا بالفلاحة والصناعة والتجارة والإعلام والاستثمار وانخرطوا في الواقع والتصقوا بالناس وساعدوا الفقراء وأسهموا في النهوض بالبلد.. فهذا أفضل لكم”.

غرز الرجل في جلد التقليد والجمود دبابيس من نار فتركوه مع أبحاثه التنموية المجتمعية شبه وحيد بشقته بالإسكندرية، وزحفوا وراء منافسيه الجهاديين من “آل الزمر” الذين أقصوه من زعامة الجماعة، وراحوا ينتشرون في كل ميدان وشارع بمصر وفي كل منصة محلية وخارجية توهمهم بأنهم سياسيون بارعون وأنهم الصفوة المفكرة، والمستحقون فعليًا لكراسي الحكم التي سرقها منهم الآخرون واضطهدوهم.

فتح زهدي بطن الجماعات على الساحة وصنّف قادتها وأتباعها وفرز أعضاءها ودرس إمكانياتهم ومواهبهم وقدراتهم، وأسس مشروعه الجديد بعد إعلان مراجعاته الفكرية على توظيف كل فريق في المجال المجتمعي الذي يجيده ويبرع فيه، مكتشفًا أن هذا المسلك وحده دون سواه هو عنوان التجديد والابتكار في الحركة.

إذا كان رفيقه ناجح إبراهيم ثاني اثنين ممّن ساندوه في مسيرة مبادرة نبذ العنف والمراجعات قد قال “نحن دعاة لا قضاة ونحن هداة ومربّون”، فإن زهدي قال للإخوان “ليشتغل أطباؤكم في الطب ليفيدوا المرضى، ومستثمروكم في المشاريع ليفيدوا الفقراء، وأساتذة الجامعات في التدريس والمهندسون والحرفيون كل في مجاله لوجه الله والوطن وليس لوجه الجماعة”.

ثناء قيادته للجماعة حرص زهدي على كبح جماح أعضائها وترشيد خياراتها

وقال للجماعة الإسلامية “ليس منكم سياسي بارع لكن فيكم تجار ومدرسون وصانعون وحرفيين.. اذهبوا واعملوا ما يفيد الناس ويفيدكم وينفع وطنكم”. لكن ردّوا عليه قائلين إن القرآن يقول “إن الحُكمُ إلا لله”، فأخرج لهم من القرآن آيات تحث على العمل والإنتاج وترفع من شأن الزراعة وتصف الجنات والزروع والنخيل والأنهار والبحار، وأخرى تمجد من شأن الصناع العظام كداوود والإسكندر، وقال “المسلم لا يكون فقط حاكمًا عظيمًا إنما صانعًا مجيدًا وفلاحًا نبيلًا وطبيبًا بارعًا”.

خلال زيارة “العرب” له في شقته بالإسكندرية، قرأ علينا الشيخ زهدي ملخصًا لأبحاثه التنموية التي عكف عليها بعد اعتزاله السياسة والجماعات، ولمسنا رغم تقدم سنه واعتلال صحته جهدًا كبيراً في البحث عمّا يفيد البلاد وتفاصيل لمشاريع ومقترحات تصب في تحقيق العدل الاجتماعي واستيعاب طاقات الشباب العاطل ورفع مستوى المهمّشين والفقراء اقتصاديًا واجتماعيًا، والاستفادة من طاقات شباب الجماعات الإسلامية في تلك المجالات.

مشروعه التنموي يقوم على أربعة محاور هي التفوق الزراعي والتفوق الصناعي والتفوق التجاري ثم العلم والإعلام، وحاول مشاركة لواء سابق في إنشاء حزب يترجم أفكاره تلك على أرض الواقع وأسماه “الأمة الجديد” لكنه تعثر لعدم توفر التمويل، فيما استمر حزب “البناء والتنمية” (حزب الجماعة الإسلامية) بقيادة الزمر وتياره قائمًا بسبب توفر التمويل الإخواني له في مسار الصراع على السلطة، وهكذا ترك الإسلاميون ما يجيدونه فعليًا وانخرطوا في حرب مسلحة ضد الدولة ومؤسساتها للمطالبة بأمر لا يجيدون التعامل معه وغير جديرين به.

مبادرة أم مؤامرة

الصحافي المصري مكرم محمد أحمد اجتمع معهم داخل السجون، وحضر محاضراتهم التي كانوا يلقونها على أعضاء الجماعة لشرح الفكر الجديد، وتابع النقاشات التي دارت بين الأتباع والقادة في القضايا الخلافية وأجرى العديد من الحوارات مع القيادات نشرت بمجلة المصوّر، وكانت تلك أول إطلالة إعلامية لهم منذ حادث المنصة وأحداث أسيوط بصعيد مصر، ثم جمعها في كتاب حمل عنوان “مراجعة أم مؤامرة”، وكأنه كان يتنبّأ بأن هناك منهم من راجع أفكاره بصدق ومنهم من تآمر وسلك سبل الخديعة حتى يتحرّر من السجن.

بعد نجاح المبادرة وخروج الآلاف من أعضاء الجماعة من السجون وما تبعه من إفراج عن قيادات محسوبة على الفكر الجهادي ممّن عارضوا المبادرة والمراجعات مثل طارق وعبود الزمر ورفاعي طه بعد ثورة يناير، اجتمع هؤلاء وقادوا انقلابًا ضد الإصلاحيين، وعلى رأسهم كرم زهدي وناجح إبراهيم، وسيطروا على الجماعة وأنشأوا حزبًا ناطقًا باسمها وتحالفوا مع الإخوان في مصر ومع القاعدة في سوريا وغيرهما.

زهدي قيادي إصلاحي شديد الواقعية والحساسية تجاه ماضيه، لذا فإنه يمر عليه في كل مناسبة بممحاة المصارحة والمكاشفة ليمحو مثالبه ويكفّر خطاياه، فهو لا يمنح سائليه ما يتمنّون بل يدلهم على ما يصلحون له ويصلح لهم

القيادات ذات الميول الجهادية الصدامية مثل عبود وطارق الزمر وعاصم عبدالماجد وصفوت عبدالغنى رأت في رغبات قيادات مبادرة وقف العنف المتمثلة في كرم زهدي وناجح إبراهيم العائق الحقيقي أمام انطلاقهم لتصدر مشهد الجماعة بنهج القفزات غير المحسوبة في دهاليز السياسة والسلطة، من ثم أداروا حملة تشويه وتخوين ضدهم، وصار عبود الزمر هو “المناضل الثائر” بينما زهدي هو المتخاذل المداهن، واعتقدوا أن الأوضاع قد انقلبت لصالحهم بعد ثورة 25 يناير.

أثناء قيادته للجماعة حرص زهدي على كبح جماح أعضائها وترشيد خياراتها بصفة عامة بدون حرق للمراحل وقفز للأمام بسرعة لا تناسب إمكانياتها البشرية وظروف المرحلة التي تمرّ بها، وبدون خلط للأوراق وتصوير للصراع السياسي على أنه صراع ديني مع مؤسسات الدولة التي تحمى المنهج والتوجه العلماني التغريبي.

العداء للجيش

تلك القيادات لم تكن راضية تمامًا عن مبادرة وقف العنف، حيث كان لطارق الزمر موقف واضح غير مشارك في المراجعات ولديه مشروعه المستقبلي في المنافسة على السلطة، وبالرغم من مشاركة صفوت عبدالغنى وعاصم عبدالماجد المحدودة في بعض ملفات المبادرة إلا أنهما اعتبراها “تكتيكًا مرحليًا” لحين العودة من جديد بنفس المشاريع القديمة.

وهم ورغم أنهم تجمع بينهم فكرة العداء للجيش وضرورة إخضاعه للقبول بالحكم “الإسلامي” وتمكين حاكم ينتمي للتيار الإسلامي، إلا أنهم يختلفون في الوسائل الموصلة لهذه النتيجة. فمنهم من يرى ضرورة التجميع والتمايز على أساس أيديولوجي ويميل لنموذج الثورة الإيرانية، فيمَا يجنح آخرون لتوسيع دائرة تحالفات التيار الإسلامي وإقامة علاقات تعاون وشراكة مع حركات وتيارات غير إسلامية تشترك مع “الإسلاميين” في العداء للمؤسسة العسكرية.

فيظهر زهدي كفدائي ضحّى بجاه القائد وبادر ليكون الأول الذي تصيبه الدفقة الأولى من اتهامات الخيانة والعمالة للأمن والتنازل عن الثوابت وبكونه باع دينه، ونال النصيب الأكبر من الجحود ووقاحة السباب، ولا يزال الكثيرون من أعضاء جماعته السابقة يسيئون إليه، مع أنه ظلّ يشرح لهم وينصحهم حتى بعدما طردوه تحت زعم الانتخابات الوهمية عندما حلت أيام العافية والظهور ومظنة جني الغنائم.

يظل زهدي على موقفه مهما فعلوا، ويتحمل ويصبر عسى أن يفهموا عنه يومًا ويبصروا فقهه ويعوا رؤيته التنموية التي تناسبهم وتناسب مؤهلاتهم وقدراتهم، وهو في كل الأحوال لا ينتظر منهم جزاءً ولا شكورًا، إنما دلّهم على طريق الخير فاستخفوا به وخالفوه.

صارحهم بأن الجماعات ليست وحدها التي تحمل همّ الإسلام وليست وحدها المتديّنة، وهناك أناس ومؤسسات لا تحمل العناوين الإسلامية لكنها تحب الدين وتسعى لنصرته، وكان واضحًا معهم فصرخ في وجوههم “أنتم تجار وصناع فانصروا الدين والوطن فيما تجيدونه واتركوا الساسة والعسكريين ينصرونه بما هم بارعون فيه”، لكنهم فارقوه واعتبروه يهذي.

قيادات الشعارات والأحلام الزائفة من أعضاء الجماعة هي التي نالت ألقاب الشجاعة والبطولة ونوط استحقاق القيادة والزعامة بدون أدنى استحقاق، ولا يهم بعدها إذا طمست الحقائق وتسببوا في سفك دماء أبناء الوطن البريئة وتعريض وحدة الأوطان للخطر.

الإخوان قتلوا السادات

زهدي أطلق مع قادة آخرين بالجماعة الإسلامية مبادرة للمصالحة مع الدولة

قال كرم زهدي خلال أحد حواراته بالصحف المصرية إن الإخوان هم من حرضوهم على اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عندما رفعوا شعار “الإسلام ضاع″ وأفتى مرشد الإخوان حينذاك عمر التلمساني بأن اتفاقية كامب ديفيد حرام.

والفكرة هنا أن حركة عام 1965 كانت آخر تجليات العنف في تاريخ الإخوان قبل أن يعودوا إليه مجددًا عقب عزلهم عن السلطة تأسيسًا على أفكار سيد قطب في “معالم في الطريق” من انفصال بين الجاهلية والإسلام وحاكمية الله وحاكمية البشر، وأنه لا بقاء لمن يعبد الله إلا بالقضاء على عَبَدة الطاغوت ولا سبيل لهدنة أو مصالحة.

تلك الأفكار أوحت للجماعة الإسلامية بمواصلة مسيرة العنف علاوة على التحريض السياسي من الإخوان، فدخلت في صدام عنيف مع الدولة وقتلت السادات بالمشاركة مع تنظيم الجهاد وحاولت قتل مبارك ودخلت في صدام طويل مع أجهزة الأمن.

إنه سيناريو مكرر، حيث تتنامى قوة الإخوان فتنكشف مساعيها للانفراد بالسلطة، وتستشعر الدولة الخطر فتسارع إلى حظرها، ويستسلم الإخوان لفترة كمون في المشهد السياسي لإعادة بناء التنظيم الذي يحميها لاحقًا من ضربات جديدة محتملة، واستمر ذلك من منتصف السبعينات من القرن الماضي إلى ما قبل حراك يناير 2011.

تبنت الجماعة الإسلامية منهج الإخوان القديم في المفاصلة والانقلاب فيما تنحاز جماعة الإخوان للمهادنة زاعمة أنها من تمثل الرؤية الوسطية الصحيحة للإسلام دون سواها.

رغم ذلك دعا زهدي الإخوان أخيرًا لإلقاء السلاح والحفاظ على الدولة، وطرحه التنموي يستعيد بريقه ويكتسب صدقيّته وواقعيته مع الأحداث، فالكوارث وقعت وتقع لأنهم ذوو قدرات سياسية متواضعة ولأنهم أحاديون يرفضون ما أسماها زهدي “الشراكة التخصصية”، فإما عودة مرسي أو القتال، وإما علمانية أو إسلامية، وإما حضور بشروطنا أو التحالف مع قوى خارجية.

ما طرحه زهدي ما كان ينبغي حدوثه منذ البداية، فهو يقدم الحركة الإسلامية بحجمها الطبيعي وقدرات أعضائها وقادتها الفعلية، وذلك على خلاف ما يتورط فيه من يوصفون بالحنجوريين والشعاراتيين ويورطون فيه الجماعات والتنظيمات المختطفة ذهنيًا، التي تدّعي امتلاكها ما لا تمتلك، وبعد سنوات من العبث والعنف والهوس تُجبر من خارجها بدفع جماهيري ومؤسسي على العودة إلى حجمها الحقيقي.

12