كرنفال ريو دي جانيرو رسائل سياسية وبيئية برقصات زاهية

مدارس السامبا تضطر إلى التكيف مع غياب الدعم المادي من خلال تصميم رقصات شبابية يطغى عليها الحس الابتكاري.
الثلاثاء 2020/02/25
استعراض باهر بإمكانيات ضئيلة

يظهر الكرنفال السنوي في ريو دي جانيرو احتفالا بالألوان الزاهية من خلال الأزياء التنكرية والرقصات وقرع الطبول التي تقدمها مدارس السامبا في منافسات حامية للحصول على أفضل المرتبات، وهي الغاية الوحيدة من هذا اللقاء الذي يحضره الآلاف من المتفرجين ويتابعه الملايين من المشاهدين، لكنه يحمل أيضا رسائل سياسية واجتماعية.

ريو دي جانيرو - انطلقت عروض مدارس السامبا في مهرجان ريو دي جانيرو على جادة سامبودرومو الشهيرة الأحد، في مشهد زاخر بالألوان البراقة والرسائل السياسية والاجتماعية المتمردة على واقع البلاد.

وانطلقت أفضل 13 مدرسة سامبا في ريو في تقديم عروض متتالية تمتدّ سبعة أيام أحد وستة أيام اثنين لإبهار المتفرجين البالغ عددهم حوالي 70 ألف متفرج وعشرات الملايين من المشاهدين.

وتأتي هذه العروض التي يقدّمها راقصون وراقصات بملابس خارجة عن المألوف على وقع أصوات الطبول في نطاق منافسة تضع في نهاية كل عرض  لجنة التحكيم علاماتها وفقا لمعايير متنوّعة، بدءا من تقييمها لمدى غنى الأزياء وصولا إلى تصميم العربات، مرورا بمدى انسجام أكثر من 3 آلاف عضو من كل مدرسة خلال العرض الذي يمتد على نحو 700 متر.

ولطالما شكّل الكرنفال مرادفا لروح التحدي، لكن هذه السنة اتخذ منحى سياسيا كبيرا، بعد عام من حكم الرئيس اليميني جايير بولسونارو الذي قسّم البرازيل بهجماته العلنية على القضايا المرتبطة بأوساط الكرنفال، وهي التنوع والمثلية الجنسية والبيئة والفنون.

قالت كاميلا روشا وهي تتحضر لدخول الجادة الشهيرة التي تحتضن الفرق المشاركة “يشمل هذا الكرنفال احتجاجات كثيرة لأننا نريد أن يرى العالم ماذا يجري هنا. هناك الكثير من الناس الذين يعارضون هذه الحكومة المتطرفة”.

وقد واجه بولسونارو إدانات من المدافعين عن البيئة والمجتمع الدولي بسبب سياساته بشأن أكبر الغابات المطيرة في العالم حيث ازدادت نسبة إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية بحوالي 85.3 في المئة خلال العام الأول لتوليه منصبه.

الغرابة تحيي الكرنفال
الغرابة تحيي الكرنفال

وإضافة إلى السياسة، تخللت الكرنفال الشهير مواضيع دينية واجتماعية وثورية.

فقد عرضت بطلة العام الماضي وهي مدرسة مانغييرا المسيح مولودا في مدينة صفيح “وبوجه أسود ويحمل دماء الشعوب الأصلية وبجسم امرأة” لينشر رسالته حول التسامح.

وحملت أغنيتها عنوان “الحق سيحرّركم” المقتبس من آية في الإنجيل غالبا ما يستشهد بها بولسونارو الذي استفاد من دعم كبير قدّمته له الكنيسة الإنجيلية خلال انتخابه في أكتوبر 2018.

وقد أثار هذا العرض حتى قبل أن يقام انتقادات من مؤيدين لبولسونارو وجهوا عريضة إلى المدرسة يصفون فيها العرض بأنه “يجدف بالدين”.

وفي هذا السياق، غرّد القس المعمداني هنريك فييرا، الناشط اليساري والمعارض القوي لبولسونارو على عكس الغالبية في الكنيسة الإنجيلية بأن “مانغييرا تمثّل يسوع الذي يرد فعلياً في الإنجيل، يسوع المحبة وصديق المضطهدين”.

وهو شارك بنفسه في تطوير العرض، واقترح على مصمّمي الرقصات مراجع من الإنجيل.

وأشارت مدرسة “استاسيو دي سا”  في عرضها بشكل غير مباشر إلى السياسات التي تتبناها حكومة الرئيس البرازيلي الحالي، والتي تسعى إلى استغلال منطقة الأمازون لتحقيق المزيد من التقدم في البلاد.

وبدوره فإن تدهور الوضع البيئي الناجم عن مشروعات التعدين في البرازيل كان حاضرا أيضا في العروض، حيث تم انتقاد ظروف عمل الملايين من الرجال والنساء وحتى الأطفال الذين يعيشون عمليا تحت الأرض بحثاً عن أحجار ومعادن ثمينة، إضافة إلى التصحر.

واختارت مدرسة بورتيلا، صاحبة العدد الأكبر من الألقاب في كرنفال ريو مع 22 كأسا، لعرضها الأحد موضوعا شديد الحساسية في ولاية بولسونارو وهي مسألة السكان الأصليين.

وتوجه المدرسة تحية إلى شعب توبينامبا الذي كان يعيش في ريو دي جانيرو قبل وصول المستعمرين الأوروبيين.

وترد في أحد مقاطع أغنية بورتيلا عبارة “قريتنا لا تنحني أمام القبطان”، في تلميح واضح إلى بولسونارو الضابط السابق الذي يواجه انتقادات قوية على خلفية سياسته البيئية التي توصف بأنها مصدر أذى للسكان الأصليين في الأمازون.

أما مدرسة ساو كليمنتي التي تطلق عروض الاثنين فستتطرق إلى المعلومات الكاذبة التي انتشرت خلال حملة بولسونارو الرئاسية.

ومن العروض المنتظرة أيضا ذلك الذي ستقدمه مدرسة موسيدادي وتوجه فيه تحية إلى المغنية الشهيرة إلزا سواريس (89 عاما) الزوجة السابقة للاعب كرة القدم غارينشيا والتي استحالت أيقونة للكفاح ضد العنصرية وكراهية المثليين.

وللمرة الأولى، حضرت مدارس السامبا التي تعطي للكرنفال البرازيلي رونقه، عروضها من دون الإفادة من أي مساعدة من البلدية.

تحية إلى السكان الأصليين
تحية إلى السكان الأصليين

فمنذ انتخابه في 2016، لطالما انتقد رئيس البلدية مارسيلو كريفيلا وهو قس إنجيلي، هذا الاحتفال الشعبي الأبرز في البرازيل. وقاربت قيمة المساعدات مليوني ريال برازيلي سنة 2017 (حوالى 680 ألف دولار مع احتساب متوسط سعر الصرف للعام المذكور)، لكنها تراجعت تدريجيا حتى زالت تماما هذه السنة.

واضطرت مدارس السامبا تاليا إلى التكيف مع المعطى الحالي من خلال تصميم رقصات شبابية يطغى عليها الحس الابتكاري لمواجهة مشكلات الميزانية، والاستعانة خصوصا بأزياء أو قطع جرى استخدامها في السنوات السابقة.

ويوضح المؤرخ لويز أنطونيو سيماس وهو مؤلف كتب عدة عن الكرنفال أن “هذا الجيل الجديد يجعل من الكرنفال فنا لكنه يصنع منه أيضا احتفالا سياسيا ملتزما”.

وقال تاينارا ماتياس دا سيلفا مدرس لغة إنجليزية يبلغ من العمر 26 عاما وكان أحد الراقصين المشاركين في مدرسة إستاسيو دي سامبا، إنه على الرغم من الأزمة الحالية التي تواجه العديد من فرق الرقص في ريو في ما يتعلق بالتمويل والموارد، فإن الكرنفال سيستمر في الازدهار.

20