كرنيت فلوغ.. القبضة النسائية على بنك إسرائيل هل تنعش الاقتصاد

الجمعة 2013/10/25
المرأة الأولى في خطة رئيس البنك المركزي في إسرائيل تؤمن أن المسؤولية كبيرة

تل أبيب ـ انتظر الإسرائيليون كثيرا ولمدة مئة وعشرين يوما ليحل الشخص المناسب في مكان البروفسور ستانلي فيشر الذي اعتزل العمل من منصبه كمحافظ لبنك إسرائيل. وعجز نتنياهو ووزير المالية في اختيار من يعوضه وسط حالة من التخبط سيطرت على الحكومة بعد ذاك الانسحاب، لكن في الأخير وقع الاتفاق على كرنيت فلوغ لتولي منصب رئيس البنك المركزي. ولتصبح المرأة الأولى في تاريخ إسرائيل التي تتولى هذا المنصب. وتنضم بذلك لقطار السيدات اللواتي يقدن الاقتصاد الإسرائيلي مثل مالكة بنك "هبوعليم" شيري أريسون، ورئيسة مجلس إدارة بنك "لئومي" "ركيفت روسك ـ عميناح". ويذهب العديد من الخبراء الاقتصاديين أن فلوغ أمامها جملة من التحديات قد تربك أداءها وتسبب لها جملة من المصاعب خاصة في ظل الوضعية التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي في الآونة الأخيرة.

من بين تلك المشاكل والتحديات أن محافظة البنك الجديدة ستضطر لمواجهة أسعار السكن المرتفعة، والقيادات السياسية المتلونة والمنظومة المالية المليئة بتناقضات المصالح. لكن كرنيت فلوغ مؤمنة بقدراتها على التغلب على كل المشاكل وتجاوز كل العراقيل بما تملكه من معارف ولتجربتها في عالم المال والأعمال.

ونعود هنا لنتعرف على أكثر تفاصيل عن حياة فلوغ وعن التحديات التي تنتظرها بعد اختيارها لتولي منصب رئيس البنك المركزي وهل تقدر على إعادة بعض التعافي للاقتصاد الإسرائيلي الذي بدأ يترنح.

الصحف الاسرائيلية لم تكن خارج الحدث والمتمثل في صعود اسم كرنيت فلوغ لإدارة أكبر مؤسسة بنكية في اسرائيل، فقد نشرت الخبر وهللت لنجاح هذه المرأة في تقلد منصب محافظة البنك المركزي الاسرائيلي. وهو يعد في نظرهم تفوق للعنصر النسائي في مجال المال والاقتصاد وقد افتك العنصر النسائي هذا الاختصاص من الرجال. ويتزامن صعود هذا الوجه النسائي في إسرائيل مع صعود آخر في الولايات المتحدة الأميركية والمتمثل في تعيين "جينت يلن" في منصب رئيس البنك الفيدرالي، وهي المرأة الأولى التي تتولى هذا المنصب في تاريخ البنك الفيدرالي الأميركي.

هذا الانتصار الذي حققته فلوغ في المجتمع الاسرائيلي لم يكن من باب الصدفة أو طريق الوسطات أو التلاعب السياسي والمصالح السياسية بل فرضته شخصية كرنيت لما تتميز به من خصال عديدة ولمهارتها في إدارة بعض المؤسسات ولجملة من المعارف التي تكتسبها فمن تكون كرنيت فلوغ؟

كانت فلوغ (58 عاما) المرشحة التي أوصى بها المحافظ السابق، البروفيسور ستانلي فيشر، عندما أعلن عن استقالته من منصبه في شهر حزيران الماضي. وحصلت فلوغ على اللقب الجامعي الأول والثاني بامتياز من الجامعة العبرية في القدس، كما حصلت على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كولومبيا في نيويورك في العام 1985.

ثم انضمت إلى بنك إسرائيل في العام 1988، بعد أن عملت لمدة خمس سنوات في صندوق النقد الدولي (أي.أم.أف). وعملت فلوغ في قسم الأبحاث في بنك إسرائيل عام 1988، وتم تعيينها في العام 2001، رئيسة قسم الأبحاث وفي شهر تموز من العام 2011 عُينت نائبة لمحافظ البنك المركزي.

هذه التجربة الثرية هي وحدها من سمحت لكرنيت فلوغ بالوصول لهذا المنصب وذلك ما مكنها لتحضى بثقة الطبقة السياسية في الداخل الاسرائيلي.

وهي الآن أمام تحديات حقيقية سببتها الظروف التي يمر به الاقتصاد العالمي والمشاكل التي يعرفها الاقتصاد الإسرائيلي جراء العديد من العوامل. ولعل ذلك ما يضع فلوغ أمام امتحان صعب يستلزم الكثير من العمل والجهد المتواصل والمساعدات المتعددة.

المرأة الأولى في خطة رئيس البنك المركزي في إسرائيل تؤمن أن المسؤولية كبيرة لكنها قبلت التحدي في ظل هذا الظرف الاقتصادي العالمي. وهي سعيدة بالاختيار الذي وقع عليها بعد فترة طويلة من استقالة المحافظ السابق البروفسور ستانلي فيشر.


مشاكل اقتصادية متعددة


لم تبد فلوغ أي انزعاج من الاختيار الذي وقع عليها لتولي منصب محافظ البنك المركزي، بل بالعكس فبعد إعلان خبر تعيينها أعربت عن شكرها لرئيس الوزراء ولوزير المالية على اختيارهما لها. وأضافت، أن هناك تحديات صعبة أمام البنك وأمام الاقتصاد الإسرائيلي، وأعربت عن أملها بالتعاون الكامل مع طواقم الموظفين المهني والمتفاني في البنك المركزي، ومع الجهات الحكومية المختلفة من أجل الصمود أمام تلك التحديات أيضا.

الصمود أمام التحديات الجمة التي يعاني منها الاقتصاد الاسرائيلي هذه الآونة هو ما تسعى إلى تحقيقه فلوغ مسلحة بعدة أسلحة لعل أولها كفاءتها والخبرة التي تمتلكها.

التحديات إذن كثيرة والتي من بينها مواجهة أسعار السكن المرتفعة والتي أرهقت الكثيرين الطامحين للحصول على مساكن لائقة والقيادات السياسية المتلونة التي ساهمت في إرباك الأداء السياسي والمنظومة المالية المليئة بتناقضات المصالح خاصة في ظل تجاذب الولاءات والخيارات والأولويات.

وقد أقر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية لبيد، في بيان التعيين بصعوبة الظرف العالمي نتيجة الاضطرابات الاقتصادية بالقول: "إنهما أعجبا بأداء الدكتورة "فلوغ" خلال الأشهر الأخيرة، عندما شغلت منصب القائم بأعمال مدير البنك المركزي، وأعربا عن ثقتهما بقدرتها على المساعدة في تطوير عمل بنك إسرائيل وصولا إلى تحقيق المزيد من المكاسب في ظل الاضطرابات الاقتصادية العالمية". وتعرف العديد من الشركات الاسرائيلية صعوبات اقتصادية ستكون في مواجهة إرادة كرنيت فلوغ التي تطمح لتجاوزها.

من ذلك ما تعرفه شركات كبيرة وصغيرة اقتصاديا من مشاكل قد يقودها إلى إخراج المئات وحتى الآلاف من المستخدمين والعمال من وظائفهم ورميهم في أسواق البطالة. ويذهب مراقبون أنه برغم أن المعطيات الاقتصادية الإسرائيلية ظلت حتى وقت قريب تشير إلى تأثر طفيف بالأزمة الاقتصادية العالمية، إلا أن المؤشرات الأخيرة تنذر بالخطر.

شعور الساسة والاقتصاديين بالخطر جاء خاصة بعد تعثر شركات كبرى، مثل «كيل» العاملة في إطار المناجم و«تيفع» للصناعات الدوائية، واضطرارها إما للدخول في مشاريع تقليص نشاطات أو زيادة نجاعة، وكلها تضمنت طرد مستخدمين.

كما أن التقليص الاسمي الذي أقر على ميزانية الدفاع والإشكالات التي تواجه الصناعات العسكرية دفعا إلى الحديث عن مشروع لتسريح حوالي عشرة آلاف مستخدم في المؤسسة العسكرية والصناعية العسكرية خلال وقت قصير.

وتتكاثر الأنباء عن إغلاق مصانع صغيرة في الضواحي كانت ترتبط بالمؤسسة العسكرية. وقد أعلن مؤخرا مثلاً أن مصنع «سيلتكام»، الذي ينتج ملابس عسكرية ويعمل فيه 50 عاملاً، سوف يغلق لعجز إدارته عن دفع الرواتب.

وأشارت صحيفة «معاريف» إلى أنه منذ بداية العام الحالي تم تسريح أكثر من مئة مستخدم في الصناعات ذات الصلة بالجيش في كريات شمونه وحدها. وهناك خشية كبيرة من أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد إغلاق خطوط إنتاج لمصنع «سميث»، ما سيحال على سوق البطالة ما لا يقل عن 150 مستخدما آخر.

وكانت الصحف الإسرائيلية قد نشرت صورة قاتمة عن تقديرات المستقبل القريب للاقتصاد التي تؤثر أيضا في ميزانية الدفاع وعلى قدرتها على تشغيل مستخدمين.


المؤسسة الأمنية وتأثيرها الاقتصادي


ذكرت «معاريف» أن المؤسسة العسكرية عرضت أمام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تقديرات تشير إلى أن من سيعمد الجيش إلى تسريحهم هم على الأقل ضعف عدد من تنوي شركة «تيفع» تسريحهم. كما تقول قيادة المؤسسة العسكرية أن هناك ثغرة تزيد على 3.5 مليارات شيكل في ميزانية الدفاع للعام 2014.

وتعتبر القيادة العسكرية أن تقليص ميزانية الدفاع يعني أمنا أقل وتوظيفا أقل للكفاءات.

والحديث يدور عن تقليص قوام الجيش النظامي بحوالي خمسة آلاف عنصر. ولكن المشكلة تزداد جراء الميل لتسريح عدد مشابه من المستخدمين في الصناعات العسكرية.

وتدرك فلوغ كل تلك المشاكل التي تعانيها المؤسسة العسكرية والتي تتطلب ضخ الأموال وتغيير السياسات خاصة في هذه الظرفية.

وقد أشارت الكثير من التقارير الإعلامية إلى حالة من الركود التي يشهدها الاقتصاد الاسرائيلي وقدمت جملة من المعطيات حول بعض المصانع والشركات التي تمر بصعوبات قد تضطرها لطرد عدد من العمال.

فالاقتصاد الاسرائيلي يعاني من حالة ركود قادت إلى تراجع الإنتاج عموما، وإلى انخفاض معدلات التصدير الصناعي خصوصا.

وتدل آخر المعطيات على أن الإنتاج الصناعي تراجع في الربع الثالث من هذا العام بنسبة 7.9 بالمئة، وذلك دون حساب قطاعات التكنولوجيا والمناجم.

وعلى سبيل المثال، فإن أزمة شركة «تيفع» الدوائية قادت وحدها إلى تراجع صادرات التكنولوجيا العالية بنسبة 20 بالمئة.

وتجدر الإشارة إلى أن صادرات شركة «تيفع» من إسرائيل تراجعت بنسبة 50 بالمئة مقارنة بالربع ذاته من العام الماضي. ومعروف أن صادرات «تيفع» من الدواء بلغت في الربع الثالث 995 مليون دولار مقارنة بـ1،95 مليار دولار في الفصل المقابل من العام الماضي.

وبرغم تباهي إسرائيل بنسبة البطالة المتدنية، وكانت حتى وقت قريب بحدود 6.1 بالمئة، فإن حساب فرص العمل وساعات العمل لم تزدد، ما يعني أن الأزمة على هذا الصعيد تتفاقم. وبديهي، أنه في أوضاع كهذه تتراجع صدقية الشيكات ويتخلف كثيرون عن دفع الديون.

وأظهرت معطيات دائرة الإحصاء المركزية، أن هناك تراجعاً بنسبة 1.5 بالمئة في سداد الديون في الاقتصاد الصناعي في الربع الثالث من هذا العام مقارنة بالربع الثاني.

ولكن نسبة العجز عن السداد في القطاع التجاري بالمفرق كانت تقريبا ضعف هذه النسبة. وكانت فلوغ حذرت عندما كانت تشغل منصب نائبة محافظ بنك إسرائيل من الاضطرار إلى إثقال عبء الضرائب نتيجة الصعوبات التي تعرفها وزارة الدفاع.

وصرحت وقتها أنه إذا تمت زيادة ميزانية الدفاع فقد يكون من الضروري زيادة نسبة الضرائب المفروضة على مواطني الدولة.

وتوقعت حينها أن تضطر الحكومة إلى تلبية احتياجات اجتماعية هامة مما سيجبرها على زيادة مدخولات الدولة. ورأت أنه من المفضل رفع سقف ضريبة القيمة المضافة على رفع نسبة الضرائب المفروضة على الطبقات ميسورة الحال.

وهاهي المشاكل التي أشارت إليها فلوغ في وقت سابق تظهر إلى السطح نظرا للحاجيات المالية التي تتطلبها وزارة الدفاع والمؤسسة الأمنية بصفة عامة. خاصة بعد الأزمة المالية التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية اليوم.

فقد ادعت مصادر إسرائيلية إن الأزمة المالية التي تواجهها أميركا حاليا تؤثر على القدرات الأمنية الخاصة بإسرائيل، وأضافت أن وزارة الأمن الإسرائيلية، التي تواجه عجزا في الميزانية، خفضت لذلك برنامجها الخاص بالصواريخ الدفاعية الباليستية.

وذكرت المصادر أن وزارة الأمن، التي تلقت أوامر لاقتطاع أكثر من مليار دولار العام المقبل، قد وضعت تدابير لخفض ما يصل إلى 30 مليون دولار من برنامج أرو -3.

وأوردت في هذا السياق صحيفة وورلد تريبيون الأميركية عن مسؤولين قولهم إن مثل هذا القرار سيؤخر تطوير وإنتاج نظام " BMD" الذي تعول عليه إسرائيل من أجل استخدامه في اعتراض الصواريخ النووية وغيرها من الصواريخ غير التقليدية.

وقالت وزارة الأمن الإسرائيلية: "لا تزال النقاشات جارية. ولم تتم المصادقة بعد على الميزانية". فيما قالت المصادر إن الوزارة تتجاوب مع قرار اتخذته إدارة الرئيس باراك أوباما لخفض 55 مليون دولار من المساعدات الأميركية المخصصة لبرنامج أرو -3.

وأشاروا إلى أن إسرائيل قد لا يكون بمقدورها تحمل تكاليف المشروع الذي يهدف إلى اعتراض الصواريخ الإيرانية طويلة المدى.

ونقلت بهذا الخصوص صحيفة معاريف عن مصدر أمني قوله: "هذا قرار غير مسؤول ويعرض إسرائيل بالفعل للخطر". وقال المحلل الدفاعي الإسرائيلي، أمير رابابورت، إن أي تخفيضات تطرأ على برنامج أرو -3 سوف تعمل على تعطيل وكذلك خفض الإنتاج.

كما لفت إلى وجود انقسام داخل وزارة الأمن الإسرائيلية في ما يتعلق بالنطاق الخاص لأي خفض بالميزانية. وتابع رابابورت: "قد تتسبب التخفيضات الخاصة بميزانية البرنامج الذي يهدف لدرء خطر الصواريخ الإيرانية طويلة المدى التي قد تُزوَّد برؤوس نووية، في تأجيل الجدول الزمني الخاص بالبرنامج ما قد يخفض كمية الصواريخ التي ستمتلكها إسرائيل".

وقالت وزارة الأمن: "هناك مناقشات جارية بمشاركة وزارة المالية حول ذلك الموضوع بسبب الفجوة الحاصلة في الميزانية".

كل هذه الصعوبات التي تعرفها المؤسسة الأمنية الاسرائيلية إضافة إلى المشاكل الاجتماعية الأخرى التي يعرفها المجتمع الاسرائيلي، ستجعل كرنيت فلوغ أمام تحديات فعلية لإثبات جدارتها بالمنصب الجديد.

فالمساعدات الاميركية لإسرائيل و التي من المفترض أن تخفض نتيجة للأزمة المالية التي تعرفها أميركا هذه الأيام تمثل داعما كبيرا للاقتصاد الإسرائيلي الذي سيبحث حتما عن مصادر أخرى للتمويل لتعويض النقص في المساعدات الأميركية.

كرنيت فلوغ ستحاول خلال فترة عملها تحت سقف البنك المركزي الاسرائيلي أن تجعل الاقتصاد يعرف نموا ملحوظا كما ستعمل على الحد من الكثير من المشاكل الاقتصادية التي تهدد المجتمع بتفشي ظاهرة البطالة والانقطاع عن الإنتاج والعمل. لكن الظرف الاقتصادي العالمي والأزمة المالية التي تعرفها الولايات المتحدة الأميركية ستساهم كلها في إرباك أدائها من خلال الصعوبات التي ستخلقها وسيكون لها تأثير على الداخل الاسرائيلي.فهل تقدر فلوغ على تجاوز الظرف الحرج ودفع عجلة الاقتصاد الاسرائيلي إلى الأمام.

12