كروس وماتيوس وبيكنباور وذات الأذنين

الأحد 2017/06/11

استوقفني تصريح طريف ومستفز أدلى به مؤخرا المدرب الألماني يوب هاينكس المدير الفني السابق لبايرن ميونيخ وريال مدريد، فهذا المدرب توجه بالخطاب إلى لاعب ريال مدريد توني كروس مطالبا إياه بالاعتزال والتوقف نهائيا عن ممارسة الكرة، رغم أن النجم الألماني لم يتجاوز بعد سن السابعة والعشرين ربيعا.

هذا التصريح بطبيعة الحال لا يحمل رسائل سلبية أو نقدا لأداء اللاعب، بل العكس صحيح، وكل ما أراد أن يؤكده المدرب هاينكس من خلال هذه الكلمات هو أن كروس تسلق سلم المجد وبلغ عنان السماء بعد أن فاز بكل الألقاب الكبرى، رغم أنه لم يقترب بعد من سن التقاعد الكروي.

أي نعم.. فكروس النجم المتألق ورمانة ميزان ريال مدريد والمنتخب الألماني حقق ما لم يقدر على تحقيقه نجوم وعباقرة وأساطير كرة ممن سبقوه أو عاصروه، ورصيد هذا الفتى الأشقر الهادئ الرصين من الألقاب يغنيه مشقة البحث عن ألقاب جديدة بما أنه توج بكل شيء ممكن.

في رصيد كروس لقب كأس العالم الذي توج به في دورة 2014 بالبرازيل، والأكثر من ذلك أن هذا اللاعب ترك توقيعه في تلك البطولة بعد أن قدم مستوى لافتا ورائعا للغاية وسجل في مرمى البرازيل في مباراة نصف نهائية خالدة وتاريخية انتهت بفوز “الماكينات” الألمانية بسباعية.

كروس حقق بخلاف التتويج بلقب كأس العالم ما لم يقدر على تحقيقه عدد كبير للغاية من اللاعبين الرائعين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الكرة العالمية، فنجم وسط ريال مدريد أحرز لقب دوري الأبطال الأوروبي ليس في مناسبة واحدة، بل في ثلاث مناسبات مع فريقين مختلفين. فقبل قدومه إلى القلعة البيضاء صائفة 2014 كان ينشط مع بايرن ميونيخ ووفق في حصد لقب أمجد الكؤوس عندما تغلب البايرن في النهائي على مواطنه بوروسيا دورتموند، ثم بعد الرحيل إلى إسبانيا نجح اللاعب السابق لبايرن ليفركوزن في التتويج مع الريال بهذه البطولة الرائعة لسنتين متتاليتين، فاز بكأس السوبر الأوروبي في مناسبة أولى مع البايرن ثم في مناسبتين مع الريال، كما توج بكأس العالم للأندية ثلاث مرات الأولى سنة 2013 مع الفريق الألماني، والثانية عام 2014 ثم الثالثة سنة 2016 مع الفريق الإسباني.

ماذا أكثر من هكذا ألقاب يا كروس؟ هل تريد الألقاب المحلية؟ طبعا لا، فتوني كروس الذي ولد في الجزء الشرقي من ألمانيا الحديثة الموحدة سنة 1990، أي عشية سقوط جدار برلين، وحّد كل الألقاب الألمانية المحلية وطوعها وفاز بها مع البارين على امتداد السنوات التي لعب خلالها مع الفريق البافاري، حيث أحرز لقب الدوري في ثلاث مناسبات والكأس الألمانية ثلاث مرات والكأس الممتازة في مناسبتين، أما مع الريال فقد توج لتوه بلقب الدوري المحلي الذي استعصى على الريال طيلة السنوات الأربع الماضية.

كل هذه الأرقام والتتويجات قد تجعل من تصريح هاينكس مضحكا وطريفا، لكنه يحمل الكثير من الدلالات والمعاني، إذ أن الكرة أنصفت وانتصرت بشكل لا يصدق مع كروس، لتمنحه رغم صغر سنه كل الألقاب الممكنة، والطريف هنا أن كروس تفوق على نجوم الصف الأول حاليا من حيث الإنجازات، فميسي ورونالدو لديهما كل الأرقام القياسية الشخصية ولديهما أيضا كل الألقاب الممكنة مع الأندية، لكن مع المنتخبات فإن لكروس أسبقية الحصول على النجمة المونديالية.

ما حصل مع توني كروس ذكرني ولو بطريقة عكسية بمواطنه لوثار ماتيوس النجم السابق لمنتخب “المانشافت”، فالنجم العالمي السابق حصل على كل الألقاب والتتويجات الممكنة، حيث فاز بكأس العالم سنة 1990 ونال جائزة أفضل لاعب في العالم في العام الموالي، يملك أيضا الرقم القياسي في عدد المشاركات في نهائيات كأس العالم برصيد 25 مباراة في خمسة مونديالات متتالية، والأكثر من ذلك أنه واصل اللعب إلى سن متقدمة للغاية، حيث اعتزل اللعب وهو على مشارف سن الأربعين. ومع ذلك، وبالرغم من كل هذه السنوات الطويلة من اللعب مع فرق قوية للغاية أبرزها بايرن ميونيخ، ورغم كل التتويجات المحلية والدولية، إلا أن ماتيوس لم يتمكن ولو في مناسبة واحدة من التتويج بكأس “ذات الأذنين”، أي كأس دوري أبطال أوروبا.. ماتيوس جاهد طويلا وصبر كثيرا، بل وخاض دورين نهائيين سنتي 1987 ثم 1999، إلا أنه لم يقدر على تحقيق ذلك الإنجاز.

لقد أراد ماتيوس أن يسير على خطى سلفه الألماني بيكنباور الذي كان قائدا عظيما لمنتخب بلاده ولنادي بايرن ميونيخ، فحقق مثله كأس العالم وحصد عدة ألقاب محلية، لكنه لم يقدر على السير مثله في الدرب الأوروبي، لأن بيكنباور توج بلقب كأس أوروبا للأندية البطلة في ثلاث مناسبات، أما ماتيوس فلم يقدر ولو لمرة واحدة.

في المقابل نجح كروس وكان قادرا على رفع لقب رابطة الأبطال ثلاث مرات، ليؤكد وهو في سن السابعة والعشرين أنه سليل أساطير الكرة الألمانية بامتياز بعد أن فاز تقريبا بكل الألقاب الممكنة.

عودة إلى تصريح هاينكس حول الاعتزال، فيجب أن نعلم أن كروس هو من أقل اللاعبين في الريال تعرضا للإصابة، هو أكثر اللاعبين في العالم بأسره انضباطا خارج الملعب، وهو أكثرهم حرصا على صحته وسلامته، لذلك لن نتخيل أن ساعة الاعتزال ستكون قريبة، وربما ننتظر إلى ما بعد الأربعين حتى يقرر كروس الرحيل.

كاتب صحافي تونسي

23