كرويف سلّم الإرث

الأمر الأكثر متعة في مسيرة رونالد كومن يكمن في أنه تتلمذ على يد الراحل يوهان كرويف، وقد تشبع بكل أصول اللعبة بتفاصيلها المغرية زمن الكرة الشاملة.
الأحد 2018/11/18
كومان يقود ثورة جديدة

الطريق الجادة المؤدية إلى الفلاح لا يسلكها سوى الأذكياء، الممر الضيق قد يزيد ضيقا أمام أصحاب القلوب الضعيفة، لكن من آمن بالجرأة واتخذ الحكمة والموعظة سلاحه الدائم سينجو بلا شك من كل الشرور ويتجاوز كل المطبات.

ثمّة قصة دغدغت فؤاد صبي مولع بالتهام الكتب وقراءة أساطير الأزمنة الغابرة، تلك القصة تتحدث عن رجل ذكي حكم شعبه لمدة أربعين سنة، ساد خلاله العدل وانتشر الحب ورغد العيش بين جميع أفراد الرعية.

كان الذكاء الوقاد لهذا الحاكم مدعاة فخر بين الأمم، لكن حين أزفت الساعة وحان موعد الرحيل عن هذه الدنيا، ترك الحاكم الحكيم شعبه عرضة للمخاطر والأهوال، فالكل طمع في الاستيلاء على العرش، والكل حاول أن يستحوذ على الكرسي، لكن دون أي تعقل.

تكالبت الجماعة على السلطة، ففقد هذا القوم مكامن القوة وتدهور وضعهم وساءت سمعتهم، ولم ينجح أي ممن قادتهم الأقدار بخلافة الحاكم الرشيد في تسيير دواليب هذه الرعية، وساد الفقر وانتشر البؤس والشقاء.

كان في تلك الحقبة شاب يعاين الوضع الجديد بكثير من التأمل والصبر، لقد آثر الصمت والهدوء وتمعن في البحث عن أسباب الخروج من هذه الأزمة، كان لديه البعض من الحكمة التي ورثها عن الحاكم الحكيم، إذ كان في طفولته أحد تلامذته النجباء، فذلك الحاكم كان لا يتورع عن تقديم دروس في الفلسفة والحكمة لأبناء قومه.

مرت السنوات، ولعبت الأقدار مجددا لعبتها ليجد هذا الشاب الذي بات أكثر نضجا نفسه حاكما جديدا وسط قومه، لم يتحيّر أو يتعثر، فالأسلوب القويم للحاكم القديم الذي كان له في السابق أفضل مريد، منحه البراعة والقدرة على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، فحوّل الواقع الصعب الأليم إلى عالم تسوده الحياة الرغيدة من جديد.

قصة ظلت راسخة في الذهن، وغبار السنوات الطويلة كاد أن يتلفها قبل أن يأتي مدرب يتقد ذكاء لينفض هذا الغبار المتراكم ويحيل أساطير الزمن الغابر إلى واقع ملموس يعيش على وقعه منتخب هولندا الآن.

ما أشبه رونالد كومان بذلك الشاب المقتدر، فما فعله المدرب الحالي لمنتخب “الطواحين” قد يكون استنساخا لما حصل في السابق، لقد تعلم كومان أصول الحكمة والذكاء الكروي بعد أن تتلمذ على يدي الراحل يوهان كرويف، لينجح اليوم في إعادة “الطواحين” للدوران.

لمَن لا يعرف جيدا كومان، فإن مسيرته الرياضية تثبت أنه كان أحد أفضل اللاعبين الذين أنجبتهم بلاد “الأراضي المنخفضة”، لقد شكل بمعية فان باستن وخوليت وريكارد جيلا ذهبيا للمنتخب “البرتغالي” في الثمانيات والتسعينات من القرن الماضي.

كان مدافعا صلبا يتميز بتسديداته المتقنة والقوية للغاية، كان لاعبا عالميا حقّ له الانتماء لبرشلونة، سطع نجمه في نهائي ضمن دوري أبطال أوروبا سنة 1992 بعد أن سجل هدفا “خرافيا” قاد به برشلونة للحصول على أول لقب في هذه البطولة.

بيد أن الأمر الأكثر متعة في مسيرة كومان يكمن في أنه تتلمذ على يد يوهان كرويف، لقد تشبع بكل أصول اللعبة بتفاصيلها المغرية زمن الكرة الشاملة.

كان تلميذا نجيبا اختزل كل معاني الذكاء وحاول إتقان اللعبة مع المدرب الحكيم، كان أحد رموز برشلونة في حقبة ابن بلده، كان أحد الأعمدة التي ارتكز عليها كرويف كي يطوّر أسلوب لعبة “البارسا” ويرسخ طريقة “التيكي تاكا” التي باتت أسلوب عيش ونمط حياة في “البلوغرانا”.

فكيف لكومان الذي عاصر كرويف سنوات طويلة ألاّ أن يتعلم وينجح في تلقين حكم وأفكار هذا المدرب؟ كيف له ألاّ يستغل طول هذه الفترة التي قضاها تحت إمرة هذا المدرب ولا يرث عنه ولو القليل من الذكاء الوقاد والحسّ التدريبي المرهف؟

صحيح أن كومان لم يجد طريق النجاح سريعا في عالم التدريب، صحيح أن أغلب تجاربه لم تكن مميزة سواء مع فالنسيا أو أياكس أو بنفيكا، لكنه لم يتخل أبدا عن أسلوبه الذي ورثه عن كرويف.

لقد انتظر وصابر كثيرا تماما مثل ذلك الشاب اليافع في قصة الأزمنة الغابرة، إلى أن حانت فرصته كي يخلف كل من سبقوه على رأس المنتخب الهولندي الذي عاش طيلة السنوات الأربع الماضية فترة انهيار وركود تذكرنا بما حدث لقوم ذلك الشاب اليافع.

فهذا المنتخب الهولندي عانى الكثير من الهزات والسقطات، لقد فشل في الوصول إلى نهائيات أمم أوروبا 2016، قبل أن يحصد الفشل ذاته في سباق التأهل إلى مونديال 2018، لقد مر بأسوأ فتراته بعد أن غادره عدد كبير من اللاعبين الأفذاذ وآخرهم أريين روبن.

بدا الحمل ثقيلا، بدا إنقاذ المنتخب الهولندي من المأزق صعبا، لكن ليس بمستحيل على مدرب تتلمذ على يدي كرويف وتسلم منه الإرث، مسابقة وحيدة ومباريات قليلة أعادت البريق لذلك اللون البرتقالي المتوهج، فالمنتخب الهولندي خاض منذ قدوم كومان مباريات صعبة، لكنه نجح باقتدار وكانت الموقعة الأخيرة ضد المنتخب الفرنسي بطل العالم بحق بمثابة الشهادة لمنح كومان الأحقية كي يقود ثورة جديدة.

والثابت أن من ورث حكمة وذكاء كرويف جدير بأن يبثّ السعادة من جديد تماما مثل شاب الزمن الغابر.

23