كرويف يخوض معركته الأصعب

الأحد 2015/10/25

ابتعد النجم الهولندي و”الأيقونة” الخالدة لنادي برشلونة يوهان كرويف عن الملاعب والمنافسات منذ ما يناهز عن عشرين سنة، ابتعد ليتفرّغ لحياته الخاصة ومتابعة المباريات الرياضية بقرار شخصي صعب، حتى يتسنّى له الابتعاد عن الضغوطات والمشاكل و”المعارك” الرياضية الطاحنة التي تألق فيها سواء عندما كان لاعبا شهيرا وفذا أو مدرّبا رائعا ومقتدرا..

ومع ذلك وبعد عشرين عاما عاد ليخوض معركته الأخيرة والأصعب من كل المعارك التي خاضها في السابق، فالمرض أجبره على ذلك وجعله يبدأ على مضض الإعداد لخوض التحدي الأخطر في حياته.

الخبر يتعلق باكتشاف أطباء يوهان كرويف بداية الأسبوع المنقضي إصابته بمرض "سرطان الرئة"، والموضوع الحاسم والأهم يتعلق أساسا بقدرة “عبقري زمانه” وفلتة المنتخب الهولندي وبرشلونة في حقبة السبعينات على النجاح في كسب هذا التحدي والفوز في المعركة الشرسة، فبعد أن صال وجال في الملاعب العالمية وقدم للعالم جميعا نظرية “الكرة الشاملة” التي زرعها في عقلية لاعبي برشلونة ومازال الفريق إلى اليوم يحصد ثمارها، جاء اليوم الذي سيكون لزاما عليه أن يجد الحلول يتجاوز هذه المحنة الصحية الشاملة.

ما أقسى لعبة الحياة، عندما تلهو كما تشاء وتسخر من البشر، فكرويف الذي كان أحد “أعظم” اللاعبين في تاريخ المنتخب الهولندي وكذلك نادي برشلونة لم يقرأ يوما حسابا لما سيحصل له في كبره، كرويف صاحب الـ68 عاما، فتك به المرض “الخبيث” لكن لم ينل منه بعد، لتتشكل المعادلة الصعبة، وهي هل يقدر النجم الخالد في تاريخ الكرة العالمية أن يكسب معركته الأخيرة ويثبت للجميع أنه لا يهزم بسهولة، مثل عهده عندما كان في ريعان الشباب لاعبا ثم مدربا عبقريا مبتكرا؟

نظرة عن كثب إلى ماضي هذا الرجل قد تكشف بسهولة قوة شخصيته وذكائه الحاد وموهبته الفذة، وخاصة إصراره الكبير على تخطي الصعاب وتذليل كل العراقيل.

فكرويف لم يجد الطريق مفروشة بالورود، حيث نشأ في عائلة فقيرة ومن أمّ تشتغل عاملة نظافة في مقر نادي أياكس، ورغم نبوغه وبروزه في سن مبكرة إلاّ أنه تعرض للكثير من الصعوبات والصدمات والهزات، ليشق بعدها الطريق الصعب بخطى واثقة وتألق بشكل لافت مع أياكس أمستردام الهولندي ثم مع برشلونة الأسباني وكذلك مع المنتخب الهولندي وخاصة في مونديال 1974، بل وواجه التهديد بالقتل في صورة مشاركته مع المنتخب الهولندي في مونديال 1978 بالأرجنتين، واضطر للاعتزال بسبب الضغوطات والتهديدات، بيد أنه لم يستسلم وعاد بعد فترة إلى الملاعب وواصل مسيرته بكل ثبات.

لقد تحدى صاحب الرقم 14 كل النجوم في العالم وتمكن من أن يحصل على جائزة أفضل لاعب في أوروبا ثلاث مرات، وساهم أيضا في حصول أياكس أمستردام على عديد الألقاب والبطولات، وهو ما نجح فيه أيضا مع برشلونة الذي قاده إلى منصة التتويج في الدوري المحلي في أول موسم له مع النادي سنة 1973، وذلك بعد 14 سنة من الغياب عن الألقاب.

لقد فعل كرويف كل شيء عندما كان لاعبا، ولم يرض أن تنتهي علاقته بالملاعب سريعا، إذ تولّى تدريب برشلونة بداية من سنة 1988 إلى غاية 1996، ليؤكد في تلك التجربة عبقريته الفذة وقدرته العجيبة على تخطي كل الصعوبات والفوز في كل “المعارك”، لقد كوّن فريقا مُهابا استطاع أن يقوده إلى التتويج بلقب الدوري المحلي في أربع مناسبات متتالية، وكذلك لقب دوري أبطال أوروبا سنة 1992 للمرة الأولى في تاريخ النادي، فحقّ له سنة 1996 أن يبتعد قليلا عن الضغوطات والمعارك والمنافسات القوية، لينتبه ولو قليلا لعائلته وصحته خاصة بعد تعرضه لأزمة قلبية تجاوزها بنجاح أيضا.

اليوم وبعد 20 سنة عاد كرويف للمنافسة، لكنه نزال من نوع خاص، فإما الفوز وإما الوفاة، إذ لا سبيل غير النصر لقهر العدو والمنافس الجديد، كرويف كعادته لم يرم المنديل، بل اتخذ موقف “المحارب” من جديد، مؤكدا أنه سيعود أقوى مما كان ولن يقدر المرض “الخبيث” أن يهزمه.

لعل وقوف كل من عرفه وعاشره وعايش معه حقبة “الزمن الجميل” الذي عرف خلاله تطوير نظرية “الكرة الشاملة” التي صارت قاعدة أساسية في طريقة لعب برشلونة الأسباني قد يهوّن عليه الأمر ويسهّل عليه المهمة، ويساعده على كسب المعركة.

فعدد كبير من النجوم القدامى الذين لعبوا أو تدربوا تحت إمرته تضامنوا معه، حتى ميسي الذي لم يعش عهده، لم ينس أن يبعث برسالة تحفيزية “لمعلمه” الذي لم يدربه يوما.. ربما ستزيد هذه الكلمات والرسائل في قوته وعزيمته حتى يتسنى لكرويف كسب معركته الأصعب.

كاتب صحفي تونسي

23