كرياكوس ميتسوتاكيس قائد الصراع اليوناني مع تركيا على مياه المتوسط

"اليونان تتغير".. لم يكن هذا شعار ميتسوتاكيس المعلن، لكنه مبدأ يسير عليه. أليس هو من قال بعد وصوله إلى السلطة “أمهلني 12 شهرا لإقناع المقرضين وأسواق المال الدولية بأننا جادون في مجال الأعمال، وأن اليونان تتغير فعلا؟“. وها هي تتغير كما قال.
السبت 2020/09/12
زعيم محافظ يدرك أهمية موقع بلاده الجيوسياسي

صعّد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس من لهجته مع تركيا خلال الأيام الماضية، مشيرا إلى أن الحوار معها ”مهم لكن ليس تحت التهديد“، مضيفا قوله ”إذا لم نصل لاتفاق سنتوجه لمحكمة العدل الدولية“. وتساءل عمّا إذا كانت أوروبا تريد ممارسة سلطة سياسية جغرافية حقيقية، فإنها ينبغي ألا تسترضي العدائية التركية. وطالب ميتسوتاكيس أنقرة بالتراجع والعودة إلى الحوار.

ولم تشهد العلاقات التركية اليونانية مثل هذه الأجواء المتوترة على مر العقود الماضية، لكن السياسة التي يتبعها الرئيس رجب طيب أردوغان، بتقديم بلاده كرأس حربة للعالم الإسلامي، معيدا التذكير بالعثمانية، تبدو عامل توليد مستمر لردود الفعل التي توقظ مخاوف الخاصرة الأوروبية الإغريقية من جديد، خاصة وأن ميتسوتاكيس زعيم من نوع مختلف عن أولئك الذين حكموا اليونان منذ نهايات الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم.

يرث ميتسوتاكيس، الذي ولد في أثينا في مارس 1968، زعامة متأصلة في أسرته، تجعل منه بالضرورة صانعا لرأي عام يوناني يطالب باستمرار بوضع حد للتهديد التركي، ويلح على بسط نفوذ أثينا على جزرها ومياهها الإقليمية في شرق المتوسط. فرئيس الوزراء الشاب نجل قسطنطينوس ميتسوتاكيس، الذي كان رئيسا لوزراء اليونان قبل نحو ثلاثة عقود. وهو أيضا شقيق عمدة أثينا ووزيرة الخارجية السابقة دورا باكويانس.

وكثيرا ما تصف وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الاستراتيجية عائلة ميتسوتاكيس بأنها عائلة هيمنت على الحياة السياسية اليونانية، ممثلة الاتجاه المحافظ.

توسيع نفوذ أثينا

ميتسوتاكيس ليس حديث عهد بالسياسة، بل إن تجربته في تولي حقيبة الإصلاح الإداري في الحكومة المحافظة التي ثار عليها الشارع، تشي بأنه يتحدر من ذهنية قيادية صارمة حيال الملفات الجذرية
ميتسوتاكيس ليس حديث عهد بالسياسة، بل إن تجربته في تولي حقيبة الإصلاح الإداري في الحكومة المحافظة التي ثار عليها الشارع، تشي بأنه يتحدر من ذهنية قيادية صارمة حيال الملفات الجذرية

ميتسوتاكيس ليس حديث عهد بالسياسة، بل إن تجربته في تولي حقيبة الإصلاح الإداري في الحكومة المحافظة التي ثار عليها الشارع، تشي بأنه يتحدّر من ذهنية قيادية صارمة حيال الملفات الجذرية، وحينها وقع على عاتقه طرد الآلاف من موظفي القطاع العام رضوخا عند شروط الداعمين الدوليين.

وجد نفسه وسط أجواء تناسب ميله نحو الزعامة، ووسط الاختراق المتواصل لمقاتلات ”إف 16“ الحربية التركية للأجواء اليونانية عبر طلعاته الجوية شمال المتوسط وفوق بحر إيجه، ولهذا تأتي ردوده منسجمة مع إيقاع التصعيد أكثر منها ميلا إلى التهدئة. وهو حين يرفض الاستفزازات التركية، ويرفض الحوار تحت التهديد إنما ينقل اللعبة إلى المربع القادم مدركا ما الذي سيعنيه هذا بالنسبة إلى تركيا من جهة، والأوروبيين من جهة ثانية، لاسيما حين أصدر أوامره للقوات الجوية اليونانية بتنفيذ أربع مناورات وفقا لرئاسة الأركان اليونانية. اليونانيون باتوا يطالبون ميتسوتاكيس بمعاقبة أردوغان، حسبما تقول صحيفة ”إيكاثيميريني“، وبقطع العلاقات مع أنقرة. فيأتي رد ميتسوتاكيس بالتغريد على تويتر على الشكل التالي ”لا يمكن متابعة الحوار الحقيقي تحت التهديد أو انتهاك حقوقنا السيادية“.

صراع الموارد

لدى ميتسوتاكيس استراتيجية دقيقة يمكن قراءة تفاصيلها من خلال تتبع حركته على خارطة العالم، ففي الوقت الذي يستقبل فيه يانغ غيتشي، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني مدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية التابعة للجنة المركزية، في أثينا ليشرح موقف بلاده من الصراع مع تركيا، يؤسس لشراكة مع الصين، ويرسل وزير خارجيته نيكوس دندياس إلى نيويورك للقاء الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للمهمة ذاتها. ويكلف رئيس الأركان العامة للدفاع الوطني اليوناني الجنرال كونستانتينوس فلوروس بتوقيع اتفاقية ثلاثية تضم اليونان وقبرص وإسرائيل ترسّخ برنامجا للتعاون العسكري مخصصا للعام 2021.

ميتسوتاكيس الذي عمل كمستشار لشركة ماكينزي بعد أن أنهى دراساته في العلوم الاجتماعية بجامعة هارفارد وفي العلاقات الدولية بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، يتولى رئاسة حزب الديمقراطية الجديدة منذ يناير عام 2016، وقد جاء إلى موقعه هذا لينقذ الحزب المحافظ من الانهيار، إثر هزيمته في الانتخابات.

وحين كان البعض في العالم يهلّل لوصول اليساري أليكسيس تسيبراس إلى السلطة، كان ميتسوتاكيس يرسم خطوات الانقضاض على تسيبراس الذي وصفه بأنه تنازل كثيرا للاتحاد الأوروبي ولصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، بلا أي مقابل.

[ أفكار ميتسوتاكيس المتضمنة في خطاباته رسائل موجهة بدقة نحو الشخصية الأوروبية القلقة من تنامي الدور التركي، وهو حين يقول إن البحر المتوسط منطقة حيوية لأمن أوروبا، فإنه يلقي بالكرة في ملعب القارة العجوز الأم.
[ أفكار ميتسوتاكيس المتضمنة في خطاباته رسائل موجهة بدقة نحو الشخصية الأوروبية القلقة من تنامي الدور التركي، وهو حين يقول إن البحر المتوسط منطقة حيوية لأمن أوروبا، فإنه يلقي بالكرة في ملعب القارة العجوز الأم

”اليونان تتغير“ لم يكن هذا شعار ميتسوتاكيس المعلن، لكنه مبدأ يسير عليه. أليس هو من قال بعد وصوله إلى السلطة “أمهلني 12 شهرا لإقناع المقرضين وأسواق المال الدولية بأننا جادون في مجال الأعمال، وأن اليونان تتغير فعلا؟“. وها هي تتغير كما قال.

صحيح أن الاقتصاد اليوناني كان قد بدأ يتعافى في عهد تسيبراس، فقد عاد النمو وتراجع معدل البطالة، والحسابات العامة فائضة نسبيا مع استثناء فوائد الديون، لكن توقع الخبراء الاقتصاديون، حينها، أن تسيبراس سيدفع ثمن التضحيات التي طلب من اليونانيين تحمّلها في الانتخابات النيابية وهو ما حدث. وكان الثمن من نصيب ميتسوتاكيس.

ويبدو أن ميتسوتاكيس يعرف جيدا كيف يأخذ المقابل الذي تحدث عنه في أواخر أيام تسيبراس، فالأمن والسياسة لا ينفصلان عن الاقتصاد. وبزعامة ميتسوتاكيس، عاد حزب “الديمقراطية الجديدة“ من جديد ليفوز بانتخابات الاتحاد الأوروبي بنسبة 33 في المئة، وفي الانتخابات التشريعية التي جرت في يوليو العام الماضي، بأغلبية 158 مقعدا من أصل 300 في البرلمان. وفي تلك اللحظة قال ميتسوتاكيس إن "صفحة مؤلمة تطوى اليوم".

واليوم يبحث ميتسوتاكيس عن منافذ اقتصادية تنقل اليونان من جديد إلى ضفة الأمان. وكما يرى الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط شتيفان رول فإن هناك ”صراعا على الموارد“ في المنطقة، وأن اليونان التي أرسلت مثل تركيا سفنا حربية إلى شرق المتوسط، ووقعت مع مصر اتفاقية حول ترسيم حدودها البحرية، إنما فعلت كل ذلك لأنها تبحث عن حماية موارد الغاز المستقبلية التي سوف تنهض باقتصادها المتعثر.

تقسّم أوروبا

ميتسوتاكيس زعيم من نوع مختلف عن أولئك الذين حكموا اليونان في العقود الأخيرة. لديه استراتيجية دقيقة يمكن قراءة تفاصيلها من خلال تتبع حركته على خارطة العالم
ميتسوتاكيس زعيم من نوع مختلف عن أولئك الذين حكموا اليونان في العقود الأخيرة. لديه استراتيجية دقيقة يمكن قراءة تفاصيلها من خلال تتبع حركته على خارطة العالم

أفكار ميتسوتاكيس المضمنة في خطاباته رسائل موجّهة بدقة نحو الشخصية الأوروبية القلقة من تنامي الدور التركي، وهو حين يقول إن البحر المتوسط منطقة حيوية لأمن أوروبا، و“لن نسمح لتركيا بتقسيم القارة“، فإنه يلقي بالكرة في ملعب القارة العجوز الأم. وهي كرة تلقفها الاتحاد الأوروبي الذي استجاب لمطالب اليونان، معلنا استعداده لاتخاذ المزيد من الإجراءات العقابية ضد تركيا إذا رفضت أنقرة الدخول في حوار لتخفيف حدة التوتر الذي تصاعد بعد إرسال سفينة مسح تركية للتنقيب عن النفط والغاز في منطقة تطالب بها أيضا اليونان.

وفي بيان نُشر مؤخرا بعد اجتماع ضم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي المطلة على البحر المتوسط، ضمن قمتها السابعة في كورسيكا بفرنسا، عبّر الأوروبيون عن دعمهم الكامل وتضامنهم مع قبرص واليونان في مواجهة الانتهاكات المتكررة لسيادتهم وكذلك الأعمال التي تنطوي على المواجهة التي تقوم بها تركيا.

وأضاف البيان أن الاتحاد الأوروبي مستعد لوضع قائمة بالإجراءات العقابية الإضافية التي يمكن مناقشتها في المجلس الأوروبي يومي 24 و25 سبتمبر الجاري.

لكن ذلك لم يكن بعيدا أيضا عن الحليف الخصم لتركيا، روسيا التي أعلن وزير خارجيتها سيرجي لافروف أن بلاده على استعداد لتسهيل إقامة حوار بين قبرص وتركيا، للبحث عن حلول عادلة وفق القانون الدولي.

في رد على إعلان حلف الناتو الذي يضم كلا من تركيا واليونان بين أعضائه، أن محادثات تقنية ستبدأ لتجنب وقوع حوادث بين أسطولي البلدين في شرق المتوسط.

نقل هذا السياسي المحافظ انهيار بلاده الاقتصادي الداخلي إلى أزمة دولية، تستفيد من الموقع الجيوسياسي لليونان، ومن تقاطع المصالح وتعارضها في المياه الدافئة. وسرعان ما سيبدأ بجني ثمار ذلك، فلا أحد يريد الحرب وسط هذه الأجواء الهشة التي تعانيها تركيا في الملفات التي تتعاطى معها.

12