كريستوفر نولان وفيلم حول مصير الإنسان والكوكب

الأحد 2014/12/28
الفيلم ينتقل من فكرة نضال الإنسان من أجل الحفاظ على النوع

لو كان العالم الشهير ألبرت أينشتاين لايزال على قيد الحياة، لكان -دون شك- قد أبدى إعجابه بالفيلم الأميركي الجديد “بين النجوم” (Interstellar) بل وربما كان قد عاد فعكف أيضا بعد مشاهدته، على تطوير نظريته في النسبية، والعمل على تعميق نظرية “الثقب الدودي” أو ذلك الجسر المفترض الذي يعتبر طريقا مختصرا يربط بين مجرّتين، أو مجموعتين من المجموعات الكونية.

الخيال يغذي العلم والعلم يغذي الخيال. هذه مقولة صحيحة تماما. ويمكنك اختبار مدى صحتها وأنت تشاهد الفيلم الجديد للمخرج اللامع كريستوفر نولان، الذي يمكن اعتباره الوريث الشرعي لطفل هوليوود المدلل السابق ستيفن سبيلبرغ (صاحب “إي تي”، و”لقاءات قريبة من النوع الثالث”)، فكريستوفر نولان الذي كتب سيناريو “بين النجوم” مع شقيقه جوناثان، يستند إلى ما سبق أن ابتكره سبيلبرغ، ويمده على استقامته، طارحا افتراضات عدة: سينمائية وفلسفية، متعمقا أكثر في المصير الإنساني، دون أن يشغل نفسه كثيرا بسكان الكواكب الأخرى، فهدفه ليس التواصل معهم أو تحييدهم والحيلولة بينهم وبين غزو كوكبنا الأرضي، بل النجاة بسكان الأرض جميعا (نحو 6 مليارات إنسان) وحملهم بعيدا عن الأرض والاستيطان في كوكب آخر.

الفيلم يبدأ في المستقبل القريب، بعد أن تكون المشكلة الأولى التي تهدد وجود الإنسان على الأرض قد أصبحت مشكلة الطعام ومشكلة تلوث البيئة. لقد أصبحت الأرض أكثر سخونة، تهاجمها الآن عواصف ترابية رهيبة، تسبب الاختناق تدريجيا، كما نضبت المحاصيل الزراعية ولم يبق سوى القمح الذي بات يكافح بصعوبة ضد الوباء الفظيع الذي أصاب الزراعة فقضى على أغلب المحاصيل وجعل الانسان مهددا بالموت جوعا أو اختناقا.

الآن لدينا بطل الفيلم “كوبر” الذي تقاعد من عمله كطيار في وكالة ناسا الفضائية، فلم يعد للجيوش الآن أهمية بعد أن تفكك الجيش الأميركي، وأصبح الهاجس الوحيد الحصول على الطعام. كوبر نفسه يشرف حاليا على مزرعته الخاصة للقمح، يقيم في الريف الأميركي مع والد زوجته التي توفيت حديثا، وابنه المنضبط المطيع، وابنته ميرف المتمردة المولعة بالعلوم مثله، والتي تتحدى معلمتها في المدرسة في بداية الفيلم بإصرارها على أن مركبة “أبولو” هبطت بالفعل على سطح القمر، وليس كما تقول المعلمة للتلاميذ إن “الهبوط على القمر” مجرد أسطورة من ابتكار سلاح الدعاية الأميركي في الماضي لإنهاك الاتحاد السوفيتي في سباق التسلح!


خطر داهم


يصل كوبر وابنته بالمصادفة إلى مكان سري تحت الأرض لما تبقى من وكالة ناسا. هناك يلتقي كوبر بأستاذه القديم البروفيسور براند (مايكل كين) الذي يخبره بأن الوكالة أرسلت منذ سنوات بعثة فضائية لاستكشاف الكواكب التي تصلح لحياة الانسان ومازالت هذه البعثة هناك فيما وراء الثقب الدودي الذي يُعتقد أن كائنات خماسية الأبعاد قد خلقته خصيصا لكي يصبح مجازا لسكان الأرض إذا أرادوا النفاذ إلى ما وراء المجموعة الشمسية. ويصبح مطلوبا من كوبر أن يقود سفينة فضائية ضخمة تذهب وتخترق الثقب الدودي الذي وصفه أينشتاين في نظريته، والعثور على أنسب الكواكب الصالحة لنقل سكان الأرض جميعا وبالأحرى، من تبقى منهم الآن، إليه.

العبور من الثقب الدودي إلى الجانب الآخر من المجموعة الشمسية يمكن أن يستغرق زمنا محدودا في حياة كوبر ورفاقه في الرحلة

يصحب كوبر في الرحلة التي يقوم بها رغم المعارضة الشديدة لابنته ميرف، إيميليا (آن هاثاواي)عالمة الميكروبيولوجي وهي في الوقت نفسه ابنة براند، واثنين من رواد الفضاء واثنين من العقول الإلكترونية التي تؤدي خدمات جليلة وخطيرة كما تتكلم وتعاند وتجادل وقد ترفض أحيانا الانصياع للأوامر، وربما يكون هذا السبب الذي جعل الكثيرين يشيرون إلى صلة ما مع فيلم “2001.. أوديسا الفضاء” (1968) لستانلي كوبريك، أي شخصية العقل الإلكتروني -كما كنا نطلق عليه وقتها- أو “الروبوت”- “هال” الذي كان يجب القضاء عليه إن بالتفكيك أو الموت بعد أن أعلن العصيان ورفض الانصياع للإنسان وأصبح يشكل خطرا داهما عليه. علاقة الإنسان بالآلة واضحة في الفيلم وتدعونا إلى الكثير من إعمال العقل فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور مستقبلا بعد أن يصبح مصير الإنسان، يعتمد بشكل ما، على استجابة الآلات والأجهزة المعقدة المتقدّمة.. فماذا يمكن أن يحدث إذا تمردت هذه الأجهزة كما يشير فيلمنا هذا دون أن ينساق في هذه النقطة.

مغامرات كثيرة شديدة الإثارة تقع، وتفاصيل أخرى تتكشف، تمزج العلمي بالدرامي، والخيالي بالواقعي، والأرضي بالفضائي، والإنساني بالتكنولوجي، وانتقالات متتالية عبر المونتاج المتوازي، بين ما يحدث في الأرض: ميرف ابنة كوبر وما تمر به وشقيقها الذي يرفض مغادرة المنطقة التي أصبح الغبار فيها خانقا، والحيلة التي تلجأ إليها لدفعه للمغادرة وغير ذلك بالطبع مع مرور الزمن، بعد أن تكبر وتصبح ضمن علماء “ناسا”، إلى كوبر في الفضاء (يفترض مرور سنوات) وهو يحاول التغلب على مشكلة الجاذبية التي يمكن أن تبتلع سفينته الفضائية عند عبورها من الثقب الدودي إلى “الثقب الأسود” الذي يمنع حركة الكتل والضوء. وبعد فترة طويلة من الانقطاع، يصبح ممكنا أن يتخاطب كوبر مع ولده وابنته عبر تقنية فضائية للاتصالات المرئية.


الزمن الفضائي


ينتقل الفيلم من فكرة نضال الإنسان من أجل الحفاظ على النوع، أي على الجنس البشري، رابطا بينها وبين الإنسان-الفرد (كوبر) الذي يوظّف عزيمته ويوظف ذكاءه من أجل إنقاذ أسرته، إلى فكرة أخرى فلسفية تتعلق بصراع الإنسان مع “الزمن”.

"بين النجوم" نقلة كبرى في المسيرة الفنية لكريستوفر نولان

إن العبور من الثقب الدودي إلى الجانب الآخر من المجموعة الشمسية، يمكن أن يستغرق زمنا محدودا في حياة كوبر ورفاقه في الرحلة، لكنه يستغرق سنوات على كوكب الأرض. نسبية الزمن، فكرة تفرض نفسها على الإنسان، ويجب أن يعرف كيف يتعامل معها، في علاقتها بالأبعاد التي تتغير من ثلاثية إلى رباعية بعد أن يصبح البعد الثالث أي الزمان، هو البعد الرابع الزمكاني الذي يجمع بين الزمان والمكان، ويسمى أيضا بـ “الزمن الفضائي” الذي يختلف تماما عن الزمن الأرضي.

وإذا كانت الدقيقة في الفضاء تظل دقيقة إلا أنها مع سكان الأرض يمكن أن تعادل شهرا أو أكثر، وهو ما يتوقف على قوة الجاذبية، فالجاذبية تزيد كلما اقتربت السفينة الفضائية من الثقب الأسود. وهنا يمر الوقت بسرعة شديدة بينما يستغرق على الأرض سنوات. وبالتالي يبقى كوبر ورفيقته “إيميليا” على هيئتهما، بينما تتقدم ميرف في السن إلى أن تصبح كهلة ترقد فوق فراش المرض تشرف على الموت، ويكون البروفيسور “براند” قد توفي بعد أن ظل يدير العملية من فوق المقعد المتحرك، فقد مرت الآن على رحلة كوبر منذ أن غادر الأرض 120 سنة!


رحلة ذهنية


فيلم “بين النجوم” رحلة بصرية وذهنية هائلة، ومغامرة سينمائية يكمن سحرها في كونها تتوقف أمام الكثير من التساؤلات الوجودية الفلسفية حول معنى الحياة إن لم تكن هناك إرادة حقيقية، ومعنى الزمن في حياة الإنسان، وكيف يولّد الخوف الرغبة في حب البقاء والتحدي والبحث الشرس عن مخرج، الإنسان في علاقته بالكون ورغبته في السيطرة عليه، وهل الإنسان كائن فريد ليس له شبيه، أم أنه سيظل دوما يبحث عن شبيه يتخيل أنه يمكن أن يقيم صلة ما “إنسانية” معه؟ إننا أيضا أمام أفكار أخرى مثل العلاقة بين الأب والأسرة، ومسؤوليته عن حمايتها، والعلاقة الخاصة بين الأب وابنته، وذلك التخاطر العقلي الذي يوحّد بينهما حتى عندما تفصلهما ملايين الأميال عن بعضهما البعض.. الحب كضمان للنجاة، والصدق كمبدأ أخلاقي ليس من الممكن فصله عن العلم. هذه الأفكار تتردد في الفيلم على نحو ما، سواء من خلال المواقف أو الحوارات أو العلاقات المرسومة جيدا بين الشخصيات الرئيسية المختلفة.

هناك أيضا سيطرة كاملة على المؤثرات الخاصة التي تتمكن من تحقيق الإقناع. ولعل أفضل مثال من الفيلم المشاهد التي تدور في أحد الكواكب التي تصل إليها المجموعة لتكتشف أنه يمتلئ بالمياه لنفاجأ ويفاجأ الطاقم بانتفاضة المياه في موجات عاتية مدمرة تكاد تقضي على أفراد الفريق.

مغامرات كثيرة شديدة الإثارة تقع، وتفاصيل أخرى تتكشف، تمزج العلمي بالدرامي، والخيالي بالواقعي، والأرضي بالفضائي، والإنساني بالتكنولوجي، وانتقالات متتالية عبر المونتاج المتوازي

لا شك أن “بين النجوم” نقلة كبرى في المسيرة الفنية لكريستوفر نولان كمخرج صاحب رؤية خاصة، يعبر عنها من خلال ذلك الخيال الجامح الذي لا يعرف حدودا، والذي يحافظ في الوقت نفسه، على درجة عالية من التسلية، من المتعة ومن الإثارة، يساهم الممثلون أيضا في تجسيد تلك الرؤية بفهم ووعي كبيرين للأدوار، في مقدمتهم بالطبع ماتيو ماكونوي (في دور كوبر) الذي برع في تجسيد الشخصية كأفضل ما يكون مضفيا عليها الملامح الإنسانية للإنسان البسيط الذي يرتبط بأسرته، يتطلع إلى إنقاذها وإنقاذ الآخرين، ومايكل كين (العالم براند) صاحب الخطة البديلة الذي يموت وتنجح خطته الثانية في نقل سكان الأرض إلى محطات فضائية عملاقة بديلة للكوكب، وجيسيكا شاستين (في دور ميرف بعد أن كبرت)..أما آن هاثاواي في دور إيميليا، فلم يتح لها الدور يمحدوديته الفرصة للتألق، بينما أبدعت الممثلة المخضرمة إلين بريستين في دورها القصير أي دور ميرف بعد أن اصبحت مسنة تشرف على الموت، تنصح والدها، الذي يبدو كما لو كان ابنها أو حفيدها، بالعثور على رفيقته “إيميليا” والالتحاق بها.. فهي تعرف أن هناك علاقة عاطفية متبادلة قد نشأت بينهما، فالفيلم الهوليوودي يجب أن ينتهي أيضا نهاية سعيدة!


بعض الإرباك


يستخدم المصور الهولندي هويت فان هوتيما الألوان القاتمة والإضاءة الخافتة غير المباشرة التي تتناسب مع الأجواء المغبرّة في المشاهد التي تدور في ريف كاليفورنيا، مع بصيص أمل في حقول القمح التي تبدو مخضرّة مزدهرة.. ويستخدم الألوان الباردة (الأبيض والأسود والرمادي والأزرق الفاتح) في مشاهد الفضاء. ويستخدم الموسيقار الألماني هانز زيمر، موسيقى القرب المعروفة في تنويعاتها المختلفة التي توحي بالترقب والقلق، وتمنح الفيلم طابع الرحلة الغريبة التي تتجاوز نطاق العالم الأرضي.

ربما يكون هناك بعض الإفراط في الشروح المتعلقة بالتفاصيل العلمية خاصة في الجزء الأول من الفيلم (يبلغ زمن الفيلم 169 دقيقة)، مما قد يسبب بعض الإرباك للمشاهدين غير المطّلعين على مسائل مثل الجاذبية والنسبية العامة ومصطلحات الفضاء، لكن نولان يراهن بالطبع على “الثقافة السينمائية” التي ترسخت لدى المشاهدين من مشاهدة أفلام أخرى كثيرة عن ذلك العالم الذي لايزال غامضا، لكنه نجح في تحقيق طموحه الفني بعد أن وفرت له ثلاث من شركات هوليوود الكبرى ميزانية بلغت 165 مليون دولار، ولا شك أن الفيلم سيتجاوزها كثيرا من ناحية الإيرادات.

16