كريستيان بولتانسكي.. أن تصنع زمنك الخاص

الفنان الفرنسي يوظف أعمال التجهيز لمحاربة النسيان وبحثا عن حيوات اختفت أو توشك على التلاشي.
الأحد 2019/12/29
كهرباء الاختفاء اليوميّ

عاش الفنان الفرنسي من أصل روسي كريستيان بولتانسكي طفولته في باريس أثناء الأربعينات، حينها كان والداه اليهوديّ مُطارداً بهدف ترحيله إلى معسكرات التركيز، ولينجو بحياته، اختبأ تحت بلاط المنزل في ممر سريّ لعام ونصف، حياتان عاشهما بولتانسكي إثر ذلك، الأولى تدّعي الطبيعيّة، والأخرى مليئة بالخوف والرقابة الدائمة، خصوصاً أن والده حبيس “الأسفل”، كان يستمع لما يحدث في الأعلى، لكن الخوف منع الجميع من الحديث بالأمر حتى نهاية الحرب، ما ترك أثراً على تجربة بولتانسكي الفنيّة التي يحاول عبرها البحث عن المُختفي والمنسيّ.

يقيم مركز بومبيدو في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا لبولتانسكي بعنوان “Faire son temps”، يحاول فيه الفنان ذو الـ75 عاماً عبر مجموعة الأعمال أن يكتشف الحدود بين الحضور والغياب، موظفاً الذاكرة الفردية والجماعيّة لمساءلة الشيفرات الاجتماعيّة الخفيّة، تلك التي تختزن المنسيّ، مُتحركاً بين الأفلام والتشكيل وأعمال التجهيز للبحث عن حيوات اختفت أو توشك على التلاشي، مُتتبعاً آثارها الماديّة والنفسيّة، موظفاً الصور والوثائق الأرشيفيّة لينتج أعمالاً تطرح سؤال، كيف كانت الحياة في ذاك الزمن.

نتحرك في المعرض الممتد على مساحة ألفي متر مربع وكأننا في رحلة عبر الذاكرة، تقودها أعمال التجهيز التي تعكس لحظات من طفولة منسية أو تجارب بشرية تحيط بها أساطير توشك على التلاشي، ليبدو المعرض بأكمله أشبه بعمل واحد، يمثل دورةً بشريّة للحياة، تَبدأ بالولادة وتنتهي بالنسيان، ليأتي الفن محاولة للوقوف في وجه التلاشي الذي يراهن على تدفق الزمن ليرسخ أثره، وهذا ما نتلمس أثره بداية في حكاية بولتانسكي نفسه في لوحة بعنوان “الغرفة البيضويّة” التي أنجزها عام 1967، فبعد تركه المدرسة بقي حبيس غرفته، ورسم إثرها على الخشب العديد من اللوحات التي أتلفت، وبقيت منها واحدة موجودة في المعرض، والتي تبدو منذ النظرة الأولى إليها محاولة منه لالتقاط ذاكرته الشخصية، وحيداً بلا ملامح في غرفة بلا حواف، يتكرر الزمن فيها ببطء، ليصب نهاية في رأسه الصغير الذي يبدو كأنها يتلاشى أمام ثقل جسده.

أشباح الذاكرة
أشباح الذاكرة

خرائط ضد الاختفاء

في السبعينات قام بولتانسكي باستعادة أرشيف أسرته، وحصل على مئة وخمسين صورة قام بترتيبها زمنياً على جدار، محاولاً  تدوين ما تبقى من ذاكرته بصريّا، لرسم تخيّل لجيل ماض لم يبق منه سوى صور مشوشة بالأبيض والأسود، وليبعث في هذه الصور الحياة بدأ منذ الثمانينات بتوظيف تقنيات التجهيز واستخدم مسرح الظل لخلق التناقض بين النور/الظهور والظلام/الاختفاء، وأنجز عملاً ساحراً تظهر ضمنه أشباح طفولته، وأطياف أسرته التي طاردته في مساحات منسيّة في ذاكرته.

استخدم بولتانسكي لإنجاز هذا التجهيز مواد مهملة على وشك الاختفاء، كالأسلاك الحديديّة المهترئة، وقطع النحاس المرميّة في القمامة، لنرى أنفسنا أمام بناء هش وحكاية ضبابيّة أشبه بالذاكرة وكيفية تكوينها، ليبدو وكأنه طفلٌ يحاول عبر ما علّق في عقله من صور هشة إعادة تكوين العالم من حوله، هذا العالم الذي لا يحوي إلا ما هو ومنسيّ و”مخرّب”، ولا يكفي لرسم صورة ناصعة وواضحة، بل أشكال ضبابيّة تسائل حدود الذاكرة والمخيّلة.

أرشيف لموتى

أرشيف لموتى منسيين
أرشيف لموتى منسيين

يتجاوز بولتانسكي ذاكرته الشخصيّة نحو ذاكرة الآخرين، طارحا أسئلة على حكايات العالم وما تبقى منها، لتبدو أعماله ساخرة، أشبه بأسلحة خشبيّة بمواجهة ترسانة الموت، في ذات الوقت تحوي صيغة طقوسيّة تهزأ من التلاشي.

وهذا ما نراه مثلاً في عمله “أرشيف الموتى السويسريين” الذي أنجزه عام 1991 والذي يظهر فيها النسيان نتاج خيار سياسي، فسويسرا التي اختارت الحياد ساهمت بالحفاظ على حياة  مواطنيها في الحروب، مع ذلك هناك موتى  في المصانع لا تحيط بهم هالة كضحايا الحروب، وهذا ما نراه في عمل التجهيز سابق الذكر، الذي يبدو بداية احتفالاً بهؤلاء الأشخاص الذي أخذ صورهم من مجلة الموتى في سويسرا، ثم ألصق كل صورة على صندوق خشبي عتيق، في انتقاد لبيروقراطية الموت، وتحول ضحاياه إلى صور في صحيفة، ليأتي التكرار والتشابه في العمل أشبه بمحاولة لصدم المشاهد، الذي يرى أناسا رحلوا دون أن يعرف عنهم شيء، صورهم مرتبة ومرصوفة دون أيّ أثر يدل على ما اختبروه في حياتهم، ذات الأمر في عمل التجهيز “les Reliquaires”، الذي يجمع صور أطفال يهود يرتدون ثياب العيد عام 1939،  خالقاً أثراّ عاطفياً لدى المتلقي، خصوصاً أنه يحيل عبر هذه الصور إلى ضحايا الهولوكوست، ليرتبك المشاهد أمام ما يراه هل هذه صور موتى أم أحياء، فضبابية الأوجه تجعلهم أقرب لأطياف تشابه من فقدناهم أو عرفناهم ولم يبق من صورهم سوى ظلال.

أيقونات لموت مؤجّل
أيقونات لموت مؤجّل

نُشاهد في المعرض أيضاً الأعمال التي أنجزها بولتانسكي في الألفيّة الجديدة، كـ”رحيل” الذي يعود لعام 2015، ويستعير فيه من “فن النيون” والإعلانات، خالقاً التناقض بين كلمة “رحيل” وبين الشكل المبهرج الذي كتبت فيه، كما أن الأسلاك المتشابكة والمرئيّة التي تبعث في الكلمة “الضوء” تحيل إلى الاختلاف بين الشعري والميكانيكيّ، والمفهوم المتعالي المتمثل بالرحيل، والتقنيات المعاصرة التي تجعله منه قابلاً للتنفيذ بلمسة واحدة، ما يخلق تناقضاً وارتباكاً في عقل المتلقي، وهذا ما يسعى له بولتانكسي في أعماله الأخرى التي يشوش فيها علاقتنا العاطفية مع الموت والرحيل والاختفاء، إذ تبدوا احتفالية وساخرة في ذات الوقت، وهذا ما نشاهده في عمل آخر بعنوان “شفق” المؤلف من مجموعة أسلاك متشابكة في نهاية كل منها ضوء، كل يوم يطفأ واحد منها حتى نهاية المعرض حين تطفأ جميعها، وكأن بولتانسكي يُعلق على مرور الزمن وتدفقه الآلي، الذي وإن اختفت علاماته الواضحة (الضوء)،  بقي أثره موجوداً يمكن أن يظهر في حال أردنا النبش في خبايا الذاكرة وظلامها.

لا يكتفي بولتانسكي بمساحات المعارض بل يلجأ إلى الـ”land Art”، إذ نشاهد فيديو لعمل التجهيز الذي أنجزه في باتاغونيا في قرية بوستامنتي عام 2017 بالتعاون مع عدد من المهندسين الصوتيين لبناء ثلاثة تكوينات ضخمة، تعبرها الريح لـ”تعزف” ما يشبه غناء الحيتان، التي تجتمع مرة واحدة في السنة في ذاك المكان، ليبدو العمل الضخم أشبه بمحاولة لبعث الحياة في تلك المساحة المنسيّة عبر أغنية تعزفها الريح، أغنية شعريّة عن نحيب الذاكرة، تدفع المستمع لتخيل رحلة الحيتان الوحيدة التي تحركها عبر المحيطات لحظة لقاء لأجل أغنية.

12