كريستيان شينو المدافع الدائم عن ميراث فرنسا في سوريا

السبت 2015/01/17
شينو.. دروب دمشق والشر الذي تقبله العالم في الماضي

كثيرا ما قيل للدبلوماسيين الفرنسيين، وصناع القرار في باريس، إن فرنسا هي أكثر دول العالم الغربي تماسا مع سوريا، وأن النخبة السورية في الواقع ثقافتها فرنسية، وأن شكل الحياة المدني في سوريا موروث بالكامل عن عهد الاحتلال الفرنسي لها، وأنها هي من صنعت سوريا الحديثة، ما بعد تلك العثمانية.

ولكن الفرنسيين بعد العام 1947 كانوا قد ابتعدوا كثيرا في سياساتهم العالمية، وحلّ الأميركيون محلّهم في تقاسم النفوذ على الشرق الأوسط، ومنه سوريا بالطبع، رغم أن الولايات المتحدة تدّعي أنها كانت بعيدة عن مصر وسوريا والعراق طيلة نصف القرن العشرين الثاني، وأن نفوذها انحصر في الخليج العربي فقط، ولكن تتبع النمط الذي أرادته واشنطن لنفوذها على سوريا ومصر، سيظهر أنه شكلٌ آخر لا أكثر، ولكن لا أحد ينكر علاقة السفارات الأميركية بالانقلابات العسكرية التي وقعت في دمشق والقاهرة، سواء مع الجيش السوري أو مع مجموعة الضباط الأحرار، على الرغم من وجود فرنسا وبريطانيا كدولتي انتداب في مصر وسوريا، ثم مرّ الزمن وتداعياته، وبقي من نفوذ البريطانيين والفرنسيين القليل في الشكل، ولكنه تحوّل إلى تعاون تحت الطاولات، يتصل بأخطر الملفات وأكثرها حساسية، الأمن والعمل الاستخباراتي وتنفيذ التفاهمات الدولية مع اللاعبين الكبار.


شينو المستعرب


درس شينو العلوم السياسية في معهد باريس وخضع لدورات لتأهيل الصحفيين، ليبدأ عمله في الشرق الأوسط مبكرا، منتقلا إلى القاهرة لدراسة اللغة العربية، حيث عمل كمراسل للصحف الفرنسية يبعث بتقاريره من مصر، قبل أن يتولى في العام 1994 رئاسة تحرير مجلة “هيدروبلوس”، ولكنه انتقل للعمل في الأردن، ثم في العراق، حيث تم اعتقاله مع زميله جورج مالبرونو مع سائقه السوري محمد الجندي على يد الجيش الإسلامي حين كانا يعبران الحدود العراقية بتسهيل من المخابرات السورية، في يوم 20 آب ـ أغسطس من صيف العام 2004، حين تم اعتبارهما رهينتين، واشترط الجيش الإسلامي للإفراج عنهما أن تتراجع الحكومة الفرنسية عن قانون منع الحجاب والإشارات الدينية خلال 48 ساعة أو سيتم قتل الرهينتين.


رهينة في العراق


بقي شينو في الاختطاف أكثر من مئة وأربعة وعشرين يوما، واستنفرت وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية ومنظمات الصحافة ومراسلون بلا حدود وغيرها، للمطالبة بالإفراج عنه، حتى تمكنت وساطات عديدة، من عقد صفقة دفعت فيها فرنسا للجيش الإسلامي المتطرّف مبلغ خمسة عشر مليون دولار مقابل إطلاق سراحهما كما أكّدت صحيفة التايمز، رغم أن فرنسا ما زالت تنفي ذلك حتى اليوم.

وقد أضفى شينو على اعتقاله طابعا روائيا، وقال إن سكرتير صدام حسين عبد حمود أشرف بنفسه على عملية الاختطاف، ووصف أمورا صعبة التصديق، وقال إن الخاطفين عاملوه معاملة حسنة ودخلوا معه في مناقشات جادة وعميقة وطويلة حول القضايا العالمية والأديان والحريات، وأضاف شينو، “أنه وزميله مالبرونو تأثرا كثيرا بالتعاطف الذي لقيته قضيتهما من قبل المسلمين في فرنسا والعالم الإسلامي، أثناء فترة الاختطاف”.

بعد إتمام الصفقة وصل شينو وملبورنو إلى باريس، واستقبلهما الرئيس شيراك، ومعه كان محمد الجندي السائق الذي عثرت عليه القوات الأميركية في الفلوجة بعد عملية الاختطاف بأسبوع، والذي ظهر على وسائل الإعلام من باريس وتحدّث كرجل مثقف عارف بالعمل العسكري والسياسي، وليس كمجرد سائق بسيط، وأدان طريقة اعتقاله من قبل الأميركيين، وقال إن والده كان ضابطا كبيرا في المخابرات السورية وكتبت الفيغارو، حينها، مسرّبة دور المخابرات السورية في عملية الاختطاف وسيناريو الإفراج عن الرهينتين، وهو الأمر الذي أعلنه البرلماني ديدييه جوليا، وقالت الصحيفة المقربة من الرئيس شيراك، إن النظام السوري ينتقم من فرنسا بسبب موقفها وتصويتها على القرار الدولي 1559 الذي صدر في الثاني من سبتمبر ـ أيلول من العام 2004 في نفس الفترة التي اختطف فيها شينو وملبورنو، وأدى في ما بعد إلى إجبار الجيش السوري على الانسحاب من لبنان.

كريستيان شينو يخلط الحقائق بالانطباعات لينتج سيناريوهات لا وثائق عليها، في عمل موجّه للدفاع عن إرث فرنسا الاستعماري في سوريا والمنطقة


دروب دمشق


في العام 2014 وبعد مرور عشر سنين على قصة اختطافه وإطلاق سراحه، أصدر شينو مع رفيقه ملبورنو ذاته كتابا يمكن تصنيفه ضمن كتب فضائح العمل الاستخباراتي، وفيه الكثير من التسريبات والمعلومات التي يصعب على صحفي الحصول عليها دون تنسيق مع مسؤولين كبار ونافذين إلى أجهزة مخابرات دولية متعددة، ليصوّر علاقات فرنسا مع سوريا، طيلة أربعين سنة، على أنها كانت قد مرّت بمراحل “توتر، وأشهر عسل ومصالحة وطلاق”، قبل أن تصل الآن إلى “الحقد” بدءا من العام 2011.

وكشف شينو أن الجيش الفرنسي كان قد حدّد قائمة من عشرين هدفا من بينها مراكز القيادة العسكرية والسياسية الخاصة بنظام الأسد على الأراضي السورية في العام 2013 لقصفها، بعد استخدام الأسد السلاح الكيماوي ضد المدنيين في ريف دمشق، ولكن موقف الرئيس أوباما بعدم توجيه ضربة إلى الأسد، منع الرئيس هولاند من تنفيذ خطّته العسكرية تلك.

وكان شينو يخلط ما بين تحليله الشخصي، والمعلومات التي يوردها، فحين يصل إلى تقارير المخابرات الفرنسية حول استخدام الأسد للسلاح المحرم دولياً، يقول: “هناك احتمال بأن يكون الحادث مجرد إطلاق نار كلاسيكي للجيش السوري أصاب مختبرات كيماوية سرية للمتمرّدين”.

ويسوق شينو في كتابه، سيناريوهات مختلفة، ليحاول التأكيد من خلالها، على أن القوات الفرنسية تحارب في سوريا منذ العام 2012 بشكل سرّي، وأن “المرتزقة الفرنسيون موجودون في بابا عمرو في حمص منذ العام 2012، وعندما أصيبت مراسلة “الفيغارو” ايديث بوفييه، اتصل برنار سكوارسيني رئيس الاستخبارات الداخلية بنظيره علي مملوك وحصل على وقف لإطلاق النار لإخراجها في سيارة الهلال الأحمر إلا أنها رفضت الصعود إلى السيارة، وقالت إنها لا تثق بالهلال الأحمر السوري. وفي تلك الأثناء كان جهاز الاستخبارات الخارجية يعمل لإخراجها عبر لبنان بمساعدة أطراف لبنانية وأُجري ذلك بمساعدة الجيش الحرّ واستخدام أنفاق عبر القصير. وتبيّن أن الصحافية لم تكن بمفردها وأن الغاية كانت إخراج مرتزقة فرنسيين يساندون مقاتلي المعارضة ضمن ما يعرف بكتيبة أبي بكر”.

يعتقد شينو أن هناك صراعا في عمل المخابرات الفرنسية، الداخلية منها والخارجية، وأن هذا الصراع كان يقوم على الاختلاف الدائر بينهما حول بقاء نظام الأسد أو زواله، ويدعّم كلامه بأن أداء السفير إريك شوفالييه في بداية الانتفاضة السورية، كان خارج السرب الفرنسي الرسمي، وعكس إرادة وزير الخارجية آلان جوبيه، حين أرسل تقارير من دمشق تقول إن النظام “صلب ولن يسقط بسرعة”، فاستدعي على عجل إلى اجتماع في باريس، ترأسه مدير مكتب الوزير هيرفيه لادسو، لعدد من الدبلوماسيين، ليحتدّ النقاش بين مستشار الرئيس نيكولا ساركوزي للشرق الأوسط نيكولا غاليي والسفير شوفالييه.

يقول شينو إن غاليي لم يأت إلى الاجتماع للمناقشة بل كلف بمهمة محدّدة، وهي إبلاغ كل من يهمه الأمر وخصوصا شوفالييه بأن “نظام الأسد سيسقط لأنه يجب أن يسقط”، وحين أراد شوفالييه الدفاع عن رأيه قال له غاليي: “لا تهمنا معلوماتك”، وحدّد شينو في كتابه بعض الشخصيات المعارضة السورية التي تعاملت مع المخابرات الفرنسية، وكان من بينها بسمة قضماني التي قال إنها “كانت تجد آذانا صاغية في الخارجية، وكانت تأتي مع أصدقائها لتخبرنا عن قريب يستعد للتخلي عن النظام وعن عمّ يستعد للانشقاق”.

لا يظهر عمل شينو ورفيقه في تصوير العلاقات الفرنسية السورية، على أنه توثيق موضوعي، بقدر ما يبدو أنه عمل موجّه له أهداف محدّدة، ترمي إلى تشويه الأطراف التي عملت ضد نظام الأسد في فرنسا وفي المنطقة العربية، فلا يتردد شينو في نقل شهادة من نائب رئيس مجلس الوزراء السوري السابق عبدالله الدردري نقلها له مباشرة قال فيها: “سمعت بأذني في بداية الحراك تنصّتا على اتصالات من السعودية يقولون فيها لأتباعهم في سورية: نريد دما”، وهو حديث لا يختلف عن حديث إعلام الأسد الذي يتهم العالم بالتآمر عليه، فيتابع شينو نقل شهادة الدردري: “كيف يمكن أن تخطئوا أيها الفرنسيون، فقد شاركت في ثلاث زيارات للرئيس بشار الأسد إلى موسكو وفي كل مرة كان بوتين يبدأ حديثه بالقول لبشار إن أمن سوريا من أمن روسيا وإن مخازن أسلحتنا هي مخازنكم”.

بل إنه يصوّر الفرنسيين متهافتين على إعادة العلاقات مع نظام الأسد بحيث يؤكدان، دون وثيقة، أن باريس حاولت فتح قناة أمنية مع دمشق في العام 2013 ولكن الأسد قال للفرنسيين: “لا تعاون أمنيا دون أن تعيدوا فتح سفارتكم في دمشق أولا!”.

شينو يتهم السعودية والأردن وقطر وبلاده فرنسا والأميركيين، بالعمل على إسقاط نظام الأسد ولا يقول لماذا تفعل هذه الدول ذلك، ولا يقدم سوى وصفة الحرب الوحشية


دمشق - باريس


وكي يضفي شينو على نظريته المزيد من الواقعية، يضطر لسوق سلسلة من الحقائق التي حصلت بالفعل، دون أن تكون سوى دليل على إدانة النظام السوري وعمله الأسود تجاه الفرنسيين وغيرهم، كما في حادثة اغتيال سفير فرنسا في بيروت لوي دولامار في العام 1981، حين أعطى الرئيس فرانسوا ميتران الأمر باستخدام القتل للانتقام من منفذي عملية الاغتيال، فبعد يومين من اغتيال السفير اتصل بشير الجميل بأحد الدبلوماسيين الفرنسيين وطلب منه زيارته فورا في مكتبه، وعرّفه إلى ايلي حبيقة وقال له: “سيعطيكم ايلي أسماء من نفذوا عملية اغتيال السفير دولامار”، فأبلغه حبيقة بأن المنفذين “اثنين من الشيعة ينتميان إلى الصاعقة، وهي ميليشيا تعمل لمصلحة المخابرات السورية في لبنان”، وبعد أقل من ثلاثة أشهر، نفّذت المخابرات الفرنسية، تفجير الأزبكية في شارع بغداد في التاسع والعشرين من تشرين الثاني ـ نوفمبر من العام 1981، فردّ نظام الأسد بتفجير مقر مجلة “الوطن العربي” المعارضة في باريس.

يحارب شينو نيابة عن الأسد، في أوساط التأثير على الرأي العام، وفي حربه تلك، لا يوفّر أحدا، دون أن يلقي إليه باتهام أو يختلق له رواية، فكثيرون يرون أنه كانت قد تمّت تهيئة شينو جيّدا قبل ما قيل إنه اختطاف في العراق، وأثناء اختطافه وفي السنوات التالية له، فيظهر فجأة كناطق باسم القوات الأميركية في الشرق الأوسط، ليؤكد أن “السعودية ما زالت ترسل السلاح والعتاد إلى المعارضة السورية عبر طائرات شحن تهبط في مطار الزرقاء العسكري في الأردن”، ويضيف أن “القوات الأميركية تقوم بالكشف على الشحنات السعودية قبل أن تسلمها للسلطات الأردنية، وأن الأردنيين يأخذون جزءا منها قبل أن يسلموها للمعارضة السورية التي تقوم بتهريبها إلى الداخل السوري”. ويشرح شينو أن “السلاح السعودي يرسل فقط لمجموعات محددة في المعارضة”.

مهمة سوداء في الزعتري


دون مقدمات، ودون أن يكون هدفه تقديم المساعدات الطبيّة والغذائية للاجئين السوريين، ظهر شينو في مخيم الزعتري في الأردن، لينقل مشاهداته الاستخباراتية من هناك، حين قال: “السعودية تسيطر على كل شيء في المخيم وهي قامت بتوزيع خيم على النازحين السوريين، والأعلام السعودية ترفع في أغلب الخيم فالسلطات السعودية كانت قد افتتحت حوالي خمسين مسجدا فيه”، ويزيد بالقول: “يوجد مكان في المخيم تابع للجيش السوري الحر، وتقوم من خلاله المعارضة السورية بعمليات تجنيد في صفوف السوريين النازحين. حيث يدخل أسبوعيا إلى سوريا، عبر معابر غير شرعية من الأردن يسيطر عليها مسلحو المعارضة، أربع حافلات نقل ركاب، ثلاث منها محمّلة بركاب مدنيين وباص عسكري يقلّ رجالا تم تجنيدهم في المخيم”، ليصل إلى ما يريده أخيرا حين يقول: “إن مخيم الزعتري هو إمارة سعودية”.


شينو يصف ساركوزي بالمهووس


لشينو عدّة مؤلفات تدور حول نشاطه الصحفي، ولكنها تمسّ العمل الاستخباراتي بشكل دائم، تستقي منه، وتغذيه، هدفها الرأي العام، ويمكن في هذه الحال استعمال كل ما يمكن من أن شراء المعلومة ثم بيعها. في كتاب آخر يتطرق شينو مع شريكه الدائم ملبورنو لدور الدول الخليجية وقطر والأسرار المحيطة بها، حين يصف الأخيرة بأنها انتقلت من “دبلوماسية دفتر الشيكات” إلى تسليح الثوار في ليبيا وسوريا، ويحاول التساؤل عن سبب الرغبة القطرية الجامحة بـ”التسلل إلى المنظمات الدولية الكبرى كاليونيسكو وجامعة الدول العربية”، أما بالنسبة إلى فرنسا فإن الوجود الإستراتيجي في الخليج مهمّ، كما يرى شينو، أما بالنسبة لنيكولاس ساركوزي، فهذا أمر ذو أولوية كبرى، فالرئيس السابق كانت لديه طموحات واضحة في الشرق الأوسط فهو يريد أن “تكون له علاقات جيدة مع المغرب ومع الخليج حيث يوجد النفط، وهناك أموال كثيرة ومصالح فرنسية كثيرة، وكما تعلمون أن الرئيس الفرنسي مهتم جدا لحد الهوس بالقضية الإيرانية ولديه موقف ربما أشد من الموقف الأميركي”.


نحن صنعنا سوريا


يتعامل شينو مع سوريا، على أنها الإرث الاستعماري لفرنسا، وهو يشعر بخطر الجميع على ذلك الإرث، متيقّنا أن أفضل وكلاء فرنسا على المستوطنة القديمة هو بشار الأسد، وليؤكد ذلك يورد كلاما للجنرال فيليب روندو الذي زار دمشق أول مرة في العام 1956 ويقول إن والده هو من أسس المكتب الثاني، أي بمعنى آخر المخابرات السورية، ويضع في مقدمة كتابه العبارات التالية: “يجب ألا نخطئ، لأن سوريا بلد رسمت حدوده فرنسا ودرّبت كوادره على جميع الصعد، وتعاونت معه على تطوير الأسلحة الكيماوية في السبعينات والثمانينات، قبل أن يوقفها السفير الفرنسي في سوريا جان كلود كوسران في التسعينات. سوريا بلد نعرفه غيباً لأننا أعددناه”.

12