كريستينا كيرشنر نجاح المحامية اليسارية في الإقلاع بالدولة

الأحد 2014/08/03
كريستينا كيرشنر تعتبر لدى كثير من الأرجنتينيين وريثة إيفا بيرون

الأدلة على قدرة المرأة على تذليل الصعاب والتحول إلى شخصية قيادية أكثر من أن تحصى، لكن وصول امرأة إلى سدة الرئاسة في قطر تشقه الأزمات مثل الأرجنتين، وتنجح في الخروج به من عنق الزجاجة وتحويله إلى دولة لها وزنها عالميا هو أمر يحسب فقط لكريستينا دي كيرشنر، رئيسة الأرجنتين المنتخبة للمرة الثانية، والمحامية اليسارية التي ضحت بيساريتها من أجل مصلحة بلادها، ونجحت بخيارات جريئة في تحقيق إنجازات عجز أسلافها عن الوصول إليها.


شعبية كاسحة


دخلت كريستينا فيرنانديز عالم السياسة من الباب المفتوح دوما بين المحاماة والسياسة، وحفّزها في ذلك ارتباطها بنيستور كريشنر منذ عام 1975، طالب الحقوق الذي تعرفت إليه في الجامعة، ليختطا معا مسيرة عائلية وسياسية مشتركة.

رافقت كريستينا زوجها في كل المحطات السياسية التي مر بها، ولم يكن مستبعدا أنها شاركته في اتخاذ عديد القرارات. وكان نيستور كريشنر يتقدم في مساره السياسي حيث بدأ المحامي كريشنر حياته السياسية بمنصب رئيس بلدية ريو غاليغوس، ثم أصبح حاكما لمقاطعة سانتا كروز.

لم تكن كريستينا غريبة عن العمل السياسي، أو تمارسه تحت ظل زوجها، بل إن صيتها ذاع وشهرتها فاقته في كثير من الأحيان وخاصة قبل توليه منصب الرئيس، وكانت قد بدأت حياتها بالانخراط في حركة الشبيبة البيرونيين (اتصالا بالرئيس خوان بيرون الذي توفي عام 1974) منذ عام 1970، وتدرجت في سلم المناصب الحزبية إلى أن نجحت عام 1995 في تمثيل مقاطعتها سانتا كروز في مجلس الشيوخ الذي يعد العمود الثاني للسلطة التشريعية في الأرجنتين بعد الكونجرس، وأكدت شعبيتها في المقاطعة بأن فازت مرة ثانية، في دورة 2005 ممثلة لمدينة بيونس آيرس.

واشتهرت بمعارضتها الشرسة لخيارات الرئيس كارلوس منعم، الذي يعود لأصول سورية من منطقة يبرود وحكم الأرجنتين من يوليو 1989 إلى يناير 1999، كما نما هذا الرصيد من الشهرة بما قدمته من دعم منقطع النظير لزوجها أثناء خوضه النزال الانتخابي عام 2003.


العائلة السياسية


الصفات التي تمتلكها كريستينا تضافرت مع سلسلة النجاحات الاقتصادية والاجتماعية التي حققها زوجها، نيستور كيرشنر، أثناء رئاسته للبلاد، لتجعل من كريستينا مرشحة قوية تحظى بشعبية جارفة لدى فئات واسعة من الشعب الأرجنتيني، التي رأت فيها امرأة قادرة على الارتقاء بالوضع العام للبلاد بما تمتلكه من صفات، وأيضا لانتمائها إلى عائلة سياسية نجحت في تغيير وجه الأرجنتين، تضاف إلى هذه العوامل الدعم الكبير الذي وفره لها زوجها وسلفها أثناء الحملة الانتخابية. عوامل اجتمعت لتتيح لكريستينا التقدم الكبير في الانتخابات وتفادي خوض الجولة الثانية، أي أنها تقدمت بشكل جلي على منافسيها منذ الجولة الأولى.

ترشحت ابنة منطقة لا بلاتا الأرجنتينية إلى انتخابات عام 2007، مدججة بمسار سياسي طويل، وبدعم كبير من الرئيس المتخلي، وبشعبية توصلت إلى تحقيقها باعتبارها معارضة سابقة و”سيدة الأرجنتين الأولى”، لكن هذه العوامل لم تكن تحجب الجرأة السياسية التي كانت تشوب البرامج الاقتصادية والاجتماعية الطموحة التي طرحتها لتغيير وجه الأرجنتين، ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية وثامن أكبر دولة في العالم مساحة، والمثقلة بأعباء اقتصادية واجتماعية وبديون خارجية كان ينوء بها اقتصاد البلاد.

وبدأت كريستينا عهدتها الرئاسية بمواجهة مشاكل كبرى تلف عنق الأرجنتين مثل المشكلة المزمنة مع التاج البريطاني حول جزر الفوكلاند، والأزمة المستمرة مع صندوق النقد الدولي والمتعلقة بالديون، وكذلك إعلانها محاربة مافيات الفساد التي تنخر الاقتصاد الأرجنتيني.

هذا إضافة إلى ثباتها أمام حملات التشويه والتشهير التي توجه لها دائما لكونها امرأة تفرط في الأناقة، بما يحيل على تهم بتحقيق كسب مالي غير مشروع، لكن الحكومة الأرجنتينية كانت تذود عن الرئيسة بكون تلك التهم هي من قبيل التحامل والتشهير، والتعامي على النجاحات الاقتصادية التي توصلت كريستينا إلى تحقيقها.
لم تكن كريستينا غريبة عن العمل السياسي، أو تمارسه تحت ظل زوجها، بل إن صيتها ذاع وشهرتها فاقته في كثير من الأحيان وخاصة قبل توليه منصب الرئيس


معركة الحياة الاجتماعية


على الصعيد الداخلي، خاضت كريستينا صراعا كبيرا مع بارونات القطاع الزراعي، حين حاولت رفع الضرائب الموظفة على المواد الفلاحية الموجهة للتصدير، وهو خلاف وصل إلى قبة الكونغرس لكن لم تتوصل كريستينا إلى تمرير مشروع القانون.

كما خاضت معارك قانونية أخرى تعلقت بالحياة الاجتماعية خاصة فيما يتعلق بضمان الحقوق والحريات فهي تؤمن بالحرية المطلقة للشخص في اختيار حياته وهذا الإيمان بالحرية دفعها للمصادقة على قانون يسمح للمثليين جنسيا بالزواج وذلك بتاريخ 15 يوليو 2010، وتحسب لها هذه الخطوة دليلا على قوة الشخصية والجرأة في اتخاذ القرار حيث أن الأرجنتين كانت أول بلد في أميركا اللاتينية يصادق على هذا القانون. كما اهتمت بضمان الحق في العيش الكريم لشعبها خاصة للفئة التي خدمت البلاد وعملت وقد أحدثت إصلاحات هامة في قانون التقاعد وفي قانون الشغل.


مغازلة الشركات الكبرى


وفي سياق الحديث عن منجزاتها السياسية والاقتصادية يجمع المراقبون على أن النهضة الاقتصادية التي عرفتها الأرجنتين منذ وصولها سدة الرئاسة كانت حاسمة في إعادة انتخابها. حيث سارعت كريستينا إلى تطبيق جملة من الخطط والبرامج الهادفة لإخراج بلادها من الأزمة الاقتصادية الخانقة، وكانت أولى ملامح هذه الخطة تقوم على سياسة تقشفية صارمة مكنت الأرجنتين من تسديد الجزء الأكبر من ديونها المتخلدة بذمتها تجاه البنك الدولي، ثم اتجهت نحو التشجيع على إحداث مواطن شغل وخلق الثروة عبر “مغازلة” الشركات الكبرى بتخفيف الضرائب والضغط الجبائي، وهو ما مكن من تقليص نسب البطالة بشكل ملحوظ. وكانت ترجمة كل ذلك على صعيد الأرقام واضحة وجلية، إذ ارتفع الناتج القومي في الأرجنتين من 307 مليار دولار عام 2009، إلى 7368 مليار دولار عام 2010، وارتفع الدخل الفردي من 7650 دولارا إلى 9200 دولار خلال الفترة نفسها.

ورغم أن كريستينا كيرشنر لم تبتعد كثيرا عن ظل زوجها سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي إلا أنها توصلت إلى تحقيق أرقام ومعدلات أفضل بكثير من تلك التي تحققت أثناء رئاسة زوجها، وهذا لا يحجب النجاحات التي تحققت في عهد نيستور كيرشنر التي مثلت الأرضية التي بنت عليها كريستينا نجاحها.


التقشف والإفلاس


انتماء كريستينا ونيستور إلى بيئة يسارية “بيرونية” لم يخف وجود بعض الاختلافات في الأداء السياسي بينهما، فنيستور كان مؤمنا جدا بنظرية الاقتصاد التدخلي (المعروف بالاقتصاد الكينزي نسبة للاقتصادي الانجليزي جون مينارد كينز) الذي يراوح بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، ولذلك بنى تصوراته الاقتصادية والاجتماعية وفق هذا التصميم، لكن كريستينا ذهبت بعيد في تطبيق هذا التوجه، بأن أضفت عليه مزيدا من الجرأة سواء من حيث إقرارها السياسة التقشفية أو من حيث اضطرارها إلى مغازلة كبرى الشركات الاقتصادية بحثا عن تحقيق مزيد من الاستثمارات بما يعني المزيد من مواطن الشغل والمزيد من مصادر الثروة. وهي سياسة رفعت الأرجنتين إلى مصاف الدول الصناعية الكبرى (ثالث اقتصاديات أميركا اللاتينية بعد البرازيل والمكسيك)، وأتاحت لها الدخول إلى مجموعة دول العشرين.

سلسلة الإنجازات التي تحققت في عهد كريستينا، والصعوبات التي واجهتها جعلت الرئيسة المنتخبة تحظى بشعبية كبرى في بلادها رغم المعارضة وحملات التشويه

سلسلة الإنجازات التي تحققت في عهد كريستينا، والصعوبات التي واجهتها والمتصلة بالأزمات التي تتالت على البلاد، جعلت الرئيسة المنتخبة تحظى بشعبية كبرى في بلادها -رغم المعارضة وحملات التشويه- إلى درجة جعلت الأرجنتينيين يسمون الثنائي كيرشنر (كريستينا ونيستور) “آل كلينتون الجنوب” إشارة إلى الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وزوجته هيلاري، كما تعتبرها الفئات الشعبية الفقيرة وريثة إيفا بيرون التي تولت السلطة بعد وفاة زوجها خوان بيرون.

ورغم ذلك فقد أعلن وزير الاقتصاد الأرجنتيني إكسيل كيسيلوف في نيويورك أنه لم يتم التوصل إلي اتفاق حول أزمة الديون المستحقة في ذمة بلاده لصندوقي مضاربات وهما “أن أم أل كابيتال” و”أورليوس مانجمنت”، وقال الوزير للصحافيين إن الصندوقين اللذين يصنفان في خانة صناديق المضاربات “الانتهازية” حاولا “أن يفرضا علينا أمرا غير قانوني، و الأرجنتين مستعدة للحوار، لإيجاد تفاهم.

و قال الوسيط المعيّن من قبل المحكمة والمكلف بإجراء مفاوضات تسوية حول سداد الأرجنتين لديونها إن البلاد تتخلف عن السداد. وقال دانيال بولاك في بيان عقب فشل المفاوضات: “لسوء الحظ، لم يتم التوصل إلى اتفاق وستتخلف جمهوريه الأرجنتين عن السداد قريباً” الأمر الذي ربما يفضي بها إلى إعلان الإفلاس.


المرأة الأكثر أناقة


حسب عدد من المجلات النسائية، فكريستينا صمدت أمام كل ضروب التشويه وكل صنوف التهم، من التبذير وصولا إلى الكسب المالي غير المشروع واستغلال النفوذ إذ هاجمتها إحدى الصحف الفرنسية عام 2013 متحدثة عن فساد مالي ومؤكدة وجود كسب غير مشروع للعائلة الحاكمة في الأرجنتين. وقد تحدثت الصحيفة عن تزايد ثروة العائلة بعشرة أضعاف منذ تولي الزوج منصب رئاسة الأرجنتين، لكن ذلك لم يحبط عزيمة كريستينا وكان محفزها الأساسي على الصمود؛ الشعبية المتصاعدة التي تحظى بها، وأيضا الأرقام الاقتصادية التي حققتها الأرجنتين أثناء رئاستها.

الثابت أن رئاسة الأرجنتين، البلد الكبير في أميركا اللاتينية، ليس أمرا هينا أو يسيرا أو في متناول أي شخصية، والدليل أن مستقبل عديد الرؤساء الأرجنتينيين تحطم أمام صلابة ما تراكم من أزمات، فالأرجنتين بلاد تتداخل فيها عوامل الفقر والتهميش الاقتصادي، مع تغلغل الأفكار اليسارية، وتفشي مافيات الفساد والمخدرات، وهي بلد يصعب الخروج به من عنق الزجاجة، لكن كريستينا بدأت ذلك المسار بعزم دؤوب وجرأة لا تضاهى.


كريستينا وهيلاري


وفي بداية توليها لمنصب الرئيسة كان الأرجنتينيون كثيرا ما يقارنون الرئيسة الجديدة وزوجها المنتهية ولايته بالمرشحة للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون ويطلق على الزوجين “آل كلينتون الجنوب” في إشارة إلى الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وزوجته هيلاري، وتعتبر كريستينا فرنانديز لدى كثير من الأرجنتينيين وريثة إيفا بيرون التي مازالت تتمتع بشعبية كبيرة بعد 55 عاما على رحيلها والتي تولت السلطة بعد وفاة زوجها خوان بيرون عام 1974 لأنها كانت نائبة للرئيس.‏

تمثل كريستينا فيرنانديز نموذجا للمرأة التي تتوفر على صفات يقل تجمعها في شخصية واحدة وهي الذكاء والكفاءة والشعور بالمسؤولية والقوة والإنسانية والإيمان بالحرية حيث تكون قادرة على قيادة قاطرة دول عظمى نحو النجاح وهو ما حققته رئيسة الأرجنتين التي تمكنت من كبح جماح أزمة كادت تعصف بالبلاد نحو الهاوية.

20