كريستين كليرك تكتب عن نوبات اكتئاب الجنرال ديغول

السبت 2014/06/28
كليرك: ما من سياسي محنك إلا وهو ممثل كبير

“لقد ضاع كل شيء: نوبات اكتئاب الجنرال ديغول” هو أحدث كتابات كريستين كليرك الّذي سيصدر قريبا عن منشورات “ألبان ميشيل”، ويُظهر وجها آخر للجنرال ديغول. هذا الجنرال قوي البنية والشخصية، الّذي يشهد له التاريخ بعظيم الإنجازات و جرأة القرارات في المواقف الصعبة.

إنه الجنرال الذي قبل تحمل مسؤولية قيادة الجيش الفرنسي في أحلك الظروف (إبان النكسة الفرنسية في يونيو 1940). هذا الرجل كانت له أيضا نقاط ضعف كسائر البشر، فـ”لكل هشاشته”، تقول كريستين كليرك الّتي تصفه بالممثل البارع، في قولها: “ما من سياسي محنك إلا وهو ممثل كبير، له بطبيعة الحال، ارتعاشاته وأحاسيسه، وقد تفاقمت حساسيته هذه بالتربية التي نشأ فيها وبعد ولوجه الجيش، وببعض اللحظات التي كانت تمرّ بها نكسة ما ويطفح خلالها الكيل، وقد استطاع تجاوز ذلك، لكن الأمر بقي من السرية بمكان لأن محيطه ما كان ليتحدث عن ذلك وخاصة معاونيه، ثم بدأ الناس يكتشفونه شيئا فشيئا من خلال مذكراته التي يتحدث فيها عن دموعه وأفراحه وكذا آلامه، ثم بعدها ظهرت شهادات معاونيه المقربين الّتي لم تصدر إلا بعد عشرين سنة من وفاته، ومنذ ذلك الحين فقط، بدأ التعرف على شخصية ديغول الحقيقية”.


معاناة الجنرال


وراء واجهة بطل فرنسا الحرة كانت تختبئ شخصية تطبعها الشكوك وتخالجها توجسات عميقة، ففي يناير 1946 نشرت الصحف الفرنسية نبأ تخلي ديغول عن رئاسة الجمهورية: بعد انتهاء الحرب لم يعد الجدنرال يحتمل الأحزاب السياسية التي ترفض الانصياع لمشاريعه.

من اللحظات الساخنة الأخرى لمصيره ذاك كانت الانتخابات الرئاسية في 1965، وهو في الخامسة والسبعين من عمره، مؤسس الجمهورية الخامسة كان واثقا من فوزه منذ الدور الأول.

وراء واجهة بطل فرنسا الحرة كانت تختبئ شخصية تطبعها الشكوك والتوجسات

بالنسبة إليه كان ذلك مجرد إجراء شكلي. في الخامس من ديسمبر كانت الصدمة مفجعة، لا أحد من المترشحين الستة يحصل على الأغلبية. لقد تلاعب به فرانسوا ميتران، وتلك الخديعة من صديق مقرب ستسبب له جرحا عميقا. لحظات أخرى من الاكتئاب الحاد، كانت في مايو 1968، كل أمسية، سيرى أنصار ديغول الحواجز التي أقامها الجيش وتدخُّله العنيف لقمع الثورة التي اندلعت في الحي اللاتيني. سنة بعدها، سيستقيل شارل ديغول.

تذهب كريستين كليرك إلى حدّ القول بأنه فكر في بعض اللحظات في الانتحار: “نعم على كل حال، فقد شهد بذلك عدة وزراء، خاصة فيليب دوشات الذي أجريت معه حديثا مطولا، والذي كان وزيره بضعة شهور قبل وفاته، فقد استحضر حلقة داكار حيث سيذهب ديغول على متن أسطول بريطاني بمباركة من تشرشل، في محاولة لتعبئة الفرنسيين الذين يريدون الالتحاق بفرنسا الحرة، فقد كانت حينها عدة عواصم من أفريقيا الغربية قد استجابت، ولم يكن يساورهم شك بالنسبة لداكار حسب المعلومات التي كانت متوفرة. لكن فيشي الذي كان يقود فيالق فرنسية أطلق النار على من لبّوا الدعوة.

استنكر ديغول ذلك الوضع الذي كان سيؤول إلى حرب أهلية يتقاتل فيها الفرنسيون فيما بينهم، لاسيما أنه منذ أسابيع قليلة، لقي 1300 شخص مصرعهم في القصف الذي تعرض له أسطول ميرسيل كِبير من طرف البريطانيين لأن الأسطول الفرنسي لم يكن يريد الالتحاق بفرنسا الحرة وكان على استعداد ليستسلم للألمان. لقد كان ذلك عبئا ثقيلا لا يقوى على تحمله، فقد كتب وهو يحكي أن السماء كانت زرقاء صافية والبحر أزرق شفاف والجسر المعدني براق، وهو يرنو للمعان الحديد الصلب، وفكر في الانتحار.

يستحضر أيضا في حديثه مشهدا من مسرحية لـ “كورناي”، حيث سيزج البطل بنفسه وسط وابل من السهام لتصيبه في ظهره.تعرض كريستين كليرك أيضا، الجرح الحميمي العميق للجنرال عند وفاة ابنته آن التي لم تكن طفلة كالأخريات. لقد كان شديد التعلق بها وهي التي ولدت بإعاقة، فبالكاد كانت تتحرك وتبدل مجهودا كبيرا لهبوط الأدراج.

يستحضر ذكراها فيكتب أنها كانت طفلة متميزة تفيض حنانا رغم إعاقتها وأنها الشخص الوحيد الذي كان باستطاعته التواصل معه بإحساس مرهف. لقد عاشت عشرين سنة رغم كل شيء، و يذكر أنه كلما عاد إلى المنزل كان يقترب منها فكانت تخدش وجنتيه وكان يغني لها أناشيد عسكرية.
كتب أن السماء كانت زرقاء صافية والبحر أزرق، وأنه يفكر في الانتحار


مراوغ سياسي


لحظات أخرى عديدة تعرضها الكاتبة مثلا؛ حين التجأ الجنرال إلى كولومباي أو حين فرّ إلى بادن بادن، حيث قال له الجميع وقتها؛ إنه ملزم بأن يكون الجنرال ومن غير اللائق أن يبدو للناس بتلك الهشاشة أو يظهر بمظهر يوحي بالفشل. حينها، تقول كريستين كليرك، تظهر في المشهد شخصية الممثل حيث المعاناة والألم، إنه رجل مغرم بفرنسا حتى النخاع وفي بعض اللحظات تخالجه شكوك في قدرته على تقويمها والفرنسيون يُضعفون عزيمته، لكنه يلاعبهم فيتصنّع الهروب والاختفاء من الساحة، أو يعلن هجره للسياسة، فتعم البلبلة ويرتبك القائمون على تسيير شؤون البلاد. تنجح الخطة ويطالب الجمهور بعودته. وحين يعود يلقي خطابا رزينا متّزنا أمام الجمهور المتعطش الّذي يتنفس الصعداء أخيرا.

توضح المؤلفة في النهاية، أن الجنرال كان شخصية متفردة و غير عادية، فقد كان يضع المصلحة العليا لوطنه فوق كل اعتبار، وقد عانى الأمرين ليقنع حكومته بتعزيز الترسانة الدفاعية للجيش الفرنسي وقت الحرب وما بعدها.

لكن ديغول كان يصطدم بمعارضة شديدة ولا تتم المصادقة على الميزانية. لكنه رغم كل شيء استطاع مسايرة الوضع وعرف كيف يأسر قلوب الجماهير، دون أن ننسى أن ثلاثة أرباع ما تنعم به فرنسا الآن من بنيات تحتية وتجهيزات في مختلف المجالات، أنشِئت في عهد ديغول وبامبيدو. لقد كان يستمد قوته من هشاشة أحاسيسه ومشاعره المرهفة، تماما كما يفعل ممثل مقتدر.

وهي تبتسم في وجه مضيفها باتريك سيمونان بالقناة التلفزية “تي.في 5”، صرّحت مؤلفة الكتاب أنّها أرسلت نسخة منه إلى فرانسوا هولاند لعلّه يلهمه ويستخلص منه العبر.

17