كريستين لاغارد فرنسية أنيقة تجلس على صندوق النقد الدولي المفخخ

الأحد 2015/06/14
كريستين لاغارد تحكم العالم وتهدد بطرد بلدان من منطقة اليورو

ربّما كان المثل العربي “مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ” هو الأكملُ للتعبير عن ارتقاء الفرنسية كريستين لاغارد للمنصبِ الأعلى في صندوق النقد الدولي خلفاً لمواطنِها دومينيك غاستون أندريه ستراوس، الذي أُطيحَ بهِ عقِبَ فضيحةٍ أخلاقيَّةٍ حيثُ تمَّ اتِّهامَهُ بالاعتداء جنسياً على عاملةِ فندقٍ في نيويورك الأميركية في عام 2011 م.

قضيَّةُ الفسادِ الأخلاقي التي أزاحَت ستراوس، رَفَعَت لاغارد التي كانت تحمِلُ حقيبةَ وزارة الاقتصاد في الحكومةِ التي شكَّلَها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي وصَفَ تعيين لاغارد في العام 2011 بأنَّهُ انتصارٌ كبيرٌ لبلادِه.

لاغارد وحتى الخامس من يوليو 2011 لم يكن طريقُها مُعبَّداً بالورود إلى كرسيِّ رئاسةَ صندوق النقد الدولي فشبَحُ الفضيحةِ الأخلاقيَّةِ لسابِقِها الفرنسي ظلَّ يدفعُ باتِّجاهِ رفضِ القبول برئيسٍ فرنسيٍّ جديد، لكنَّ قدرتها على الظهور في صورةٍ مُغايرةٍ تماماً لسابِقِها وكونَها، في حال اختيارِها، ستكون المرأة الأولى التي ستقودُ الخزينةَ التي تُنقِذُ اقتصادات العالم من الانهيار والركود، دفعَها بغالبيَّةِ الأصوات إلى الرئاسةِ بعد دعم قصر الإليزيه.

باريسية في أميركا

وُلِدَت كريستين لاغارد مادلين أوديت في الأول من يناير عام 1956 في العاصمة الفرنسية باريس وتلقَّت تعليمَها في مدرسة لوهافر الفرنسية لتنتقِلَ بعد ذلكَ إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث أكملت دراستَها في مدرسة هولتون آرمز في بيتزدا بولاية ميرلاند لتعودَ بعد ذلكَ إلى مقاعِد جامعةِ باريس العاشرة حيثُ درسَت الحقوق ولتحصَلَ على درجة الماجستير في العلوم السياسية من مدينةِ إكس أون بروفونس الفرنسية.

خطواتُها العمليَّة الأولى بدأت في مطلع الثمانينات، بعد أن أنهَت دراسةَ الحقوق، حيثُ برزت كمحاميةٍ في مجال العمل والتنافس، لتنتقِلَ بعد ذلكَ إلى شيكاغو الأميركية حيثُ استلمت بين عامي 1999 و2004 إدارةَ مكتب بيكَر آند ماكينزي الدولي الذي يضمُّ 3500 مندوب في 35 دولة، ولتدخلَ بعدَها تشكيلةَ الحكومة الفرنسية لأوَّلِ مرَّة عام 2005 بمنصبِ وزيرةِ التجارة الخارجية.

تولت لاغارد بعد ذلك حقيبة الزراعة والثروة السمكيَّة، وبعد عامين أصبحت أوَّل سيِّدةٍ تعتلي وزارةَ المالية والاقتصاد في فرنسا، ليكون العام 2008 عاماً حاسماً في مسيرة لاغارد في الانتقال إلى العمل الأوروبي المشترك، حيثُ ترأَّست مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية التابع للاتحاد الأوروبي والذي يضمُّ وزراءَ الاقتصاد والمالية في الاتحاد الأوربي.

مسيرة لاغارد في الحكومة لفرنسية تتطابق، لفظيا، مع فلسفة ساركوزي الذي كان قد دعا إلى أنسنة الرأسمالية بينما على أرض الواقع كانت تتجه نحو سياسات أكثر تشددا استمرت عليها ولم تتراجع عن حزمها في مراحلها اللاحقة

الأكثر نفوذا في العالم

المرأةُ التي صنَّفَتها صحيفةُ الفاينانشال تايمز كأفضَلِ وزيرةٍ للماليَّة في منطقة اليورو، هي ذاتُها التي احتلَّت المرتبة السابعةَ عشرَة في قائمةِ النساء الأكثر نفوذاً في العالم بحسب مجلَّةِ فوربس، لم يكن صعباً عليها إزالةُ كلِّ العقبات الخارجية التي حذَّرَت من رئاستِها للصندوق.

وبنظرةٍ من الداخل نتذكَّرُ أنَّ القائمين على صندوق النقد الدولي اعتمدوا على ليبراليَّة لاغارد وتاريخِها وخبرتِها الطويلة في إدارةِ الأزمات حيثُ جذورُها المعرفية والعلمية تمتدُّ إلى صلبِ النظام المالي العالمي، بينما رأى آخرون أنَّهُ لا يُمكِنها النجاحُ بإدارةِ صندوق النقد نظراً لقدومِها من خلفيَّةٍ بنكيَّةٍ تسبَّبَت بشكلٍ أو بآخر بتفجُّر الأزمة المالية العالمية التي عصفَت باقتصادات العالم عام 2008، وفي استعراض سيرتِها العملية تذكُرُ وسائلُ الإعلام تصريحاتِها الاستفزازية، التي تراجعَت في حدَّتِها منذ عام 2011، حيثُ علَّقَت على حركات الاحتجاج ضدَّ الارتفاع الكبير في أسعار الوقود في فرنسا بدَعوَتِها للمعترضينَ إلى استخدامِ الدراجات الهوائية.

مسيرةُ لاغارد في الحكومة لفرنسية كانت تتطابقُ، لفظيَّاً، مع سياسة ساركوزي الذي دعا إلى أنسنة الرأسمالية بينما على أرض الواقعِ كانت تتَّجِهُ نحو سياساتٍ أكثر تشدّداً استمرت عليها ولم تتراجَع عن حزمِها في مراحلِها اللاحقة.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية أنشئَ صندوق النقد الدولي بموجِبِ معاهدةٍ دوليَّةٍ عام 1945 للعمل على تعزيز سلامةِ الاقتصاد العالمي، كما وردَ في تعريفاتِ الإعلانِ عنهُ في ظل السعيِ لبناءِ نظامٍ اقتصاديٍّ دولي جديد أكثر استقراراً لتحقيق النمو الاقتصادي بعد الحرب، فإذا كانت الحرب وجولاتُها مدمِّرة للإنسان والأرض، فهل استطاعَ صندوق النقد الدولي إعادةَ ترميم الحياةِ المعطوبةِ أصلاً في ظلِّ الحرب وما بعدَها؟

هذا السؤال نجدُ صداهُ في إعلانات المؤسَّسةِ الدوليَّةِ التي تستهدِفُ منعَ وقوعِ الأزمات في العالم، عن طريقِ تشجيعِ البلدان المختلفة لاعتماد سياساتٍ اقتصاديَّةٍ سليمة، من خلال تحقيق النمو المتوازن في التجارة الدوليَّة، وإذا أخذنا في الاعتبار عضويَّة أكثر من مائةٍ وثمانٍ وثمانينَ دولةٍ تحتَ مظلَّةِ الصندوق الذي ترأسهُ كريستين لاغارد، لا بدَّ أن نتساءَلَ عن سببِ الأزمات المالية التي تعصِفُ أو التي تهدِّدُ باستمرار اقتصادات العالم في ظلِّ الشعارات البرَّاقةِ التي يُطلِقُها الصندوق؟

رئيسة صندوق النقد الدولي تعتبر أن التحولات التي تشهدها دول الربيع العربي ستكون الأصعب والأطول في العالم، مع توقعاتها بأن يكون إجمالي النمو العالمي للعام 2015 في حدود 3.5 بالمئة، مطلقة تحذيراتها على اعتبار أن تلك النسبة غير مرضية

أجابَ عن هذ السؤالُ مؤلِّفُ كتاب “قاتل اقتصادي” الأميركي جون بيركنز، الذي كشَفَ اللثامَ عن الدور الذي تلعبهُ البنوك والشركات العالمية لسرقةِ دول العالم الثالث وإغراقِها بالديون ومن ثمَّة وضعِها تحت إشراف البنك الدولي والصندوق الدولي بينما تسرِقُ الشركات متعدِّدةُ الجنسيات مواردَ تلك الدول تحت ذريعةِ التنمية والمساعدة بعد العجز في سداد وجدولةِ الديون التي تمَّ توريطُ تلكَ الدُوَل بها.

رئيسة صندوق النقد الدولي تعتبرُ أنَّ التحوُّلات التي تشهدها دول الربيع العربي ستكون الأصعب والأطول في العالم، مع توقُّعاتِها بأن يكون إجمالي النمو العالمي للعام 2015 في حدود 3.5 بالمئة، مُطلِقَةً تحذيراتِها على اعتبار أنَّ تلك النسبة غير مُرضِية.

فالمخاطرُ المتعلِّقة بالاقتصاد قد تضاءَلَت كما تراها رئيسةُ صندوق النقد الدولي، لكنَّها داهمةٌ مُحدِقةٌ إن لم يتمَّ التنبُّه إليها، وهنا تبرُزُ فلسفةُ المؤسَّسةِ الدوليَّةِ التي تقومُ على مفهوم “النمو الممكن” تحقيقهُ لتحديد ما يُمكِن أن يكون عليهِ إن استُخدِمَت عواملُ الإنتاج بشكلٍ كامل.

ربَّما تكون الأزمة الاقتصادية في اليونان، أبرز الملفَّات التي تواجِهُ القارَّة العجوز، حيث برزَت مواقفُ لاغارد التي لم تستبعِد خروج اليونان من دائرة العملة الأوروبيَّةِ الموحَّدة بسبب أزمتِها الماليَّة الطاحنة، مع إقرارِها أنَّ الدفعَ باتِّجاه هذه الخطوة لن يكون سهلاً في ظلِّ عدم القدرة على التوصُّل لاتفاق شامل بعد ربطِ الصندوق الدولي تقديم التمويل بالإصلاحات الاقتصادية المطلوبةِ من أثينا.

هذه الإصلاحات التي طالبَت بها لاغارد، كانت سبباً في تلقِّيها تهديدات بالقتل حسبَ إبلاغِها وزيرَ العدلِ اليوناني هارالامبوس أثاناسيوس، تلكَ الإصلاحاتُ التي تربِطُ تقديمَ الدفعةِ الجديدة من تمويل الإنقاذ بضرورةِ دفعِ أثرياء اليونان الضرائب المستحقَّة عليهِم، ربَّما كشفَت الأزمة المالية في اليونان عن آليَّةِ تفكير لاغارد التي تعتمدُ التفكير الرياضيَّ الذي يقوم على مُعطَياتٍ واضحةٍ تؤدِّي إلى نتائجَ مدروسة مُسبَقاً.

بكثيرٍ من التفاصيل تتعامل لاغارد مع طلبات المساعدة التي يتمُّ تقديمُها لصندوق النقد الدولي من جانب البلدان التي تمتلكُ خطَّةً واضحةً لإدارةِ الأوضاعِ الماليَّةِ في ظلِّ حالةٍ من العجز السياسي، إن صحَّ الوصفُ، وهنا تلجأ رئيسةُ المؤسسة الدوليَّةِ إلى خياراتٍ أكثر دقَّةً تأخُذُ من خلالَها مصلحة الصندوق أولاً وآخراً.

خطواتها العملية الأولى تبدأ في مطلع الثمانينات، بعد دراستها للحقوق، لتبرز كمحامية في مجال العمل والتنافس، وتنتقل بعد ذلك إلى شيكاغو الأميركية بين عامي 1999 و2004 مديرة لمكتب بيكر آند ماكينزي الدولي الذي يضم 3500 مندوب في 35 دولة

وأمامَ تلك التحدِّيات التي تواجِهُ غالبيَّةَ دول العالم فإنَّ النمو المدروس وفُرَص العمل يبقى الهدف المشروع لكل بوادر دورة كسادٍ مالي، وهذا ما يحتاجُ وقتاً في منطقة اليورو حسَبَما تعتقدُ لاغارد، التي تعزو ذلكَ إلى مزيجٍ من إعادة الرسملة التدريجيَّة والبطيئة نسبيَّاً كما تصفُها في ظلِّ التضخُّم المنخفِض الذي يؤثِّر بالتالي على إمكانيات النمو وبالتالي على مستوى الثقة.

لاغارد في المحاكم

واجَهَت كريستين لاغارد اتِّهاماتٍ من القضاء الفرنسي الذي أحالَها إلى التحقيق كمتَّهَمة في بادئ الأمر، ثم تحوَّلَت إلى شاهدة بعد إسقاطِ التهم عنها في قضيَّةٍ تعودُ إلى فترة تولِّيها حقيبة وزارة الاقتصاد العام 2008 بين رجلِ الأعمال والوزير السابق المقرَّب من ساركوزي برنار تابي من جهة وبين مصرف لوكريدي ليوني، ذلك الخلاف الذي حصل فيه تابي على مبلغ 400 مليون يورو كتعويض في إطار خلافِهِ مع البنك حول شركةِ أديداس التي يمتلكها.

بعد دخول هذه القضية مجدَّداً عالم الأضواء، انتشرت إشاعاتٌ ما لبثَت لاغارد أن فنَّدَتها حول نيَّتِها التخلِّي عن منصبِها الأممي، بعد مثولِها أمام التحقيق، هذه القضيةُ لم تؤثِّر على حضور رئيسة صندوق النقد الدولي عالمياً فقد تمَّ الحديثُ عن ترشيحها لرئاسة المفوضيَّة الأوروبيَّة إلا أنَّها عادت ونفَت كل هذه الأقاويل بأنَّ لا نيَّةَ لها لخوضِ غمار هذه التجربة مردِّدَةً مقولتها الشهيرة “أنا لستُ مرشَّحة، والسبب في عدمِ ترشُّحي هو أنِّي أملكُ وظيفةً، وأعتزمُ إكمالَ مهمَّتي، وكما يقولُ ابني الأصغر، أمِّي عندما تبدئين شيئاً ما عليكِ أن تنتهي منه”.

8