كريمة مختار.. زهرة الياسمين

الاثنين 2017/01/16

أمتص دموعي، أبتلعها، ساخنة دافئة، متدفقة، تسيل بلا توقف تبلل وجنتي وخصلات من شعري. أتذوق الصمت طائعة متلذذة بطعمه، فلا أريد التحدث مع أحد، حين سماعي بخبر وفاة “أم الفنانين” كريمة مختار، أشهر وأدفأ وأحن من قامت بتمثيل دور الأم على الشاشة. وفي الحقيقة، أم جميلة، رائعة، راقية تسقي الجميع من نهر أمومتها بلا تذمّر أو ضجر. “ماما كريمة” أو “ماما نونا” هذا اللقب الذي اشتهرت به والتصق بها بعد مسلسلها الرمضاني الشهير “يتربى في عزو” مع الفنان الرائع يحيى الفخراني.

عطيات محمد البدري، طفلة مملوءة بالطيبة والحنان، تعشق الحياة، تحب التمثيل لذا اتجهت للمشاركة في برنامج الأطفال الإذاعي “بابا شارو”. أحبت السينما بجنون ولكن خشية أسرتها “المحافظة” عليها منعتها من إطلاق ساقيها للريح، فكبحت جماح شوقها لسحر السينما وواصلت مشوارها الفني في الإذاعة، وأصبحت من أشهر الأصوات الإذاعية المميزة جدا عبر أثير الإذاعة. مثلت الأعمال الدرامية ببراعة. جعلت السينما تعرض عليها العمل ولكن الرفض الأسري لا يزال كما هو، وفي العام 1958 تزوجت من المخرج الكبير نور الدمرداش وكانت بدايتها في فيلم “ثمن الحرية” ثم توالت أدوارها المميزة في أفلام “ومضى قطار العمر” الذي نالت عن دورها فيه جائزة النقاد، “المستحيل”، “نحن لا نزرع الشوك”، “أميرة حبي أنا”، “أنقذوا هذه العائلة”، “الظريف والشهم والطماع”، “الحفيد”، “بالوالدين إحسانا”، “رجل فقد عقله”، “الشيطان يعظ”، “إعدام طالب ثانوي”، “وتمضي الأيام”، “الليلة الموعودة”، “يا رب ولد”، “سعد اليتيم”، “امرأة مطلقة”، “اليتيم والذئب”، “مهمة صعبة”، “الفرح”، و”ساعة ونص”. والعديد من المسلسلات أهمها “الليلة الموعودة”، “أدهم وزينات و3 بنات”، “نقطة نظام”، “برديس”، “الضباب”، “القاهرة والناس”، “ذكريات بعيدة”، “أشجان”، “ألف ليلة وليلة”، “فيه حاجة غلط”، “البخيل وأنا”، “الحارة”، “الفرسان”، “الحاوي”، “مسيو مبروك أبوالعلمين حمودة”، “زهرة وأزواجها الخمسة”، “أصيلة”، “يتربى في عزو”، “كيد حموات”، و”دلع بنات”.

طوال مشوارها الفني قدمت دور الأم ببراعة تتسق مع واقعها وطيبة قلبها خلف الكاميرا، هي ذاتها حالها أمامها. وأنت تشاهد كريمة مختار، الممثلة القديرة في دور الأم، لا بد أن تحرك فيك شيئا مختلفا، لا بد أن تتذكر موقفا ما مر عليك مع أمك أو جدتك. حنان قلبها الفياض يعكس مشاعر أم تتدفق على الجميع فتغرق الكل في الحب والحنان والرعاية، تعطي من الاهتمام لمن يعرفها أو يسعده الحظ ليقع في محيطها الأسري الفني والمجتمعي، ما يجعله يشعر بأمومتها حقا.

أرى كريمة مختار كزهرة الياسمين في عطرها الفواح وجمالها البسيط، الياسمين خاصة، تلك الزهرة التي لا تخونها الفصول ويظل لونها كما هو دائم الاخضرار والتورد، ملكة الزهور.

كان المخرج الراحل نور الدمرداش زوجها يقول عنها “كريمة هي الحياة”، لم تقدم ما تخجل منه طوال مسيرتها الفنية، بل كانت مثالا للالتزام والخلق الرفيع، مهذبة حق التهذيب.

كانت أول الحضور للأستوديو أثناء تصوير مسلسل “البخيل وأنا” لتترك رسالة للجميع بأنها في انتظارهم لمراجعة الدور، خاصة مع شقاوة الفنان الراحل وائل نور الذي كان يردد دائما “معك لا أحتاج لإعادة التصوير”، أما الراحل فريد شوقي “ملك الترسو” فكان لا يذكر اسمها إلا مسبوقا بكلمة الست، فأصبح “الست كريمة” هو لقبها، وتشكل مع شوقي ثنائيا رائعا.

وأكثر ما يقلقها هو متابعة الإكسسوارات والملابس، فلا تمل من تكرار أن ملابس الشخصية أهم من الحوار، فهي أول ما يخطف عين المشاهد ويدخله إلى عمق الشخصية.

كريمة مختار هي ما لخصه سعيد صالح في مسرحية “العيال كبرت”، أم جميلة.

رحلت في شهر ميلادها وتحديدا قبل تاريخ مولدها بأربعة أيام فقط، وتركت فراغا كبيرا لن تملأه الذكرى وحدها. وداعا ماما كريمة مختار، وداعا زهرة الياسمين.

كاتبة من مصر

21