كريم طرايدية يقتحم المحظور في"وقائع قريتي"

كان الفيلم الجزائري "وقائع قريتي" للمخرج كريم طرايدية، الفيلم العربي الثاني، بعد فيلم الافتتاح المصري “يوم للستات” الذي عرض في المسابقة الرسمية للدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
الجمعة 2017/01/13
لحرب التحرير وجه آخر خفي ومخيف

ربما باستثناء فيلم “الوهراني” لإلياس سالم، يصنع مخرج جزائري فيلما من الإنتاج الجزائري، ساهمت فيه مؤسسات تنتمي إلى الدولة أو مدعومة من الدولة، ضمن الاحتفالية الرسمية بمناسبة مرور خمسين عاما على انتصار الثورة الجزائرية، لكي يتجرأ ويقتحم المحظورات التقليدية، فهو يبتعد عن طابع “الاحتفال” مفضلا أسلوب النقد والإخلاص لرؤيته الذاتية، مبتعدا عن الطابع الدعائي التقليدي الذي أفسد عشرات الأفلام الجزائرية التي ظهرت عن “الثورة” و”حرب الاستقلال”.

“وقائع قريتي” للمخرج الجزائري كريم طرايدية الذي يقيم ويعمل في هولندا، في نطاق السينما الهولندية، هو الفيلم الروائي الطويل الخامس لمخرجه إلى جانب فيلمين للتلفزيون وفيلم قصير ومسلسلين للتلفزيون الهولندي.

درس طرايدية علم الاجتماع في باريس، ثم انتقل إلى هولندا عام 1979، حيث التحق بأكاديمية الفنون ودرس السينما، وإضافة إلى الإخراج فطرايدية أيضا ممثل شارك بالتمثيل في خمسة أعمال تلفزيونية.

وبعد أن أخرج فيلما قصيرا هو “احتضار” (1993) أخرج فيلمه الروائي الطويل الأول “العروس البولندية” (1998) الذي رشح لجوائز الكرة الذهبية “غولدن غلوب”، وفيه يروي قصة تدور حول فتاة بولندية نجحت في التسلل إلى هولندا كلاجئة، لكنها وجدت نفسها مطاردة من قبل عصبة من القوادين الذين يعملون في تجارة الرقيق الأبيض يريدون إرغامها على العمل في الدعارة، لكنها تهرب إلى قرية في الريف، حيث تلتقي بمزارع هولندي قليل الكلام، متحفظ، وهناك تنمو بينهما بالتدريج علاقة عاطفية.

وفي فيلمه التالي “الناطقون بالحقيقة” (2000) عاد طرايدية مجددا ليلمس موضوع اللجوء والهجرة إلى الغرب من خلال شخصية صحافي جزائري (يقوم بدوره الممثل سيد علي أغومي)، سببت له آراؤه السياسية التي تنتقد السلطة القمعية في الجزائر الكثير من المتاعب وجعلته مستهدفا من أجهزة الأمن، فانتهز فرصة وجوده في هولندا وطلب اللجوء السياسي، ولكنه لن يستطيع أن يهرب من مصيره.

الجزائر في الفيلم، جزائر مضطربة، صورتها مشوشة، تختلط فيها الأشياء، لا فرق فيها بين الأبيض والأسود

أما “وقائع قريتي” فيتضح من البداية أنه ينتمي إلى سينما “السيرة الذاتية”، وفيه يستمد طرايدية الكثير من ذكرياته الخاصة، من طفولته في زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر، ويروي عن أسرته، عن أمه ووالده وجدته العجوز، عن زملائه في المدرسة وكيف كانوا ينظرون إليه ويتعاملون معه كونه كان يختلف كثيرا عنهم، عن علاقة الصداقة التي نشأت بينه وبين ضابط شاب في الجيش الفرنسي، كان يبدي شعورا إنسانيا نحوه بالحب والفهم والحنان الذي ربما كان يمثل له في البداية تعويضا نفسيا عن غياب الأب، أما الأب فكان قد ذهب إلى الجبال، حيث التحق بصفوف جيش التحرير الجزائري.

من الذاكرة الشخصية

يستعيد طرايدية الكثير من الأحداث والمواقف والوقائع، ينسجها معا، ليس في سياق درامي تقليدي ينشد الحبكة ثم بلوغ الذروة، بل من خلال سرد أفقي، تتجاور فيه الأحداث، وتتباين الشخصيات، وتتقاطع مصائرها، كلها تنبع من وعي البطل الصغير “بشير”، المعادل السينمائي لكريم طرايدية نفسه.

إنه يتذكر سنين الفاقة والفقر والحاجة التي كانت تعانيها أسرته.. كيف كان خاله يرقد مريضا، وكيف كانت أمه تجهد نفسها في رعايته مع أخواته الأربعة ومنهم اثنان مصابان بشلل الأطفال، وكان هو من ناحيته يشفق عليها ويساعدها بأن يجلب لها الملابس المتسخة من صديقه الفرنسي (وزملائه أيضا فيما بعد)، لكي تغسلها وتكويها مع الجدة التي كانت تستنكف كثيرا تردده على المعسكر الفرنسي القريب، لكنها كانت ترحب في الوقت نفسه، بما يأتيها به من مال.

يتذكر طرايدية (أو بشير) أنه كان يطرح تساؤلات جريئة في طفولته، عن الله، ويتلقى الكثير من العقاب والتوبيخ بسبب تجرئه على خدش الموروث حسب ما يرى المحيطون به، وكيف كان خاله العليل هو الأكثر تفهما له وقربا منه.

الجزائر في فيلم “وقائع قريتي”، هي جزائر مضطربة، صورتها مشوشة، تختلط فيها الأشياء، ليس من الممكن التفرقة بين الأبيض من الأسود، والشخصيات لا تتمحور بين الخير والشر، القسوة والرقة، بل هي مزيج من الاثنين.

والأهم أن الفيلم يصور، ربما للمرة الأولى، الأب-المناضل في صفوف جيش التحرير، ليس في صورة إيجابية كما هو معتاد، بل في صورة تشي في البداية على الأقل، بالسلبية، فهو يتخلى عن أسرته الفقيرة، ويغيب وينقطع عنها، لا يقدم لها شيئا، مما يجعل بشير يتمنى لو استشهد والده في إحدى العمليات العسكرية، فقط لكي يمكنه أن يفخر بأنه قد أصبح “ابن الشهيد” أو “ابن المجاهد”.

وعندما يعود الأب في زيارة للأسرة، يبدو سلبيا، غير متعاطف كثيرا مع زوجته، بل إنه يتسبب أيضا في كارثة بعد أن يكتشف الفرنسيون وجوده في منزل الأسرة، ويقبضون عليه، لكنه يفلت من مصيره المحتم بعد أن يتدخل جاره “الحركي” المتعاون مع الفرنسيين، فيوظفه الفرنسيون في العمل بمطبخ المعسكر الفرنسي، مما يصيب بشير الصغير بالإحباط.

تناقضات ما بعد الاستقلال

يدفع بشير ثمن علاقته البريئة بالضابط الفرنسي “فرنسوا”، ضربا وإهانة وتنكيلا من جانب أقرانه بالمدرسة الابتدائية، ومن جانب جدته العنيفة التي لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلبها، بل إنها تطلب منه ذات مرة، ألا يخبر أحدا بأنه شاهدها تبكي، فهي لا ترغب في الظهور بمظهر الضعف أمام الآخرين. لكنها في الوقت نفسه تتصدى للجنود الفرنسيين بشجاعة نادرة.

يدفع الضابط الفرنسي الشاب ثمن علاقته بالطفل الجزائري الذي سرق مسدسه الشخصي، فينقلونه إلى فرنسا، وتساهم تداعيات الأحداث في نمو وعي بشير، فعندما يتلقى رسالة من صديقه الفرنسي تحمل صورة لهما معا، يتطلع إليها ثم ينتزع الجزء الذي يظهر الضابط الفرنسي ويلقي به في مياه البحر، ثم يدس الجزء الخاص به من الصورة في جيبه.

يتميز الفيلم بإيقاعه الهادئ المنساب، وموسيقاه الناعمة التي تعكس أجواء استدعاء الماضي، والكاميرا التي تتحرك في نعومة، تتابع من وجهة نظر بشير في معظم الأحيان، لا يخلو الفيلم من المبالغات الكاريكاتورية كما في مشهد تساؤل بشير عن الله وتكرار السؤال مرات عديدة، وفي كل مرة يكون رد فعل الشخص المستمع إليه داخل العائلة متطابقا، وقد تكرر الموقف بطريقة جعلت الفكرة تبدو مثل “نكتة” متكررة مما أفقد المشهد حرارته وصدقه.

مبالغات كاريكاتورية

تفقد المبالغة مشهدا آخر نرى فيه بشير يتضور جوعا ويتطلع إلى الرجل الذي يقوم بإعداد الكباب المشوي بنهم، فيدعوه خاله المفلس لتناول الكباب على الرائحة فقط، فهو يناوله قطعة من الخبز، ويريه كيف يعرضها لرائحة الشواء إلى أن تتشبع ثم يغمض عينيه ويتناولها ليشعر بطعم الكباب دون كباب!

ينهي طرايدية فيلمه بمشهد كاريكاتوري ساخر، عندما يجعل حشدا من الناس الذين يتجمعون بعد رحيل الفرنسيين ودخول قوات جيش التحرير إلى القرية يهتفون أولا للزعيم الجزائري أحمد بن بلّة، لكن قائد القوة يوقفهم ويقول لهم إنه ليس معروفا بعد من الذي سيتولى القيادة، فيعود المحتشدون ليهتفوا بحياة هواري بومدين.. فيوقفهم الضابط مجددا قائلا إن هذا أيضا ليس معروفا، فيهتفون بحياة جبهة التحرير، فيوقفهم مرة أخرى ليقول إننا لا نعرف ماذا سيكون اتجاهنا.

وأخيرا يطلب منهم أن يهتفوا بحياة الجزائر فيرددون الهتافات بطريقة تظهر الحشد الشعبي من الأولاد والنساء والقرويين كأقرب ما يكون إلى قطيع جاهل، يخضع لما يقال له.

إنها حيرة جيل كريم طرايدية الذي ستدفعه تناقضات ما بعد الاستقلال، لأن ينشد التعليم والعيش والعمل في المهجر.

يشتري بشير نسختين صغيرتين من العلم الجديد للجزائر، يقول البائع له إن اللون الأخضر هو رمز الجنة، والأحمر رمز الشهداء، أما الأبيض فلا يعرف. وسرعان ما يفقد بشير العلمين بعد أن يسرقهما من جيبه الطفل البدين الذي لم يكن يحبه، هذه الرموز كثيرة في الفيلم، وهي توحي بإشارات معينة تشي بالتشوش وغياب اليقين، بل والتشكك أيضا.

اختلاط الواقع بالخيال يؤكد على تشوش الصورة في ذهن بشير الصغير في تلك المرحلة، ولعل هذا هو ما يبرر أسلوب المخرج الذي لجأ إلى أسلوب قريب من الواقعية السحرية

من الشخصيات الرئيسية في الفيلم شخصية “تشتشا” صديق بشير، وهو رجل جزائري من بسطاء القرويين، يؤمن بكل ما يقال له، كل حلمه أن يحصل على دجاجة وديك يقوم بتربيتهما لكي يصبح لديه ذرية من الدجاج يأكل بعضه مع أسرته الفقيرة، ويبيع الباقي لكي يحصل على ما يستره وأسرته، وهو يجد نفسه مضطرا إلى التضحية بالديك الوحيد الذي حصل عليه عن طريق “معجزة” ما، فيقدمه هدية لمقاتلي جيش التحرير، ويعده قائد الفصيلة العسكرية الجزائرية بمنحه بيتا وبقرة بعد الاستقلال.

ووسط الاحتفالات بالاستقلال ينضم الرجل إلى الحشد الذي يهتف بحياة الجزائر، ويظل يطالب الضابط بالوفاء بوعده، ولكن دون جدوى فصوته يضيع وسط أصوات المحتفلين الذين يرددون الهتافات، لا شيء سيتحقق للفقراء.. هذا ما يدركه بشير.

إنها رؤية رمزية تشبه من زاوية ما، ما قدمه إلياس سالم في “الوهراني” الذي كان يقول بوضوح إن الثورة أكلت أبناءها، وأن الشعب لم يحصد ثمن الاستقلال كما كان ينبغي، وأن الدكتاتورية لا تفيد.

وقد وفق طرايدية في اختيار مواقع التصوير الخارجي بالأماكن الطبيعية، كما وفق إلى حد كبير في اختيار وإدارة الممثلين، وقد برع منهم بوجه خاص الطفل مالك بخوش الذي جاء أداؤه طبيعيا بدرجة مدهشة، والممثلة التونسية المخضرمة فاطمة بن سعيدان، التي أدت دور الجدة بصورة مقنعة كثيرا، ومحمد طار الزاوي في دور “تشتشا”.

إن اختلاط الواقع بالخيال يؤكد على تشوش الصورة في ذهن بشير الصغير في تلك المرحلة، ولعل هذا هو ما يبرر أسلوب المخرج الذي لجأ إلى أسلوب قريب من الواقعية السحرية، ولكن مساحة الواقع طغت على حجم الخيال.

16