"كسارة البندق" تعيد الجمهور المصري لفن الباليه

على مرّ العصور والأحداث السياسية الصاخبة، كان الإبداع رسالة سلام وتقارب رئيسية بين الشعوب، ويعدّ باليه “كسارة البندق” مثالا واضحا على حجم التأثير والتفاعل، ومع أن الحكاية مضت عليها سنوات طويلة وظهرت في خضم توترات، إلاّ أنها لا تزال تسعى إلى التقريب بين الشعوب، وتحظى باهتمام الجمهور.
الجمعة 2015/05/01
عرض يجتمع فيه الرقص بالموسيقى والملابس والمؤثرات البصرية

مسرح دار الأوبرا المصرية، استضاف مؤخرا وعلى مدار أربع ليال، التحفة الفنية الروسية “كسارة البندق” وسط حضور جماهيري مصري وغربي كبير، إذ كانوا ينتظرون هذا الحدث بشوق. ولأن الفن انعكاس لنبض السياسة غالبا، فقد جاء عرض باليه “كسارة البندق”، بعد زيارة قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة في فبراير الماضي، بدأها بدار الأوبرا.

لذلك حملت فرقة “موسكو على الجليد” مسؤولية تقديم عرض مميز، في ظل ما بدا أثناء الزيارة من اهتمام بالجانب الثقافي الذي حمله بوتين، وقيامه بجولة ثقافية فنية، في إشارة واضحة إلى العالم أن محاربة الإرهاب والقوى الظلامية لا بدّ أن تأخذ في اعتبارها الفكر التنويري.

لم تمنع المساحة المحدودة للمسرح فرقة “موسكو على الجليد” من الإبداع أمام الجمهور، خصوصا وأن التزلج يحتاج دائما إلى مساحات كبيرة لتسهيل حركة اللاعبين، ونجحت الفرقة في أن تبهر الجمهور بتقديم عرض يجمع بين فنون متنوعة.

فقد جرى المزج بين الحركات الأكروباتية الجذابة، والباليه الكلاسيكي مع التزلج على الجليد، في تمرد واضح على النمط التقليدي الذي تقدم به في أغلب العروض، ولا سيما ما يحمل بين طياته تراثا فنيا وحضاريا.

“كسارة البندق” أحد أهم وأشهر أنواع الباليهات العالمية، التي قدمت في العديد من المسارح العربية والدولية، وفي كل مكان عرضت فيه كانت تحظى بالتصفيق، لأن الرؤية الفنية التي تقدم بها تجمع بين مجموعة من العناصر المكملة للصورة، كالرقص والموسيقي والملابس وغيرها.

عرض فرقة موسكو على الجليد سيكون بداية لمرحلة جديدة من التواصل الثقافي والفني بين مصر وروسيا

ومع ذلك فجرعة الدراما المقدمة في الأحداث تحمل من وجهة نظر آخرين تلميحات سياسية، وجاءت كنتيجة طبيعية للتطورات التي عاشها صناعها على أرض الواقع. فالدمية “كسارة البندق” تتحول خلال أحداث العرض، إلى جندي يحارب جيش الفئران الذي يهاجم “كلارا” صاحبة الدمية، ويأتي هذا في إطار ما شهدته الدول الأوروبية من اضطراب في الأوضاع السياسية والعلاقات البينية، خاصة أن العرض تم تقديمه عام 1892، وهي الفترة التي شهدت صراعا بين ألمانيا وروسيا وفرنسا، ومهد لاندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.

اضطراب الأوضاع السياسية في ذلك الوقت، لم يمنع صناع “كسارة البندق” من تكوين تحالف خاص بهم، وإن كان غير مقصود، فالمؤلف الذي وضع هذه الأسطورة المتداولة على مرّ العصور، وهو الألماني أرنست هوفمان، جمعت كل أعماله بين الفانتازيا والرومانسية.

وكانت حكاية “كسارة البندق وملك الفئران” مثارا لجذب الموسيقار الروسي الكبير تشايكوفسكي لتلحين هذا العمل، بمشاركة مصمم الباليه الفرنسي الشهير فيكتور ماريوس ألفونس بتيبا.

وقد نجحت الفرقة خلال عرضها بالقاهرة أخيرا في جذب قطاع كبير من الجمهور، وكان الأمر مثيرا للدهشة مع تقديم بعض الفقرات الأكروباتية الخطيرة، وهو الموروث القديم المحبب لدى كثيرين من فئات المجتمع المصري، خاصة مع تراجع فكرة الذهاب للسيرك، وما كان يحمله من ألعاب تتسم بالخفة والحركة، ورقص “الهيلاهوب” وغيرها، وقدم العرض مزيجا من كل هذه الأشياء، فاستحق اهتمام الجمهور.

الفرقة نجحت خلال عرضها بالقاهرة أخيرا في جذب قطاع كبير من الجمهور، وكان الأمر مثيرا للدهشة مع تقديم بعض الفقرات الأكروباتية الخطيرة

وحسب رأي الكثير من النقاد فإن العرض الذي قدمته فرقة “موسكو على الجليد” سيكون بداية لمرحلة جديدة من التواصل الثقافي والفني بين مصر وروسيا، مع تطور العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، وربما يتحول إلى نقطة انطلاق لتوسيع مجالات التعاون الفني والثقافي.

الحضور الجماهيري اللافت الذي جمع بين فئات عربية وأجنبية، أكد أن الحكومة المصرية عازمة على احتضان الفنون والثقافات المختلفة، كما أن تقبل المواطنين لجرعات متباينة من الفكر التنويري عزّز الفرص أمام متابعي فن الباليه في مصر، وعدم اقتصاره على النخبة.

وظهرت تجليات الاهتمام الواضح بهذه النوعية الدقيقة من الفنون، في كثير من المناقشات والهمسات الجانبية بين الجمهور عقب انتهاء العرض، والتي رصدتها “العرب” عن كثب، ولاحظت عمق الحوارات حول العرض، وتطرقها إلى تفاصيل دقيقة حول الانطباعات والاستنتاجات التي خرج بها كل متفرج.

على جانب آخر، عكس عرض “كسارة البندق” الرؤى الحضارية التي تحملها إيناس عبدالدائم رئيسة دار الأوبرا المصرية، والتي تجمع بين تمديد أطر التعاون مع التواصل بين الدول الصديقة لمصر، ومحاولة جذب ثقافات متنوعة، في أوقات تسمح بفرصة أكبر للمشاهدة مع الاحتفال بأعياد الربيع التي تعيشها مصر حاليا.

17