كسالى العقول ينهشون الأفكار

الجمعة 2017/10/13

لا شيء يثير الحنق أكثر من أن تجد كتاباتك التي تحتوي عصارة أفكارك، وأخذت حيزا من وقتك واهتماماتك وبذلت جهدا ذهنيا وجسديا في صياغتها، منسوخة حرفيا من قبل بعض المواقع الإلكترونية من دون ذكر مصدرها، بل والأسوأ من هذا كله مدون عليها اسم غير اسمك.

أعرف أنني لست الضحية الوحيدة للصوص البارعين في نهش أفكار غيرهم، فالظاهرة شائعة جدا، وتحصل يوميا وبشكل متكرر لي ولغيري.

وفي عالم اليوم الذي أصبح فيه تحقيق مكاسب بوسائل لا أخلاقية أمرا مألوفا ومستساغا وحتى مبررا، ليس من المستغرب أن نجد مثل هؤلاء الأشخاص الانتهازيين الذين يحاولون الوصول إلى المجد على أكتاف غيرهم، ولا يتورعون عن اللجوء إلى الطرق المخادعة والأساليب الملتوية من أجل الظهور والتميز، ولكنهم في الحقيقة لا يسيئون إلا لأنفسهم، فالمستور اليوم قد يفضحه وضح الإنترنت غدا.

يقول الكاتب الألماني رولاند كوخ “كل ما أقرأه يدخل في يوم ما في ما أكتبه أيضا. ولكن أن يجلس كاتب وينسخ صفحات بأكملها حرفا حرفا، فهذا بالطبع شيء سخيف ومخجل”‏.

“أيها الخجل أين حمرتك!”، قالها من قبل شكسبير ومضى، ولكن لا يبدو أن من يسطون على مجهودات غيرهم الفكرية ويحاولون التربح بها لديهم ذرة من الحياء، فحجم الفساد والسلوكيات اللا أخلاقية التي كشفت عنها فضائح الاستيلاء على الممتلكات الفكرية في العالم، يؤكد أن عدم النزاهة والغش أصبح خيارا جذابا في العديد من المجتمعات التي سيطر عليها حب الأنا ونمت فيها جينات الأنانية.

وفي العالم الافتراضي الذي سهل عمليات السطو الفكري، بات من السهل على كسالى العقول الاستحواذ على الحقوق الفكرية للغير بكبسة زر. الانتحال أو السرقة الفكرية جريمة خطيرة، وقادرة على تدمير المسار المهني لأي باحث أو كاتب أو صحافي والقضاء على سمعته طوال العمر، ولكن من المؤسف أن الكثيرين يحاولون إضفاء هالة من الإيجابية على أنفسهم بأسلوب الغش والخداع، ولا يحسبون حسابا للعواقب الوخيمة.

ليس من العيب الاقتباس المشروع ونسب القول أو المعلومة أو الفكرة إلى صاحبها، فالاعتراف بفضل أصحاب الأفكار الأصلية لا ينقص من قيمة ما نكتبه، فجميع المعارف العامة للبشر لم تأت من فراغ، بل من حقائق ومفاهيم وتجارب استخلصها واقتبسها العلماء والباحثون والكتاب والشعراء من تجارب بعضهم البعض وربطوها بمعارفهم وأفكارهم المتشابهة.

وكل ما يعرفه البشر هو نتاج لتفاعل الذاكرة البشرية الجماعية المجزأة والمترابطة في الوقت نفسه، وجراء تشابه الأجواء والمناخات وتراكم الخلفيات الفكرية والثقافية وتوارثها عبر الأجيال.

وقد بينت دراسة جديدة أن ألبرت آينشتاين وتشارلز داروين وستيف جوبز وغيرهم من المفكرين والرواد، ليسوا “عباقرة أبطالا”، وجميع الأشخاص قادرون على القيام بما قاموا به، فالابتكارات والأفكار الجديدة لا يطرحها فقط أصحاب العقول الذكية، بل تبرز بالأساس من المجتمعات والشبكات الاجتماعية التي تعمل كـ”عقول جماعية”.

وأشارت الدراسة التي أنجزتها جامعتا هارفارد الأميركية ومدرسة لندن لعلوم الاقتصاد إلى أن المجتمعات التي تتمتع بروابط أكثر قوة، حيث يستطيع الأفراد التفاعل مع أشخاص من خلفيات مختلفة، تزيد فيها احتمالات تفاعل الأفكار مع أفكار أخرى، وتظهر الابتكارات عبر تلاقح الأفكار وزيادة الفرص والتحسينات المتلاحقة، وهذه التراكمات عبر الأجيال قد أدت إلى عالم اليوم المتطور الذي نعيش فيه.

ومن هذا المنطلق، ليس المهم من أين أتيت بالفكرة، بل كيف وظفتها وطورتها لتخلق فكرتك أنت وزاوية نظرتك المختلفة، فيصبح الأهم ما صنعته منها، وفي النهاية ما سيحسب لك، ليس فقط نوعية الفكرة التي خرجت بها، بل مصداقيتك وأمانتك ستكونان أيضا في كفة الميزان.

كاتبة من تونس مقيمة في لندن

21