كسب حرب الأفكار أول سلاح لمحاربة التطرّف

الأحد 2014/10/12
الأيديولوجيا التي يعتمدها الإسلاميون تمنعهم من الحكم الرشيد

أبوظبي- ألقى عمر سيف غباش، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى روسيا، يوم 4 سبتمبر الماضي، محاضرة في مركز البحوث المتقدمة في الإدارة بمدرسة وارطن للأعمال التابعة لجامعة بنسيلفانيا الأميركية، تحدث فيها عن أسباب انتشار الأيديولوجيات المتشددة في منطقة الشرق الأوسط وسبل مكافحتها على مستوى الأفكار حتى لا تتمكن حركات مثل داعش من استمالة المتعاطفين والمقاتلين.

استهل السفير الإماراتي، محاضرته، التي نشر نسخة منها معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركية FPR، بلفت النظر إلى أنه يتحدث بوصفه مفكرا ليبراليا وبصفته الفردية وليس كموظف حكومي. كما بيّن أن الدافع الذي جعله يتكلم عن هذا الموضوع الآن بالتحديد هو صدمته – مثله مثل الكثير من الناس الآخرين- من العنف الذي أظهره داعش باسم الإسلام والعرب. لقد ذبح داعش منتقديه بمن فيهم العرب السنة في حين أنه يدّعي الدفاع عنهم واضطهد الأقليات التي يجب على كل مسلم حمايتهم، كما يدعي بتبجح الحق في حكم جميع المسلمين أينما كانوا.

ويقول عمر سيف غباش إن الجهود في الغرب منكبة على حشد ائتلاف عسكري لهزم داعش واجتثاثه من الأراضي التي يدعي السيطرة عليها، لكن ينبه بأن خطورة داعش الكبرى تتمثل في النموذج المرتسم في أذهان بعض المسلمين ومن الأجدر إيلاء الاهتمام الأكبر بهذا الجانب من قوة داعش ومحاربته. وفي هذا الصدد يقدم خمسة مقترحات لكيفية فعل ذلك تتركز على الجانب الأيديولوجي وكيفية استغلاله ضد داعش وبقية الإسلاميين بمن فيهم الإخوان المسلمون.


1 - الحالة الأخلاقية:


بالرغم من ادعاء الإسلاميين بأنهم سيجعلون المسلمين أكثر فضيلة فهم لا يفعلون ذلك إذ أن بيانهم الداعي إلى الأخلاق القسرية والمعايير الدينية المفروضة ليست فقط مخالفة للمنطق لكنها أيضا محكوم عليها بالفشل.

كما يرى عمر سيف غباش ضرورة تناول موضوع الأئمة الذين إما أنهم يساندون المتطرفين ويجيزون عنفهم، أو أنهم لا يهتمون بواجباتهم الدعوية تجاه احتياجات وأسئلة المسلمين في القرن الحادي والعشرين. كما يتوجب التركيز على أن الإسلاميين لا يجيدون الحكم وذلك لا يرجع فقط إلى قلة الخبرة بل لديهم وكذلك إلى كون الأيديولوجيا المعتمدة تمنعهم من الحكم الرشيد.

داعش تسبب قلقا أكبر من الإخوان المسلمين الذين يمثلون منظومة مغلقة تقوم على تراتبية حديثة لم توجد من قبل في التاريخ الإسلامي


2 - التسامح مقابل العنف:


داعش وبقية الحركات الإسلامية تقرأ التاريخ بطريقة خاطئة وانتقائية عندما تدّعي بأنهم الخلفاء المعاصرون للمسلمين الأوائل. ويوضح المتحدث أن داعش تسبب قلقا أكبر من الإخوان المسلمين الذين يمثلون منظومة مغلقة تقوم على تراتبية حديثة لم توجد من قبل في التاريخ الإسلامي، لكنها تتخبط في نظرتها الخاصة بها للعالم. أما داعش فهو منظومة مفتوحة تتميز بالعنف وترجع إلى العناصر الأساسية للتاريخ الإسلامي، إذ يريد تنظيم الدولة الإسلامية إعادة نشر الإسلام بالسيف في كامل المنطقة. ويقوم باستعادة الخلفاء ومعاركهم من أجل هزم “أعداء الإسلام” وهنا يكمن الخطر إذ يعتمدون على خطاب مضلل وأحادي من المؤسف أن له سوقا مزدهرة في منطقتنا بسبب الضغوط المؤسساتية التي ترفض فحص استتباعات سوء الفهم لمعتقداتنا وتاريخنا ومجتمعاتنا الحالية وكيفية تحسين طرق عيشنا.


3 - الحاجة إلى قيادة دينية جديدة:


يمتلك الخطباء الدينيون سلطة كبيرة في استمالة عقول الناس وخاصة عقول من لم يتعلم كيف يفكر لنفسه وقد لعبوا دورا مهما في تشجيع المجموعات الإسلامية العنيفة مثل داعش في سوريا. بيد أن الشيوخ المتشددين ربما يمنحون الإجازة لهذه المجموعات بسبب شعورهم بقلة الأمان، وربما هذا الشعور بدوره يرجع إلى العجز عن التعامل مع المسائل التي تطرحها الحداثة والاتصالات العصرية والعولمة.

والحلّ وفق السفير الإمارات لدى سوريا يكمن في التفكير في الهياكل والمؤسسات الإسلامية المستجيبة أكثر للحاجات الوجودية للشعوب العربية وكيف تكون هذه المؤسسات في خدمة الناس، وليس كيف يكون الناس في خدمة نظرتها للأمجاد الماضية. ويضيف أن تلك الشعوب تحتاج قيادة دينية تهتم برفاه كل فرد من أفراد المجتمع، قيادة دينية تفكر في العالم الحديث وتفهم العلوم السياسية والاقتصادية، كما تطّلع جيدا على العلوم الاجتماعية وتتكلم عدة لغات وتنظر إلى الشباب المسلم كأفراد يجب تثقيفهم والاعتناء بهم، وليسوا لقما للمدافع في مذبحة إسلامية للحداثة.

عمر سيف غباش: خطورة داعش الكبرى تتمثل في النموذج المرتسم في أذهان المسلمين


4 - الديمقراطية أو تشريك الجميع:


يرى السفير عمر سيف غباش أنه الديمقراطية هي الرد الأمثل على الإسلاميين ويخيّر التركيز على تشريك الجميع بدلا عن ذلك، ويعلل رأيه بخيبة الأمل في التغيرات الحاصلة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا في أن تكون تعبيرا عن التطلعات النبيلة للشعوب العربية للحرية والديمقراطية.

و المشكل، حسب السفير الإماراتي، يعود إلى أن الديمقراطية قد تسبب الانقسام وخاصة عندما تقترن بالإسلاموية، ويمكن أن تكون أحجية يصعب على الكثير من الناس حديثي العهد بالديمقراطية أن يفهموا أن الفوز بالانتخابات لا يعني أن الأقلية ليس لها أي دور آخر تلعبه وتسلب من أيّ حقوق. الكثير من الإسلاميين يدخلون الانتخابات على أساس أنهم سيربحون دائما وهم عادة ليسوا مستعدين لتقديم تنازلات لفائدة الأقليات والمثال الشاهد على ذلك كيفية تصرف الرابحين من الإسلاميين في العراق ومصر.

ويرى المتحدث أنه بسبب الحركات الإسلامية، جزئئيا، من الصعب جدا تطبيق الديمقراطية في العالم العربي، هذا إلى جانب غياب مؤسسات فعالة تحول دون التجاوزات. ويبقى التحدي الكبير يتمثل في إيجاد طريقة لتشريك كل المواطنين وإعطائهم صوتا دون التعرض لمخاطر تمزيق النسيج الاجتماعي في البلاد.


5 - الحكم الرشيد والتكنولوجيا:


يتناول المتحدث مسألة الحكم الرشيد بمعنى كيفية تحقيق الأمن وتوفير الوظائف من زاوية التكنولوجيا أولا. فيشير إلى أن الحركات الإسلامية الحديثة ليست متفتحة لإنتاج التكنولوجيا بل يقبلون المنتوج التكنولوجي ويرفضون الفرضيات التي تركزت عليها هذه التكنولوجيا، ومن أول هذه الفرضيات فتح الأبواب للاستفسار الحر. لكن القادة الدينيين لدينا ليسوا مستعدين بعد لمواجهة الأسئلة التي يطرحها العلم والحداثة إذ أن الطريق القويم للحياة السعيدة عندهم مرسوم سلفا والخيارات الصحيحة دائما واضحة. الاستفسار وطرح الأسئلة والتحدي أشياء مهمة من أجل اكتساب القدرة على الخلق والإبداع.


النموذج الإماراتي


ينتقل السفير الإماراتي إلى الحديث عن الوضع في الإمارات العربية المتحدة فيما يخص جهودها في محاربة الإسلام الأصولي ويبدأ بالسؤال حول معقولية تضحية الإماراتيين بما أنجزوه إلى حد الآن من أجل نظام ديمقراطي مثالي أو دولة إسلامية والحال أن أيا منهما يمكن أن يطلق قوى تدميرية توجد داخلهم. ويبين أن الإمارات نجحت في تجاوز الخلافات والعداءات القبلية وبناء نجاح اقتصادي مرموق برغم محدودية الموارد.

ويذهب السفير في رأيه إلى القول إن الإمارات لا تحتاج إلى تغيير النظام فيها بل يمكن أن تمثل نموذجا يحتذى به لتحقيق التطور الإيجابي في بقية العالم العربي.

العالم العربي يشكو من الفكر الأصولي المعتمد على الأفكار المتصلبة والمفاهيم المسبقة

ويعتمد في تحليله على النقاط الخمس التي ذكرها سابقا في كيفية مواجهة الفكر الراديكالي. فخلافا للإسلاميين الذين يريدون فرض الأخلاق بالقوة يقول إن الإمارات اعتمدت مقاربة متسامحة مع السلوك الأخلاقي لدى الناس فهي أمور تتعلق باختيارات الفرد وليس الدولة. كما يؤكد أن التسامح الديني والعرقي يميز الحياة في الإمارات إذ توجد بها أكثر من 190 جنسية وأكثر من سبعين كنيسة ويتعايش المسلمون والمسيحيون بسلام وذلك في ظل حرص الدولة على مراقبة خطب الأئمة إضافة إلى مبادرة الإمارات في 19 يوليو 2014 بتأسيس “مجلس حكماء المسلمين” وهو هيئة دولية مستقلة من العلماء القادمين من البلدان الإسلامية تدعو إلى قيم وممارسات التسامح في الدين الإسلامي.

كما يوجد في الإمارات العربية المتحدة نوع من الآليات الديمقراطية تسمح بالتصويت والتعبير عن الآراء إضافة إلى الآليات والمنابر الاجتماعية للحوار والتحليل وسبر الآراء وبناء التوافق. وخلافا لموقف الإسلاميين المتشددين لا يخاف الإماراتيون من التكنولوجيا بل يركزون على إنجاز الأشياء بشكل يمكن قياسه عبر الرفاه المتوفر لدى عامة الناس.


نحو عالم عربي جديد


يختم سفير الإمارات لدى روسيا، عمر سيف غباش، مشيرا إلى أن العالم العربي يشكو من الفكر الأصولي المعتمد على الأفكار المتصلبة والمفاهيم المسبقة عمّا يجب أن يكون عليه الناس، وهذه الدغمائية تعيق بناء مجتمعاتنا اليوم. ووجود حركات مثل داعش لدليل بأننا نحتاج أن نقر بوجود تأويلات مختلفة للدين التي لا مناص من وجودها، وعلى المواطن العادي أن يخلّص الإسلام من قبضة العنف التي يمثلها داعش أحسن تمثيل.

إن العرب لديهم القدرة والمعرفة لخلق مسلك نحو الإنتاجية الفكرية والاقتصادية، لكن العنف هو أقل الطرق فعالية لتحقيق ما تصبو إليه الغالبية الساحقة من الناس المتمثل في عالم عربي يعيش في سلام مع نفسه وواثق من موقعه في المجتمع الدولي.

5