كسر أنف مصر هدف الغابرين والمعاصرين

السبت 2014/05/24
حارس هضبة الجيزة في الصين

ثارت ثائرة المصريين مؤخراً، بعد أن أعلنت الصين عن تدشين نسختها الخاصة من تمثال “أبي الهول”، ليكون معلماً سياحياً صينياً بعد أن كان “أبو الهول” المصري هو الوحيد بهذا الحجم الذي يقصده السياح لرؤية حارس هضبة الجيزة.

وقرّرت الحكومة المصرية اللجوء إلى اليونسكو لاتخاذ إجراءات قانونية ضد الصين، واستنكر وزير الآثار المصري، محمد إبراهيم، تلك الخطوة التي أقدمت عليها الصين، وهدد باللجوء إلى القانون الدولي “لإيضاح مدى الضرر الذي يلحقه التمثال الصيني بالتراث الثقافي لمصر”.

وكانت الصين قد فاجأت العالم، بتشييد تمثالها في متنزه على مساحة كيلومترين مربعين في قرية تبعد أربع ساعات عن العاصمة بكين، وقد يستخدم الصينيون الموقع لتصوير الأفلام والبرامج، فيتجه المنتجون إلى استثمار أبي الهول الصيني في أعمالهم بدلاً من الذهاب إلى مصر، ولكن الوزير المصري ما يزال يعتقد أنه بإمكانه مخاطبة الأعضاء الدائمين في اليونسكو وإحاطتهم “بحجم الضرر الواقع على التراث الإنساني المصري”، وقال الوزير إبراهيم إنه سيطالب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بتطبيق اتفاقيتها الموقعة عام 1972 والخاصة بحماية التراث الثقافي والطبيعي، وتنص الفقرة السادسة من الاتفاقية على أن تتعهد الدول الموقعة على “ألا تتخذ متعمدة أي إجراء من شأنه إلحاق الضرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتراث الثقافي والطبيعي، والواقع في أقاليم الدول الأخرى الموقعة على هذه الاتفاقية”.


أبو الهول وحيدا في الجيزة

وعلى هضبة الجيزة في الضفة الغربية من نهر النيل، شيّد الفراعنة تمثال “أبو الهول” ليكون واحداً من أعرق المنحوتات العملاقة في العالم، طوله 73.5 متراً، وعرضه 6 أمتار، وارتفاعه 20.22 متراً. ويعود إلى أواسط الألف الثالثة قبل الميلاد في عهد الفرعون خفرع.

وجلس أبو الهول كل هذه الآلاف من السنين، على شكل أسد رابض، رأسه رأس إنسان، يبسط ذراعيه أمام الأهرامات، جامعاً قوة الأسد وحكمة البشر، وجهه أشبه برأس الملك خوفو، ممثلاً إله الشمس “حور إم آخت”، وكانت تقدّم له القرابين وتؤدى بين يديه الصلوات والطقوس الدينية، سيما في عهد الملك تحتمس الرابع.

وحين عبر الكنعانيون إلى إفريقيا، أنزلوا بالتمثال الذي وجدوه اسم آلهتهم، فأصبح “حور” هو “هورون”، ليتحوّل إلى “هول” مع الزمن، أما لفظ “آبو” فهو مصري قديم ويعني الموقع، وكما فعل الصينيون اليوم، فقد استنسخت الحضارات تمثال أبي الهول قديماً في العراق وفي اليونان وفي أكثر من مكان في العالم، تزامناً مع انحسار الدور الإقليمي والعالمي لمصر.

الرسومات القديمة التي عثر عليها في الأهرامات والمعابد المصرية، تظهر رأس أبي الهول كاملاً، من غير تشويه، ولكنه اليوم مجدوع الأنف، وقد روى المصريون أن نابليون بونابرت أثناء حملته على مصر، كان قد وجّه مدفعه نحو أنف أبي الهول ليعبّر عن انتصاره على مصر وهيمنته عليها، بكسر أنف رمزها التاريخي وإهانة حارسها العملاق

كسر أنف أبي الهول

الرسومات القديمة التي عثر عليها في الأهرامات والمعابد المصرية، تظهر رأس أبي الهول كاملاً، من غير تشويه، ولكنه اليوم مجدوع الأنف، وقد روى المصريون أن نابليون بونابرت أثناء حملته على مصر، كان قد وجّه مدفعه نحو أنف أبي الهول ليعبّر عن انتصاره على مصر وهيمنته عليها، بكسر أنف رمزها التاريخي وإهانة حارسها العملاق.

وحين تناقش علماء الآثار المصريين، سيقولون لك إن هذا غير ثابت، وإنه من المحتمل أن يكون المماليك هم من كسر أنف الإله حور، وربما البريطانيون وربما غيرهم، فقد ذكر المؤرخ المقريزي أن المتصوف الشهير”صائم الدهر” الذي جاور التمثال سنين طويلة، هو من جدع أنفه، حتى لا يقدّسه المصريون دوناً عن الله.

رمال أم مخلفات

رأى الملك تحتمس في المنام في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد، أنه مكلّف بإنقاذ أبي الهول من الرمال التي طمرته، وأنه إن فعل هذا فإن ملك مصر سيؤول إليه، فقام بالفعل بإنقاذ أبي الهول من مدفنه وأخرجه للناس، وصار ملكاً كما قالت له الرؤيا، بينما أهمل المصريون حارسهم “أبو الهول” في القرن العشرين، حتى تراكمت حوله النفايات، وصارت منطقة نزلة السمّان، بيئة تلوث وفوضى، بعد أن اشتهرت حتى ستينات القرن العشرين، بكونها مرتعاً لصيد السمّان والتنزّه للطبقات الراقية في المجتمع المصري، وكانت تغمرها مياه النيل حين يفيض، حتى تصل المياه إلى قدمي أبي الهول ذاته، ولكن إنشاء السد في أسوان جعل المياه تنحسر، وجفت المنطقة التي كانت معبراً للطيور المهاجرة ومنها السمّان الذي كان الجنود الإنكليز يستمتعون بصيده بسبب كثافة تواجده في المنطقة.

ويؤكد الباحثون أن النطاق المحيط بتمثال أبي الهول، كان قد تعرّض لتغييرات سكانية مريعة، أدّت إلى الحال التي هو عليها الآن، فحتى القرن العشرين كان قد نزح إلى نزلة السمّان مهاجرون من المغرب وليبيا وتونس، واعتادوا العمل في خدمة السيّاح، والتربّح من معايشتهم لهم، ولكن وبعد هزيمة العام 1967 قام العهد الناصري بتهجير أعداد من سكان مدن القناة إلى نزلة السمّان ليصبح عدد سكان نزلة السمّان قرابة الخمسين ألف مصري، وليجري ضمّها إلى حي الهرم.

ولا يرى زائر نزلة السمّان، اليوم، سوى صورة الفقر في مصر، وتداخل البيوت العشوائية، والإهمال الكبير الذي يظهر في انتشار المزابل والمخلفات وبقايا الخيول التي يستعملها الأهالي لنقل السياح، لتنتشر رائحته في كل مكان، متنافية مع الوضع الطبيعي لأكبر استثمار في مصر، وأكثر علاماتها الفارقة، الصروح الفرعونية وأبو الهول.

أهمل المصريون حارسهم {أبو الهول} في القرن العشرين، حتى تراكمت حوله النفايات، وصارت منطقة نزلة السمّان، بيئة تلوث وفوضى، بعد أن اشتهرت حتى ستينات القرن العشرين، بكونها مرتعاً لصيد السمّان والتنزّه للطبقات الراقية في المجتمع المصري، وكانت تغمرها مياه النيل حين يفيض، حتى تصل المياه إلى قدمي أبي الهول ذاته

مصر نزلة سمّان كبيرة

ومع تمسّك الرؤساء الذين حكموا مصر بالقبضة الحديدة تجاه الإنسان، وإرخائها تجاه الفساد والظواهر التي فرّطت بالكيان المصري ودوره الإقليمي، حتى غابت مصر عن الأمّة، وألغي حضورها تماماً، فانتشرت تلك المظاهر ليس في ذلك الحي فقط، بل في مصر كلّها، لتستبدل العراقة بأحد خيارين، إما المشهد الديني المتطرّف، أو الفساد واستغلال الإنسان والمكان، وبين هذين المشهدين عمّت صورة نزلة السمّان، لتصبح مصر كلّها نزلة سمّان كبيرة، ومع بداية العام 2014، احتج أصحاب الإسطبلات في محيط أبي الهول، على ما سمّوه “وقف الحال”، بسبب مرحلة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي الذي تراجعت فيه السياحة، وبعد التغييرات في مصر، حيث فرض عدد كبير من دول العالم الحظر الأمني للسفر إلى مصر، مما أدى إلى توقف سير حركة البيع داخل منطقة نزلة السمان السياحية، التي تتضمن منطقة الصوت والضوء والأهرامات و”أبو الهول”.

واشتكى أصحاب الإسطبلات للصحافة المصرية من أن ” الخيول تحتاج إلى أكل ورعاية.. بس هنجيب منين والحال واقف كده؟!.. الخيول كانت قبل الثورة شبه الـ”تيران”.. وكانت بعافية، أما الآن أصبحت هزيلة وضــعيفة”.

فقد كانت العربية الواحدة التي يجرها حــصان تدرّ ما يقرب من 150 إلى 200 جنيه يومياً، أما الآن فــقد مــات مــعظم الخيول بسبب قلة الرعاية وعــدم قــدرة أصحابها على دفـــع أجور علاجها للبــياطرة.

ويدرك هؤلاء البسطاء أن هناك قرارات اتخذت من قبل بعض الدول، لضمان سلامة مواطنيها، فيستشهد بعضهم باليابان التي منعت مواطنيها من زيارة مصر بغرض السياحة، وفرضت على كل ياباني راغب بالسفر إلى مصر أن يكتب إقرارا بأنه مسؤول عن أمنه الشخصي.

ولم يخفِ أهالي نزلة السمّان انتقادهم للأوضاع السياسية والأمنية السائدة في مصر اليوم، بل إنهم تحدثوا عن غياب تام للأمن في منطقتهم، وأن المنطقة اليوم تدار بشكل ذاتي من أبناء العائلات الكبيرة.

مع بداية العام 2014، احتج أصحاب الإسطبلات في محيط أبي الهول، على ما سمّوه "وقف الحال"، بسبب مرحلة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي الذي تراجعت فيه السياحة، وبعد التغييرات في مصر، حيث فرض عدد كبير من دول العالم الحظر الأمني للسفر إلى مصر، مما أدى إلى توقف سير حركة البيع داخل منطقة نزلة السمّان السياحية، التي تتضمن منطقة الصوت والضوء والأهرامات و"أبو الهول"


كسر أنف مصر من جديد

في عهد مبارك الطويل، تم تنفيذ قرار سياسي بإبعاد مصر عن نطاقها، وإلغاء دورها الحيوي في الإقليم، فلم تعد مصر مكترثة حتى بمشكلات تتعلق بأمنها المائي والقومي عموماً، سواء في السودان أو منابع النيل، أو ما يجري في غزة، أو الخليج والعراق وسوريا، ناهيك عن المغرب العربي، فانكمشت مصر على ذاتها، واكتفت بالمساعدات الأميركية وما يحدث داخل الكوكب المصري، وبعد ثورة 25 يناير، كان أحد أهم أحلام الشباب، إعادة دور مصر، وتأثيرها القيادي الرائد في العالم العربي والإسلامي، فما يحدث في مصر سيؤثر فوراً على ما يحدث في دمشق وبغداد وغيرها، ولكن هذا لم يحدث ففي المرحلة الإخوانية، تقلّص حجم مصر من جديد، وبدلاً عن توسّع مصر وانفتاحها على العرب، الفضاء المحيط، تحوّلت الدولة إلى جماعة معارضة، بعد أن تصرّف الإخوان بعزلة وحذر وحساسية تجاه الجميع، ولم ينفتحوا سوى على أكثر المتربصين بالعرب شرقاً، إيران، فكان التنسيق مع إيران أكبر أخطاء الإخوان وأكثرها تسبباً في انهيار حكمهم، فكانت إيران تريد كسر أنف مصر من جديد عبر الإخوان المسلمين.


أبو الهول ومصر الجديدة

ولعل حادثة استنساخ تمثال أبي الهول تعدّ جرس إنذار كبير، يقرع في أسماع المصريين، لأن استمرار توقف عجلة الحياة في مصر، يدفع دولاً مثل الصين وغيرها في البعيد والقريب، للتفكير في الحلول محل مصر، ليس فقط في الجانب الآثاري والسياحي والثقافي، بل أيضاً في الموقع السياسي، وتصحيح هذا الوضع سيكون مسؤولية الطبقة السياسية القادمة في مصر، والحكومة التي سيتوجب عليها وضع حد ونهاية للاضطراب في المجتمع وأداء الدولة ونواحي الحياة العامة.

في “أبو الهول” ترى شخصية المصري الحلم، الذي يريد أن يكون حارساً على النيل، وحارساً لأحلام شعبه، الحلم بالحياة والتنمية والتـطوّر والمـدنية والقـوة فـوق ذلك كلّه، فمصر ضـعيفة تعـني عـالماً عربـياً كما نرى الآن.

15