كسر العزلة

كسر العزلة يكون بالانفتاح على المتغيرات الجديدة بما فيها الأجيال الجديدة بطموحاتها وإضافاتها وسيكتشف أنه يتعلم منها مثلما تتعلم منه.
السبت 2019/04/13
كسر العزلة لا يعني مواصلة العلاقة مع جيل المعتزل وتكرار ما كان بالأمس

يحدثنا الكاتب البلجيكي بسكال فريبوس في كتابه “في ضيافة هنري ميلر” الذي ترجمه إلى العربية القاص والمترجم المغربي سعيد بو كرامي، عن لحظة وصوله إلى باب منزل الكاتب الأميركي، حيث دارته البيضاء في لوس أنجلس بشارع أوكامبو، الفسيح والمحفوف بالأشجار الممتدة على بساط أخضر وبرقم 440.

وكان الشاب البلجيكي الذي لم ينل أي قسط من الشهرة في عالم الكتّاب والكتابة، على موعد مع هنري ميلر، العجوز والأكثر شهرة بين كتّاب عصره، بعد مراسلات بينهما تحكمت بها المصادفة وانتهت إلى الموعد المذكور، فكانت على باب المنزل لوحة كتب عليها “عندما يكبر شخص ويكون قد أدى واجبه على هذه الأرض، له الحق في أن يستعد للموت بسلام، فهو ليس بحاجة إلى رؤية الناس، لقد رأى منهم ما يكفيه، وعرف منهم ما يكفيه، فلا فائدة من الذهاب لرؤيته وإزعاجه بالثرثرة والسخافات، يجب أن نمر بجانب بيته وكأن لا أحد بداخله”.

ما تحدث به ميلر أكثر بكثير مما تحدث به ضيفه الشاب القادم من أوروبا
ما تحدث به ميلر أكثر بكثير مما تحدث به ضيفه الشاب القادم من أوروبا

إن مثل هذه السطور، تعني باختصار شديد، وكما يكتب على أبواب بعض المؤسسات الرسمية في بعض البلدان – الدخول ممنوع – وهذا يتناقض مع الموعد الذي أعطاه ميلر إلى فريبوس، حيث قطع الأخير مساحات شاسعة ليصل إلى مكان ذلك الموعد، فهل كان عليه حين قرأ تلك اللوحة، أن يعود إلى المكان الذي جاء منه، وبخاصة إنها – أوامر – الذي جاء من أجله، وهو يتخيله مخلوقا أسطوريا قد تصدر عنه مثل هذه الحماقة.

غير أن لحظة اللقاء بينهما، كانت مختلفة عما تضمنته اللوحة المذكورة، حتى كأن ميلر كان أكثر حماسة لهذا اللقاء من حماسة الشاب الآتي من جغرافية نائية، إذ أقبل ميلر مبتسما واحتضن ضيفه وقبّله، ويقول له مداعبا: كيف ننطق اسمك، فريبس، فربوس، فربووس، فربيوس، ويصنع حركات بفمه، انفجرنا مقهقهين فاختفى التوتر.

ويتواصل اللقاء ويمتد إلى ستة أيام، يصفها فريبوس بالقول: تحدثنا واستمعنا لبعضنا، هو بفمه نصف المفتوح وعينه الوحيدة، يسألني بلا هوادة، يعلك حياتي ثم يجترها، معلقا عليها ومتجاوزا إياها، وأنا بدوري أحاصره بأسئلتي، أطارد ذكرياته وأكشف تكهناته.

وحين ننتهي من قراءة كتاب “في ضيافة ميلر” نكتشف أن ما تحدث به ميلر، أكثر بكثير مما تحدث به ضيفه الشاب القادم من أوروبا، وإذا كانت أحاديث الضيف الأوروبي لم تتجاوز حدود الأسئلة، فإن أحاديث المضيف العجوز ما تركت شاذة ولا فاذة، إلا وتحدث عنها بأدق التفاصيل، سواء تعلق الأمر بكتاباته أم بسيرته.

فتحدث عن طفولته وصباه، وما اقترف من أخطاء وخطايا، وما مارس في حياته من انحرافات، وكيف عاش شحاذا في باريس، بل تحدث عن مجانين عائلته، شقيقته وعمته، واقترابه هو شخصيا من حالة الجنون.

ولم يكن ضيفه قد سأله عن كثير من هذه الخصوصيات أو قاده إلى مثل هذه الموضوعات، بل كان هو المبادر إلى الحديث عنها، ويبدو لي أن الإنسان بعامة والمبدع على وجه خاص، ممن تضطره عوامل التقدم في العمر وما يقترن به من تراجع صحي أو نفسي إلى العزلة، واقعا أو ادعاء، كما فعل هنري ميلر، في ما كتب على اللوحة المثبتة على باب منزله، أو حتى لو ادعاها ومارسها في آن، فهو بأمس الحاجة إلى كسر هذه العزلة، وكسر العزلة لا يعني مواصلة العلاقة مع جيل المعتزل وتكرار ما كان بالأمس، على صعيدي المواقف والذكريات، وهذا ما يفعله معظم المعتزلين وكأنهم يداوون العزلة بما كان هو الداء، وكسر العزلة يكون بالانفتاح على المتغيرات الجديدة بما فيها الأجيال الجديدة بطموحاتها وإضافاتها وسيكتشف أنه يتعلم منها مثلما تتعلم منه.

 

14