كسر القواعد في الصغر مؤشر على مستقبل مادي مرموق

باحثون يؤكدون أن الشخص الأكثر إبداعا أكثر ميلا إلى خرق القواعد، داعين إلى منح الطفل بعض الحرية في الاختيار الذي قد يخالف توقعاتنا.
الخميس 2018/04/05
الأطفال الأشقياء يحققون ربحا ماليا وفيرا

مع تغيير مفاهيم النجاح التي قد ترتبط أحياناً بكسب المال، أصبح النجاح في مهنة معينة لا يعنيان بالضرورة التخلي عن الربح المادي، إذ أن الأمر يعتمد في بعض الحالات على الكثير من الحظ والقليل من المثابرة.

وتؤكد نتائج الدراسة التي استغرق إعدادها 40 عاماً ونشرت مؤخراً في مجلة "علم نفس النمو" الأميركية، على أن الأطفال الذين يخالفون القواعد أغلب الوقت هم الأكثر من سيربح الرهان بالتأكيد، وهم المرشح الأكثر حظاً في سباق الكسب المادي مستقبلا!

في أواخر عام 1968 رصد باحثون أميركيون مجموعة من التلاميذ في سن الثانية عشرة، كانوا ضمن عينة الدراسة التي هدفت إلى استقراء اتجاهاتهم المستقبلية في ما يتعلق بالعمل والدخل المادي، فتمت متابعة مستوى ذكائهم، وخصائصهم الشخصية، وسلوكهم، ومستواهم الاجتماعي ووضعهم الاقتصادي.

بعد مرور 40 عاماً على بدء هذه الدراسة، تابع الباحثون استقراء تفاصيل حياة هؤلاء التلاميذ على مدى سنوات حياتهم ومراحل نموهم على مختلف الأصعدة.

ومن دون شك، حصل الأطفال الأكثر اجتهاداً وتحصيلاً في دراستهم على وظائف مرموقة عندما وصلوا إلى العمر الذي انتهت فيه الدراسة، أي وصلوا إلى سن الخمسين فما فوق، لكن هؤلاء لم يكونوا من ضمن المجموعة التي حققت أكبر ربح مادي عند مرحلة البلوغ؛ فالربح المالي الوفير كان من نصيب الأطفال الأشقياء أو الذين اعتادوا منذ صغرهم على كسر القواعد ومخالفة السلطة الأبوية.

وتذكر ايمي موران، الباحثة الاجتماعية والمعالجة النفسية الأميركية، أن من أسباب تمتع الأشخاص الذين اعتادوا على كسر القواعد بدخل مادي كبير، قدرتهم على التفاوض في ما يتعلق بأجورهم التي يتقاضونها لقاء أعمالهم، بصرف النظر عن جودة أو أهمية هذا العمل، إضافة إلى أنهم يكونون أكثر جرأة في التفاوض وطلب تقاضي أجور عالية ولا يقيدهم أي خوف من المجازفة بخسارة وظائفهم لأنهم مغامرون بطبعهم.

كما أنهم يقدّرون المنافسة، وبدلاً عن الانشغال بالقلق على مدى تقبل الآخرين لسلوكهم وأفعالهم، يكونون معنيين أساسا بالسعي لتحقيق مصالحهم الشخصية ويضعونها في المقدمة، بصرف النظر عن تأثير هذا على الآخرين.

الأطفال الذين يميلون إلى خرق القواعد وكسر القوانين هم المرشحون الأكثر حظاً لأن يصبحوا رجال أعمال من الطراز الأول

 هذا الأمر قد يرجح بشكل ما أن يصل هؤلاء الأشخاص إلى أهدافهم من خلال تحييد المواقف الأخلاقية التي لا يعيرونها أي اهتمام في سبيل تحقيق الربح المادي، على الرغم من أن الدراسة لم تتحقق كثيراً من وجود هذه السمة في شخصية أفراد العينة.

من جانب آخر أثبتت دراسة حديثة نشرت نتائجها في مجلة "علم النفس الاجتماعي" أن المتفوقين دراسياً غير مرشحين بالضرورة لأن يصبحوا من أصحاب الملايين في سنوات النضج، على الرغم من حصولهم على مهن مرموقة حيث ثبت أن المدارس تكافئ الأشخاص بمهن رفيعة لكنها لا تضمن لهم الحصول على المال الوفير.

وأوضحت أن الأطفال الذين يميلون إلى خرق القواعد وكسر القوانين هم المرشحون الأكثر حظاً لأن يصبحوا رجال أعمال من الطراز الأول وطبعاً من أصحاب الملايين، يتشاركون في هذه السمة مع المبتكرين والمبدعين في مجال تخصصهم. لهذا يؤكد متخصصون على أهمية أن نمنح الطفل بعض الحرية في الاختيار الذي قد يخالف توقعاتنا وأن نسمح له أحياناً بكسر القواعد ومعاندة الروتين، على ألا يسبب هذا الأمر أي ضرر للآخرين.

وأضافت أن كسر القواعد ربما يسهم في بناء شخصية قوية قادرة على الابتكار والتغيير، التغيير الذي سيكون في مصلحة الجميع، وكلما كنت أكثر إبداعاً كنت أكثر ميلاً إلى خرق القواعد، وكلما تجاوزت القواعد ازدادت قدرتك الإبداعية. يقول الشاعر الإنكليزي ت. س. إليوت “فقط، أولئك الذين يخاطرون بالذهاب بعيداً، يمكنهم أن يكتشفوا إلى أي مدى يمكن للمرء أن يمضي”.

ولعل كسر القواعد يقدم في الغالب لصاحبه مكافأتين فوريتين، إحداهما لا تبدو مثالية عندما تشجع على ممارسة الغش وخداع الآخرين، على الرغم من أن بعض الأشخاص يشعرون بعد ممارسة الغش، خاصة في الامتحانات، بمزاج جيد غير متوقع بدلاً عن الشعور بالذنب، إلا أن كسر القواعد في مجالات أخرى تتعلق أكثر بخرق بعض العادات والتقاليد والقوانين البالية، يعد إبداعاً من نوع ما؛ وهذا ما يدعو إلى الإحساس بالتحرر والانفتاح وإطلاق العنان للخيال والإبداع والتميز عن الآخرين، وهذه هي المكافأة الفورية الثانية.

ويؤكد علماء النفس على أن تجاوز الروتين وكسر القواعد ومحاولة التحايل على ساعات طويلة من العمل، قد تعزز عنصر الإبداع الذي تعرقله أحياناً النظم الجامدة والقوالب الجاهزة. هنالك نوع من المجازفة أو المناورة لتغيير الواقع ربما تبدو غير مقبولة ومزعجة في البداية، إلا أنها قد تحوّل مسار حياتنا إلى اتجاه آخر مختصر، ناجح، يشعرنا بالسعادة والرضى.

على أن الأمر ليس كذلك في جميع الأحوال، إذ أن كسر القواعد أشبه بالمنحدر الزلق ويمكنه أن يعبّر بصورة ما عن التآكل الأخلاقي وقد تَصعُبُ علينا ملاحظة ما يتسبب فيه، فيصبح من الواجب أحياناً إيجاد طريقة لإعادة ضبط سلوكنا عندما نشعر بالقليل من الميل إلى ارتكاب الخطأ فضلاً عن تحطيم جميع القواعد، حتى لا نبتعد كثيراً عن النيّة الطيبة بهدف التغيير أو كسر النمطية، لنتحول إلى اتجاه آخر أكثر تعقيداً.

21