كسر ثقافة العيب وقواعد العرف طريق الباحثات عن ميراثهن المنهوب

لجوء المرأة إلى المحكمة لمقاضاة أقاربها بسبب تأخر تسلم ميراثها يتوقّف على مدى جرأتها واستعدادها للدخول في معارك حامية مع الأسرة، لأن المجتمع اعتاد توجيه اللوم إلى كلّ سيدة تستعين بالقضاء لنيل حقها.
الجمعة 2020/08/14
نساء أسيرات للفقر

تعجّ محاكم الأسرة المصرية بقضايا غير مألوفة عن المجتمع أبطالها نساء قررن مقاضاة أسرهن للحصول على حقهن الشرعي بعد نفاد الطرق الودية، وهو ما أثنت عليه منظمات نسائية وجمعيات حقوقية مطالبة باقي السيدات بالقيام بالمثل دون خوف.

طوال أربع سنوات مضت تحمّلت سماح إبراهيم، وهي أم مصرية لأربعة أبناء، مرارة الفقر وقسوة الحياة وآلام المرض، واضطرت إلى الاستدانة من الجيران والمعارف لتلبية احتياجات علاجها برفقة أبنائها، رغم أنها تمتلك ميراثا تقترب قيمته من 500 ألف جنيه (31 ألف دولار)، لكنّ أشقاءها حرموها منه.

واستعانت الأم بالأقارب ليتوسطوا لها عند إخوتها لتحصل على ميراثها الشرعي، وفي كل مرة كان الرد يأتي بالرفض، وأحيانا بعرض مبلغ مالي ضئيل على سبيل الترضية مقابل تنازلها عن حقها، لكنها وجدت الترضية لا تكفي لسداد ديونها التي تراكمت. ولجأت إلى القضاء للبحث عن ميراثها المنهوب دون أن تفكر في أن الخطوة سوف تقود إلى قطيعة أبدية مع أسرتها، وليس إخوتها فحسب.

وقالت لـ”العرب”، إنها لم تجنِ من ثقافة العيب واحترام العادات والتقاليد سوى المزيد من الفقر والتسول لمقاومة صعوبات الحياة.

وبلغت درجة إذلال السيدة أنها عرضت على أشقائها التكفل بمصروفات علاجها إلى حين شفائها مقابل التنازل عن باقي الميراث، لكنهم رفضوا.

وبعد لجوئها إلى القضاء قرروا تسليمها حقها الشرعي كاملا، شريطة أن تقطع علاقتها بأفراد أسرتها بذريعة أنها جلبت لهم العار وشوّهت صورتهم أمام الناس.

وأضافت أن إخوتها اضطروا لتسلميها الميراث خوفا من عقوبة الحبس والحجر على ممتلكاتهم إلى حين الوفاء بما عليهم من التزامات.

وأبدت استعدادها لتقبل التباعد السري الاجتماعي، لأن تداعياته أقل من القهر والتسول ونهش المرض جسدها واضطرارها إلى حرمان أولادها من مطالبهم أمام قلة الحيلة.

وما أقدمت عليه الأم، ليس حالة استثنائية في بيئة معروف عنها تقديس العادات والتقاليد والأعراف، والتعامل مع مطالبة المرأة بميراثها على أنها ارتكبت جريمة.

وهناك الكثير من النساء لجأن إلى القضاء بعد تحطيم القيود والمحرمات التي جعلتهن أسيرات للفقر، في حين أن ميراثهن كفيل بتغيير حياتهن إلى الأفضل.

وتطبّق مصر عقوبة الحبس ستة أشهر، وغرامة مالية تصل إلى مئة ألف جنيه (625 دولارا)، منذ ثلاثة أعوام، على كل من امتنع عمدا عن تسليم الوريث نصيبه الشرعي، وترتفع العقوبة إلى السجن لمدة عام، في حال الإصرار على حرمان الورثة من حقوقهم التي كفلها لهم الشرع والقانون.

ومنذ تفعيل القانون، كانت العادات والتقاليد تقف عائقا أمام تطبيقه على أرض الواقع، ومع ارتفاع معدلات الفقر لجأت الكثير من السيدات إلى كسر حاجز الصمت، والتحلي بالشجاعة في مواجهة العُرف، والتمرد على ثقافة الرضا بالقليل لتجنب الاستهداف.

ويتوقف لجوء المرأة إلى المحكمة لمقاضاة أقاربها بسبب تأخر تسلم ميراثها على مدى جرأتها واستعدادها للدخول في معارك حامية مع الأسرة، لأن المجتمع اعتاد توجيه اللوم إلى كلّ سيدة تستعين بالقضاء لنيل حقها.

ولا يفكر المتحاملون على المرأة المحرومة من ميراثها سوى في طرح أسئلة من قبيل: لماذا اختارت هذا الطريق، وما هي الظروف التي دفعتها إلى الوقوف بوجه أشقائها أمام منصة العدالة؟

وتلتمس الأغلبية الأعذار للرجال، دون اكتراث بالمعاناة التي تعيشها سيدة يفترض أن تكون ميسورة الحال لو تسلمت ميراثها، لكنها تكافح لمواجهة الفقر والحرمان.

أسهل الحلول للتغلب  على حرمان السيدات  من الميراث، أن يتولى القضاء مهمة توزيع المخصصات فور وفاة صاحب التركة لينتهي نهب الميراث باسم العرف
احترام العادات لم يجلب للنساء إلا الفقر والإذلال والتسول

وتكمن أزمة من يعتبرون حرمان النساء من الميراث حقا أنهم يتهمون المرأة التي تلجأ إلى القضاء بأنها غير سويّة وتستحق القطيعة لأنها لم تحفظ حق الأخوّة وصلة الرحم، في حين أن أفعالهم أبعد ما تكون عن الإنسانية وتخطت حدود الجفاء وغلظة القلب.

وعندما أقرّت الحكومة عقوبة خاصة على الممتنعين عن تسليم الميراث، اكتفت بالخطوة ولم تلحقها بحملة توعوية لتغيير العادات وضرب الفكر السائد بأن مطالبة المرأة بحقها من الأمور المعيبة بل ضرورة فرضتها العقائد السماوية كافة.

وإن كانت بعض السيدات تجرأن على أسرهن، فإن ذلك لا يعني انتشار ثقافة التمرد على التقاليد، لأن هناك مناطق إذا أقدمت فيها المرأة على مقاضاة أقاربها، فإن دمها قد يُستباح، أو تلجأ الأسرة إلى ترحيلها خارج البلدة وكسر إرادتها.

ولا يزال الميراث في المناطق القبلية والريفية محكوما بالأهواء الشخصية، وغالبا ما يكون على سبيل ترضية المرأة بمبلغ مادي لا يُقارن بحجم التركة، لكنها تكون مضطرة إلى القبول بما يُعرض، خشية أن تعيش باقي حياتها منبوذة من أسرتها.

وقال ياسين متولي، وهو مواطن من جنوب مصر (سوهاج)، ويعمل حارسا لعقار بحي المطرية بالقاهرة، إن “المرأة التي تُقاضي عائلتها يجب أن تكون مستعدة لخسارة ما تبقى من حياتها لأنها بذلك جلبت العار، وفضّلت المال على صلة الرحم”.

وأضاف لـ”العرب”، أن هناك قناعات لدى أغلب العائلات بأن الحرمان من الميراث ضرورة، لأن المرأة بطبعها لا تستطيع الحفاظ على أموالها ولا إدارة أصولها المملوكة لها، أو لأن أسرتها ترفض ذهاب الميراث لعائلة زوجها، بالتالي ترى بعض الأسر حتمية عدم توزيع الإرث بالعدل، طالما أنه ينتقص من الوجاهة الاجتماعية.

وتظل المعضلة الأكبر في لجوء المرأة لمقاضاة أقاربها بسبب الميراث، أن أغلب السيدات في البيئات التي تقدس العادات غير متعلمات، يجهلن القانون، وأقصى ما يمكنهن فعله، المطالبة بحقوقهن بالفطرة، وهؤلاء أكثر فئة تتعرض لخديعة كبرى، إذ يتم إجبارهن على البيع للأقارب بأسعار زهيدة، وإذا رفضن يُحرمن من الميراث.

والمثير أن شريحة كبيرة من الذين يحرمون المرأة من ميراثها، هم متدينون وتراهم يواظبون على أداء العبادات لدرجة أن بعضهم يوظف سمعته كإنسان معروف عنه الالتزام الديني، لتزوير مستندات رسمية ومحاولة تبرئة ساحته قضائيا من حرمان سيدات العائلة من حقوقهن، ويوظّف تديّنه الظاهر في جلب دعم الأقارب والجيران لموقفه، بذريعة أنه من الصالحين الذين يصعب مخالفتهم شرع الله.

ورأت انتصار السعيد مدير مركز حقوق المرأة، أن لجوء السيدات لرفع دعاوى قضائية والاستفادة من التشريعات لحفظ حقوق المحرومات من الميراث شجاعة نادرة، ويتطلب الأمر حملة توعوية مكثفة لتغيير سلبية النساء عند المطالبة بالحقوق لأن الكثير منهن يجهلن كيفية الحصول على مستحقاتهن بأقل خسائر.

وأوضحت لـ”العرب”، أنه من الضروري على المنظمات النسائية توفير الدعم الكامل والحماية القانونية للباحثات عن حقوقهن في الميراث، لأن المرأة في هذه الحالة وحيدة ومصابة بالخوف والهلع من استهدافها أو ترهيبها.

ولفتت إلى أن أسهل الحلول للتغلب على حرمان السيدات من الميراث، أن يتولى القضاء مهمة توزيع المخصصات فور وفاة صاحب التركة لينتهي نهب الميراث باسم العرف.

ويعني ذلك، أن يصبح التوزيع من خلال قيام إدارات الشؤون الأسرية في المحاكم بعد حصر الممتلكات وتسليمها لأصحابها وفق النصوص الشرعية، بحيث لا يكون القرار في يد أرباب العائلات وحسب الأهواء الشخصية أو الأعراف.

21