كسر حدود الأجناس في ملتقى الأدب التجريبي التونسي

الملتقيات الأدبية بعد الثورة في تونس اكتست طابعا مخالفا لما كانت عليه من قبل، حيث كان النظام متحكما في مفاصلها يوجهها حيث شاء، فانفتحت أكثر على تجارب كتابية جديدة ومختلفة لما كرّسته السنوات الماضية، محاولة ولو بارتباك أن تتلمس طريقا يربطها بالمبدعين التونسيين خاصة منهم الشباب ومن وقع تهميشهم في السابق. هذا الانفتاح ومحاولة التجديد في صيغة اللقاءات الأدبية هو أبرز ما ميّز ملتقى “الأدب التجريبي” بمدينة النفيضة من ولاية سوسة الساحلية التونسية.
الثلاثاء 2015/05/05
ورشة الكتابة التي انتظمت ضمن فعاليات ملتقى الأدب التجريبي التونسي

انعقدت مؤخرا الدورة السادسة لملتقى الأدب التجريبي بدار الثقافة النفيضة، بمدينة النفيضة من محافظة سوسة الساحلية التونسية، والتي امتدت على مدى يومين 01 و02 مايو، وكعادة المشرفين على ملتقى الأدب التجريبي ودأبهم على محاولة خلق فضاءات أخرى بديلة ومنفتحة للأدباء والكتاب التونسيين، وجهتهم في ذلك التجريب، الذي يلتقي حوله أدباء وكتاب يجمع بينهم هاجس النص، كما تم تنظيم مسابقة أدبية للكتاب الناشئين. والمواكب للملتلقى يلاحظ أن في كل دورة يكون شكله مختلفا عما سبقه، في محاولة لنزع الرتابة التي تشوب أغلب اللقاءات الأدبية التي تكتفي بطابعها “الديكوري” و”بروتوكولاتها” التي لا تضيف في رأينا للأدب بقدر ما تجعل منه واجهة بلورية منمقة، تخنقها الرتابة.

هذه الدورة السادسة من ملتقى الأدب التجريبي جاءت تحت عنوان “الإشكال الأجناسي في الأدب العربي الحديث” (قصيدة النثر أنموذجا)، إيمانا من هذا الملتقى كما أكدنا بفتح أبواب جديدة أمام الأدب والأدباء التونسيين بمختلف شرائحهم، كان الافتتاح يوم غرة ماي باستقبال الضيوف من خلال معرض للفنون التشكيلية، هو في الأساس إنتاج مبدعين ناشئين من أبناء الجهة تحفيزا لهم وتحقيقا للتكامل بين صنوف الإبداع المختلفة، ثم جاءت مداخلة نقدية أولى بعنوان “الشعر ومساكنه، المسألة الأجناسية في الشعر التونسي الحديث”، قدمها الشاعر مجدي بن عيسى، الذي اعتمد فيها على مختارات من المجموعة الشعرية “الحدائق المسيجة” للشاعر سفيان رجب، لتعقبها مداخلة نقدية ثانية موسومة بـ”توظيف الفنون في قصيدة النثر التونسية من خلال بعض النماذج” قدّمها الكاتب لسعد بن حسين.

تضمن الملتقى أمسيات شعرية مختلفة ومسابقة أدبية للناشئة إضافة إلى محاضرات حول واقع الأدب التونسي

وأعقب المداخلتين نقاش مع الحضور، حول هذه القضايا المحورية في الشعر التونسي والكتابة بصفة عامة، لما لقضية تداخل الأجناس اليوم من أهمية قصوى تدعو إلى كشف كنهها ورسم معالمها، لكي لا تبقى مجرد ضرب في جهات كتابية عدة دون وعي أو إلمام أو تفكر.

عقبت المداخلتين النقديتين، أمسية شعرية أثثها الشعراء منصف الخلادي، سمير تهيمش، شاكر السياري، وهم شعراء تميزوا بكتابة قصيدة نثر تونسية مختلفة عما ساد المشهد الشعري التونسي لســنوات.

هكذا كان برنامج اليوم الأول من الملتقى، لتنطلق في يومه الثاني أعمال ورشة النص، بإشراف الشاعرين مجدي بن عيسى ومنصف الخلادي، والكاتب لسعد بن حسين، ورشة الكتابة هذه تقدم فيها قرابة العشرين مشاركا من الأدباء الناشئين بنصوصهم التي تراوحت أعمارهم وأجناس كتاباتهم، بين القصة القصيرة والشعر، سواء قصيدة النثر او التفعيلة أو حتى الشعر العمودي، في إثبات واضح ان هدف الملتقى ليس الانتصار لنمط كتابي على حساب آخر بقدر ما هو استجلاء لإمكانات النصوص في شتى الأجناس.

ملتقى الأدب التجريبي التونسي هو دليل حي على ضرورة كسر رتابة اللقاءات الأدبية العربية المعتادة
وقد اختتمت الورشة أعمالها بإعلان أسماء الفائزين الذين ترواحت مشاركاتهم بين القصة والشعر، فكانت الجائزة الثالثة لنص شعري لمنير العليمي، أما الجائزة الثانية فكانت لقصة قصيرة بعنوان “صرخة نهد” لزينب الهداجي، وآلت الجائزة الأولى لنص شعري “حطاب مساء” لعبدالعزيز الهاشمي.
الإعلان عن نتائج الورشة، تلته أمسية شعرية بفضاء المكتبة العمومية بمنطقة بوفيشة من محافطة سوسة، أثثها الشعراء: أحمد السلطاني، عبدالفتاح بن حمودة، سالم الشرفي ومحمد ناصر المولهي، تضمنت شهادة للشاعر عبدالفتاح بن حمودة حول كتابه الأخير “حركات الوردة”. ثم أسدل الستار على فعاليات الملتقى.

ملتقى الأدب التجريبي الذي ترعاه دار الثقافة النفيضة بمحافظة سوسة التونسية، هو دليل حي على ضرورة كسر رتابة اللقاءات الأدبية المعتادة، ومحاولة فتح آفاق جديدة للنصوص الأدبية الجادة والمختلفة، انفتاحا على النص الأدبي المجرب، وربما على اللقاءات الأدبية أينما كانت أن تحذو هذا الحذو، شعارها التجدد الدائم والانفتاح على فضاءات النص.

14