كسر لعنة بابل

الاثنين 2017/11/27

هل يمكن القول إنّ المترجمين هم روّاد اللغات لتقريب الشعوب من بعضها بعضاً عبر تمكينها من التواصل، والتعرّف إلى الحكايات والأساطير التي تشكّل بنيتها وتصوغ هويّتها التاريخيّة، وتلعب دوراً في رؤاها الراهنة؟ وهل بالإمكان القول إنّ المترجمين يترجمون ما سبق للأدباء أن ترجموه من أخيلة وأساطير بوضعهم إياها في إطارات لغويّة وصياغتها بأساليبهم الخاصّة؟

حضرت بابل برمزيّتها المتشعّبة الملغزة في أعمال أدباء من الشرق والغرب، ويكون تجيير الرمز لصالح الفكرة المعالجة وفي سياقات مختلفة، الفرنسيّ جاك دريدا مثلاً كتب عملاً بعنوان “أبراج بابل”، وهناك الأميركي مايكل إيرارد كتب “وداعاً بابل” في سياق مختلف. كما استعان أدباء عرب برمزية بابل التاريخية، منهم مثلاً شاكر نوري في يومياته “بطاقة إقامة في برج بابل”، والعراقي خليفة الدليمي في روايته “لعنة برج بابل”..

يتساءل الأرجنتينيّ مانغويل إن كان بالإمكان كسر لعنة بابل من خلال الفنّ، مشيراً إلى أنه تستلزم جميع الكلمات معرفة بالآخر، بقدرة الآخر على الإنصات والفهم، وقراءة وفك الرموز المشتركة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يقوم دون وجود لغة مشتركة. ويشير إلى أنّ الجانب الخفيّ من أسطورة بابل يقر أنّ العيش معاً يتضمن استخدام اللغة كي نبقى معاً، بما أن اللغة وظيفة تستلزم كلا من الإدراك الذاتيّ وإدراك شخص آخر، إدراك أن ثمة أنا تنقل المعلومات إلى أنت كي يقال “هذا ما أنا عليه، هكذا أراك، هذه هي القواعد والضوابط التي تربطنا معاً عبر المكان والزمان”.

ينوّه مانغويل إلى أنّ العلاقة بين الحضارة ولغتها تكافلية، نمط محدّد من المجتمع يولد نمطاً محدّداً من اللغة، وبدورها تملي اللغة القصص التي تلهم، وتصوغ، وتنقل لاحقاً خيال هذا المجتمع وفكره. ويجد أنه ليس من قبيل المصادفة أنّ تعريفات الفرد والجماعة ينبغي أن تشكّل العمود الفقري لقصصنا الأولى. وأنّ القصص ليست مجرّد نتاج تجاربنا المروية من خلال اللغة، بل إنّها أيضاً نتاج اللغة بذاتها، وتعتمد على اللغة المحدّدة التي تروى بها.

لعلّ القول بأنّ الأدباء والفنّانين والمترجمين يسعون إلى كسر لعنة بابل وتبديد سحرها الذي يحول دون اتّحاد البشريّة، ويمهّد لإعادة أفكار تحدّي الآلهة التي لعنت بابل وأهلها، وفرّقت شملهم بحيث يظلّ سوء الفهم سبيلاً إلى إدامة التفرّق والاحتراب، يحمّل هؤلاء أعباء إنقاذ مأمول، وخلاص ما من قيود اللعنة، لكنّه من جانب آخر يدفعهم إلى البحث عن سبل لتعزيز التواصل وترجمة ما يمكن لتجسير فجوات سوء الفهم المتفاقمة. ولعلّ المثير والجميل أنّ اللعنة المتخيّلة تتحوّل في حقول الفنّ والأدب إلى دافع للمعالجة وتوفّر ملاذاً للأدباء والفنانين في رحلات التخييل إلى عوالمهم بحثاً عن الغرائبيّة والسحر والإدهاش.

كاتب سوري

15