"كسكس الجمعة" مقاومة توحّش العولمة بالسخرية

إن وظيفة الفن لا تنحصر في التعريف بالعالم، لكنها تحاول إنتاج نواقصه، ومن ثم الإشارة إلى كيفية تجاوزها. وتفرض قضية العولمة اليوم نفسها لما لها من انعكاسات وآثار خطيرة على الإنسان بمختلف أبعاده التاريخية والحضارية، وهذا ما تطرحه المجموعة القصصية "كسكس الجمعة" للقاص المغربي محمد إدارغة بأسلوب ساخر يغوص في أعماق النفس البشرية ويعرّي واقع العولمة الموحش الذي شيّأ الإنسان وجعل منه فريسة للحاجات الغريزية وللاستهلاك.
السبت 2016/01/23
ضد التشتت والابتلاع

تتعدد مداخل المجموعة القصصية “كسكس الجمعة” للكاتب المغربي محمد إدارغة، وتتنوع، وقد ارتأينا الإطلالة على نصوصها من زاوية الالتهام، كتيمة، رأيناها مهيمنة، إذ تنطلق من العنوان لتعم الأضمومة بأسرها.

فمنذ كلمة “كسكس” الواردة فيه، نجد أنفسنا مقذوفين في عالم يسوده الافتراس، وتهيمن عليه قيمة القوة، لا مجال فيه للضعف، فكل ضعيف هو مشروع طعام يغري بافتراسه، والتهامه.

سلاح السخرية

يرسم لنا القاص محمد إدارغة، عبر جغرافية النصوص، معالم الفتك المبين الحاضر في تلافيف الأضمومة، موظفا معجما دالا عليه، من مرادفات الالتهام، نجد: الابتلاع، الطحن، السحق، التذويب، الأكل، الشرب، التلاشي، والازدراد.

كما يحضر معجم الجسد: الفم، الأطراف، اليد، الشرايين، الأرداف، الأحشاء، الأنف، الأقدام، الأصابع، الصدر، النهد، الرأس، إلخ.

أما عن العناصر المبتلعة، فنجد: الإنسان، الطعام، الماء، الموز، الثمار، البذور، القهوة، الحليب، الكسكس، الدواء، الشاي، الزيتون، الأكباش، الحلوى، الخضر، المال لكونه كالماء يتدفق، إلخ.

المعجم داخل المجموعة القصصية يوظف بحسب السياق والمقامات، فحين تحضر ثيمة الانتخابات، يكون الطعام بشتى أنواعه، صحبة المال، وسيلة لجرّ المنتخبين، وطريقة إغراء للحصول على الأصوات، مما يفرغ المعجم من دلالاته الإيجابية، وحين تحضر ثيمة الجنس، يتم توظيف بعض المفردات للحديث عن التبخيس.

وقد تمت معالجة القضايا المطروحة، وأساسا الالتهام، بروح ساخرة، ونفس ضاحكة؛ فالسخرية عصب معظم هاته النصوص التي تنتشر فيها المفارقة، بالتصريح أو بالتلميح. إذ القصة القصيرة، جوهريا، تقوم على المفارقة، وتنبع من الخلل، هذا الخلل الذي يجسده الخطر المهدد للهوية بالإفراغ، والطحن، والمقصود بالهوية هو تلك الخصوصية التي تميز المغرب عن المشرق وعن الغرب معا، فالكسكس خصوصية مغربية تميزه عن الشرق، والجمعة خصوصية تميزه عن الغرب، من دون أن يعني ذلك الانغلاق أو التشرنق، بل التلاقح الإيجابي.

ونحن إذ نقوم بهاته الرحلة في نصوص إدارغة القصصية، فلإبراز معالم السرد النقدي الساعي إلى تبيين الظلم النازل بالشخصيات الضعيفة والمستغَلة، بفتح الغين، مع إبراز أثر ذلك في التماسك الاجتماعي، وأخطاره على القيم الإيجابية اللاحمة للأفراد والجماعات، مشيرا في الآن ذاته، إلى وسائل العلاج، والمتمثلة أساسا في العنوان.

التلاشي والنسيان

يبعث القاص برسالة مفادها أن العولمة، وإن سعت إلى إفراغ القيم من مضامينها الإيجابية، فإن مقاومتها تمرّ عبر استعادة الجسد المنتهك لمقوماته الصحيحة والصحية، فهي القادرة على حمايته من الابتلاع.

ولأن العولمة/ الأخطبوط لا تقوم هويتها إلا على الابتلاع عبر تحويل العالم إلى بطن فارغ يُطلب باستمرار ملؤه بالضروري وغير الضروري، فإنها تشجع على الاستهلاك، ورفعه إلى مقام الهوية المطلوبة، والمقدس الذي من الواجب الامتثال لطلباته.

القصص تعالج القضايا المطروحة بروح ساخرة ونفس ضاحكة، فالسخرية عصب معظم هاته النصوص

ولا ينجح الابتلاع أو الالتهام إلا بحضور عناصر تخدم هذا الهدف، وتصوغ نجاحه، وتسهل مأمورية فعله، وهاته العناصر هي: تعميم الخرافة/ كما في “بركات التينة المحروسة”، والاعتماد على التزييف، في نص “الحريق”، والتعميم المغلوط، كما هو الحال في “التعميم اتجاه ممنوع”، إضافة إلى التسلط والسلطوية، في نص “الحريق وقرار مهاجر”، والتهميش والإقصاء، في قصة “أضغاث هاربة”، وأخيرا الاستغلال، في “حكاية عليوات مع الطبلاوي أفندي”، وغير ذلك من آليات الإخضاع.

في نص “حكاية عليوات” نجد العلاقة بين الأطراف تقوم على التضاد والتنافر، فهناك اختلاف جليّ بين الطرف المستغِلّ، وبين الطرف المستغَلّ، حيث يسعى الطرف الأول، في ظل هذا التناقض، إلى توظيف كل الآليات التي تمكنه من استغلال الطرف الثاني، باعتماده على آلية الإفراغ والملء، فيفرغه من عناصر مقاومته، ومقومات مناعته، لتسهل عملية ابتلاعه. وعن طريق هذا المخطط يصير العنصر الذي يقع استغلاله طيّعا ولينا، وغير قادر على المواجهة، مادامت أسلحته قد انتُزعت منه، وهكذا يسير مغمض العينين والعقل راضيا.

تطرح المجموعة القصصية “كسكس الجمعة” سلسلة التشويه والمسخ والتطويع والاستغلال، ومن ثم الاستنزاف، التي تقود جميعها في النهاية إلى الابتلاع، ابتلاع الطبقات المسحوقة والضعفاء الذين يتم تذويبهم في قوالب استهلاكية عمياء، ويتجلى ذلك في النصوص التالية، ولو بأشكال مختلفة:

ففي نص “الكسكس”، نجد إفراغا للشخوص من البعد الاجتماعي، وتحويلهم إلى طقس فلكلوري فرجوي، يحقق متعة الأكل، من دون حمل لقيمته الإيجابية الكبرى. أو تحويله إلى طقس انتخابي احتفالي فارغ من قيمته التضامنية، لأنه يصبح في مثل هاته المواسم بمثابة حفل خاص يجني المترشح مزاياه، ويستثمر أبعاده لصالحه الخاص، أي ينقله من الجمعي إلى الفردي، حيث نلاحظ من خلال حصده للأصوات ابتلاعا لها، بمعنى ابتلاع المصوتين، وبذلك ينتفخ كتلك الحفرة الممتلئة بكل الهوام.

أما قصة “قرار مهاجر” فنجد القاص محمد إدارغة يفرغ المهاجر من مقاومته، وهو الذي تغرب محصّنا بثقافته، بغاية تحسين أوضاعه، فقد تمّ تدجينه بالمال، وسلب إرادته وكرامته، نعم.. فصار ذائبا في الحاجات السطحية، غير قادر على المواجهة.

ونجد في قصة “الحفرة” نحتا في هذا الشيء وإفراغها من تربتها، وهو العنصر الأساس المشكّل لهويتها، لملئها بما يتضادّ معها، أي بكل العناصر المشوهة لها، بحيث تصير هجينة لا تنفع بقدر ما تضرّ، إنها حفرة تتحوّل إلى فم مفتوح يهدّد سلامة الناس.

يمكن القول كنتيجة، إن فعل الاستبدال هو ردّ فعل طبيعي للوعي الفردي بمأساة الجماعة، حين تسلّم بتعاليم بشرية تهمش الفرد وتقصي الفكر، وتؤذن بانفصال الذات عن أصلها الاجتماعي، من هنا تأتي الشجاعة بصبغتها الإنسانية، كصفة يتحلى بها الفرد للخلاص من هذا المأزق، وللدفاع عن الحقوق التي سلبتها العولمة.

لقد استطاعت نصوص المجموعة أن تعيد الإنسان إلى كينونته وهويته، وتكشف الثيمات والأبعاد المختلفة للهوية الروحية، وتحافظ عليها من التشتت والنسيان والتلاشي والابتلاع، لأنها تسبر أغوار الكائن البشري، وتؤسس لنوع من المعرفة الوجودية بأبعاد الوجود المجهولة، في ظل الهجمة الشرسة للعولمة الساعية إلى محو كل أشكال الهوية لصالح التنميط.

17