كسكس وروليكس وأكورديون.. قائمة التراث الإنساني تبتعد عن الصروح وتلامس حياة الناس

عناصر جديدة انضمت إلى قائمة التراث اللامادي لليونسكو منها الكُسكُس وهو وجبة أمازيغية تشترك فيها الدول المغاربية إضافة إلى سباق الهجن وهو تراث خليجي يتعلق بالإبل.
الجمعة 2020/12/18
الصيد واحد والطرق تختلف

يجمع التراث اللامادي شعوب العالم، لكنه يميزها عن بعضها. فهذا الاختلاف لا يفرّق بينها بل يطوّر المهارات الثقافية لخدمة البشرية، التي تحولت إلى عصر التكنولوجيا المتطورة. فالتراث المادي واللامادي يؤرخ لمراحل تطور البشرية وارتقائها من العيش البسيط إلى عصر السيارات والطائرات والإنترنت.

باريس- أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مجموعة من العناصر الجديدة في قائمة التراث الثقافي غير المادي من بينها طبق الكُسكُس المغاربي، وطريقة الصيد بالشرفية في تونس، والسّدو الذي قدمته السعودية والكويت، والنسيج اليدوي المصري، وسباق الهجن في الإمارات وسلطنة عمان، وموسيقى الشامامي الأرجنتينية، وصناعة الساعات والميكانيكا الفنية الذي قدمته سويسرا وفرنسا.

جاء ذلك خلال الاجتماع السنوي للجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي المنعقد في جاميكا عبر الإنترنت، والذي انطلق يوم 14 ديسمبر الجاري ويستمر إلى غاية 19 ديسمبر من نفس الشهر.

وتتمثل مهام اللجنة الحكومية الدولية لحماية التراث الثقافي اللامادي في النهوض بأهداف اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي والطبيعي، وإسداء النصائح حول التطبيقات الفضلى، وإصدار توصيات حول تدابير حماية التراث الثقافي اللامادي.

وجبة أمازيغية

مهارات مختلفة تجمع الشعوب
مهارات مختلفة تجمع الشعوب

من أبرز العناصر التي انضمت إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو هذا العام هي الوجبة الأمازيغية التي تشترك فيها الدول المغاربية وكل ما يتعلق بـ”المهارات والخبرة والممارسات المتعلقة بإنتاج واستهلاك الكُسكُس”، وهو ملف مشترك تقدمت به الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس، حيث يختزل هذا الطبق المغاربي تاريخا عريقا لمنطقة شمال أفريقيا، ومن أبرز مكوناته حبوب القمح أو الشعير التي يتم إعدادها وتحويلها إلى حبيبات صغيرة، وهو ليس فقط أكلة أمازيغية تتوارثها الأجيال، بقدر ما هو مفهوم ثقافي شعبي بامتياز، يرتبط بالكثير من الطقوس منها أيام الراحة والأفراح وحتى الأحزان، فهذا الطبق أساسي لاجتماع العائلة في البلدان المغاربية.

وعبرت الدول الأربع عن “سعادتها” الأربعاء و”فخرها” بهذا الاعتراف الثقافي، خلال احتفالية رسمية نقلها موقع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب العربي الخبر بسرعة، معبرين عن اعتزازهم وفخرهم بالطبق الملكي الشهير، بالإضافة إلى السخرية من بعض الفرنسيين الذين حاولوا نسب الطبق إليهم.

وحاول فرنسيون حشر أنفسهم في المناسبة من خلال اعتبار الكسكس “من أصل فرنسي”، في وقت سخر فيه مغاربيو المهجر من استخدام مكونات غريبة، مثل النقانق، في الكسكس في مطاعم فرنسا. وكتبت ريمي فاسول “يجب التحديد، الكسكس الفرنسي هو الأفضل”، وأيّدها غوت “أفضل أنواع الكسكس هو الفرنسي”.

أدرجت اليونسكو أخيرا الشامامي في قائمة التراث غير المادي للبشرية، والشامامي موسيقى ورقصة تقليدية في شمال الأرجنتين

ولا يشمل الملف أي وصفة محددة لإعداد الطبق، في ما يبدو تجنبا للخلافات بين الدول. ويحضر الكسكس في جميع المناسبات العائلية، وتستعمل مكونات كثيرة مختلفة في تحضيره.

وأدرجت اليونسكو طريقة صيد الأسماك المعروفة باسم “الشرفية” في جزيرة قرقنة من محافظة صفاقس جنوب تونس، ضمن التراث اللامادي الإنساني. والشرفية وسيلة صيد تقليدية يتم عبرها تشكيل مصائد ثابتة في البحر وتبنى بسعف النخيل.

وتمثل الشرفية مند قرون قطعة من البحر ومصيدة في آن واحد، وهي ملك عقاري وتنعت بأسماء ولها حدود ومنافع، تسلم وتباع وتشترى ككل الأملاك العقارية، فهي قطعة بحرية قارة ويختلف بناؤها باختلاف الموقع والمساحة والتيار المائي.

وبصفة عامة، يقام جدار أساسي من جريد النخل عمودي الاتجاه يسمى “مرسيه” أو “ارجل”، ويكون انطلاقه من ساقية أو واد أو بحيرة؛ أي أماكن أكثر عمقا في البحر. ويقابل الجدار الأول جدار ثان يسمى “خراج”، ثم جدار ثالث يسمى “رداد”، فيجبر الأسماك على الدخول للزريبة، ومنها إلى “الدار” ومن الدار إلى الحجرات، ثم إلى الفتحات وأخيرا إلى الدرينة، وهي مصنوعة من الحصر أين تتجمع الأسماك.

وصيد “الشرافي” في جزيرة قرقنة التونسية في الجنوب الشرقي ليس مجرّد تقنية تقليدية لصيد سمك ذي جودة رفيعة، بل يتجاوز ذلك ليعتبر موروثا ثقافيا ضاربا في عمق تاريخ الجزيرة، وميزة تطبع المنطقة التي لا يتوانى أهاليها عن التعبير عن ارتباطهم بهذا التراث.

تراث خليجي

التراث هوية المجتمعات
التراث هوية المجتمعات

من بين الأنشطة الثقافية والتراثية التي دخلت القائمة كذلك، نجد “سباق الهجن والعادات الاجتماعية والتراث الاحتفالي المتعلق بالإبل” وهو ملف مشترك أيضا تقدمت به الإمارات وسلطنة عمان.

وكشفت دائرة الثقافة والسياحة-أبوظبي عن إدراج ملف الأفلاج المقدم باسم دولة الإمارات، بقائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو. وأضافت أنه تم إدراج ملف سباق الهجن المشترك بين دولة الإمارات وسلطنة عمان في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي.

وتعد الأفلاج، من التقاليد الشفهية والمعارف والمهارات المتعلقة بتشييد وصون نظام شبكة الري التقليديّة في دولة الإمارات، بهدف ضمان التوزيع العادل للمياه، في حين يعتبر سباق الهجن تراثا احتفاليا، وممارسة اجتماعية مرتبطة بالإبل، جرى إدراجه باسم دولة الإمارات وسلطنة عُمان الشقيقة.

وبناء على ملف مشترك من السعودية والكويت، أدرجت اللجنة “حياكة نسيج السدو التقليدية” للقائمة. ويعد السّدو من الحرف التي يشتهر بها أهل البادية في المناطق الشحيحة للموارد الطبيعية في شبة الجزيرة العربية، ويستخدم في حياكة هذا النسيج البدوي التقليدي وبر الإبل وشعر الماعز وصوف الأغنام، ويصنع منه البطّانيات والسجاد والوسائد والخيام وزينة رِحال الإبل. يحتل السّدو مكانة خاصة لدى البدو حيث يُعد من أبرز الحرف التي تلعب دورا أساسيا في الحياة البدوية ومثالا ملموسا يعكس مدى براعتهم وقدرتهم على التكيف مع بيئتهم الطبيعية.

كما قبلت اللجنة “النسيج اليدوي” في مصر العليا (الصعيد)، وتعتبر هذه الحرفة من الصناعات البيئية التي تستخدم الصوف النقي والطبيعي الذي يعتمد في تصنيعه في أغلب بلدان العالم على الخامات المحلية المتوفرة في كل بلد، حيث تتم صناعته وفق رسومات وصور ونقوش يبدع فيها الحرفي، فيصنع من خياله نسيجا تجتمع فيه الألوان والصور.

اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي نظرت خلال اجتماعها أيضا في أربعة ترشيحات جديدة للانضمام إلى قائمة العناصر التي "تحتاج إلى صون عاجل"

وأدرجت اليونسكو أخيرا الشامامي في قائمة التراث غير المادي للبشرية، والشامامي موسيقى ورقصة تقليدية في شمال الأرجنتين. وتعقيبا على هذا القرار قال وزير الثقافة الأرجنتيني تريستان باور في بيان له “إنه يوم فرح واحتفال لكلّ محبّي الشامامي”.

والشامامي القائمة على عزف الأكورديون والغيتار، هي الموسيقى المصاحبة تقليديا للفعاليات الاحتفالية والدينية في منطقة كوريينتيس (شمال شرق الأرجنتين).وقد أبصر هذا النمط الموسيقي الشعبي الذي يتمايل الأزواج على أنغامه النور في أواخر القرن التاسع عشر، نتيجة انصهار ألحان إثنية غواراني الأصلية بموسيقى المهاجرين الأوروبيين.

وتصدح ألحان الشامامي أيضا في بعض المناطق الحدودية في البرازيل وباراغواي وأوروغواي. ومن أشهر موسيقييها، راوول باربوسا ورامونا غالارسا وتيريزا بارودي. وقال غابرييل روميرو رئيس المعهد الثقافي الإقليمي في كوريينتيس إن “الشامامي تحمل رسالة أخوّة واندماح وتوحّدنا مع مناطق في البرازيل وباراغواي وأوروغواي. إنه تراث حيّ يجمعنا ويعرّف بنا”.

وإضافة إلى الموسيقى والرقص الأرجنتيني، أدرجت اليونسكو فنّ “المعارف والمهارات المتعلقة بموسيقى إيخان” المتوارثة عن الأجداد في ناميبيا، كما أدرجت فن “المنمنمات” (الرسم التصغيري) التركي، ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي حول العالم. و”المنمنمات”، هو فن توشيح النصوص بواسطة التصاوير أو الرسوم التوضيحية المصغرة، ويعتبر أحد أهم فروع الفن الإسلامي الذي اشتهر بشكل خاص لدى العرب والفرس والعثمانيين.

الساعات السويسرية

صناعة تشكّل الساعات اليوم ثالث أكبر قطاع تصدير في سويسرا
صناعة تشكّل الساعات اليوم ثالث أكبر قطاع تصدير في سويسرا

أضافت اليونسكو صناعة الساعات والميكانيكا الفنية اللتين تتميز بهما سويسرا ومدينة بيزانسون الفرنسية، إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية. وعلّق المكتب الفيدرالي للثقافة في برن (وزارة الثقافة) على قرار اليونسكو قائلا إن فيه إقرارا بأهمية هذه المهنة التي يتقاطع عندها “العلم والفن والتقنية”.

واعتبر المكتب في بيانه أن “هذا الإدراج يسلط الضوء على تقليد حي يشكل ميزة” المنطقة الحدودية الفرنسية السويسرية التي يضم عدد من مدنها وبلداتها شركات ومدارس ومتاحف وجمعيات تُبرز المهارات اليدوية التقليدية والابتكارية في آن واحد وتنقلها من جيل إلى آخر.

وكانت سويسرا قدمت طلب ضم هذه المهنة إلى القائمة في مارس 2019 بالتعاون مع فرنسا، واعتبرته اليونسكو “نموذجيا” لتسليط الضوء على تراث ثقافي ضمن مساحة عابرة للحدود، وفق وزارة الثقافة السويسرية.

القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية تضم 463 عنصرا، وهي تهدف إلى إبراز مهارات المجتمعات المحلية

ويشمل الفن الميكانيكي صناديق الموسيقى وآلات أخرى ترتبط ارتباطا وثيقا بمهن صناعة الساعات. ويعمل في هذا القطاع في سويسرا نحو 57500 شخص، وفقا لاتحاد أرباب العمل في مجال صناعة الساعات.

ويعتمد تصنيع الساعات على مجموعة واسعة من المهن، بما في ذلك صناعة المينا والميكانيكا الدقيقة، وأدوات التلميع، وصناعة الأحجار الكريمة. ويتعاون العاملون في هذه المجالات مع صانع الساعات، المسؤول عن تجميع كل الأجزاء، وتركيب العقارب والقرص وإجراء التعديلات النهائية.

وتأسست صناعة الساعات في سويسرا في منتصف القرن السادس عشر في جنيف، حيث لجأ العديد من البروتستانت الفرنسيين والإيطاليين. وفي العام 1541، حظر الإصلاحي البروتستانتي الفرنسي المقيم في جنيف جان كالفان وضع الأشياء الزخرفية، مما أجبر صائغي الذهب والمجوهرات على التحول إلى فن آخر وهو فن صناعة الساعات، وفق ما يروي اتحاد صناعة الساعات السويسري على موقعه الإلكتروني.

وتشكّل صناعة الساعات اليوم ثالث أكبر قطاع تصدير في سويسرا. وفي عام 2019، بلغت صادرات الساعات السويسرية 21.7 مليار فرنك سويسري (20.1 مليار يورو وفق سعر الصرف الحالي). وتضم القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية 463 عنصرا وهي تهدف إلى إبراز التقاليد الثقافية والمهارات التي تمتلكها المجتمعات المحلية.

وذكر موقع اليونسكو أن اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي نظرت خلال اجتماعها أيضا في أربعة ترشيحات جديدة للانضمام إلى قائمة العناصر التي “تحتاج إلى صون عاجل”.

20