كسل رجال الدين وصمتهم

الأحد 2014/08/03

أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز صيحة زعيم عربي مستنهضا همم الشيوخ والنافذين في المجال الديني، لنفض الغبار عن مواقفهم العائمة، والتي لا تتفاعل لتكون على مستوى الأحداث الراهنة، خصوصا في ما يتعلق بالإرهاب وتنامي قوته وشروره في المنطقة.

في إطار الصراع السياسي في المنطقة اعتبرت مؤسسات وتيارات دينية نفسها في تنافس مع الأنظمة، وقامت بأدوار لا تليق بمن يتحدث باسم الدين، حتى أصبحت أقرب إلى أحزاب سياسية منها إلى مؤسسات مهمتها توفير العمل الدعوي ونشر التثقيف الديني والأخلاقي للناشئة، لكنها بدلا من ذلك تورطت في دخول عش الدبابير السياسي.

لا يليق برجل دين أن يمارس العمل الذي يحتاج إلى المراوحة والكرّ والفرّ، وممارسة عمله ضمن خطط تكتيكية تهدف إلى تحقيق منجزات نفعية وبراغماتية بحتة، وسباق للحصول على مواقع السلطة، والإمساك بتلابيب القوى المتنفذة في المجتمع.

أصبح رجل الدين قائد حزب سياسي يلف ويداور ويناور ويكذب متجمّلا، ويواجه غيره بسلاح التشهير والكذب والقذف والسب، حتى وصل به الحال إلى أن يلبس عمامة الدين وهو ينحر الرؤوس ويجزها كجزار بين يديه ماعز.

تدهور الوضع الدعوي، وتهاوي رجالات الدين الذين حشروا أنفسهم في أتون العمل السياسي، أديا بالكثير منهم إما إلى الصمت خوفا من التردي في مهاوي العفن السياسي، أو إلى المساهمة في أعمال تقود إلى نقطة هي فيصل في الموقف السياسي فإما أن يكون مع مؤسسة سياسية يعد نفسه منافسا لها في القوة، أو أن يقف ضدها، فيوغل في دنس المناورات السياسية.

يقول البعض: كيف يمكن لرجل الدين أن يتحدث ويصوغ له موقفا ضد الإرهاب، وأنت تطالبه بأن لا يتدخل في السياسة؟ والإجابة هي أن لرجل الدين موقفا ينبع من سماحة الدين لا من الترهيب، ومن دوره الإيجابي في إطار نهضة المجتمع، لا في إطار النشاط السياسي البحت. لا أحد يطلب من رجل الدين أن يتجمّد فلا يتفاعل مع قضايا مجتمعه، لكن عليه أن لا يكون ناشطا سياسيا يتقلب بين ساحات معارك السياسة وجدلها.

على رجل الدين أن يحمي المجتمع ويحمي الدين بترويج قيم التسامح والتفاهم والحوار لا الترويج للعنف والحض على الكراهية ونشر قيم الحقد.

صمت رجال الدين من العلماء، وكسلهم، وهم الذين كتب عليهم حماية بيضة الدين، أمر لا يجب السكوت عنه، وقد شرع بعضهم في الصمت عن ظهور أفاعيل وتوجهات بدأت تنتشر وترسخ لتعطي صورة مخالفة لحقيقة الإسلام مفادها أنه دين عنف وكراهية.

وهذا الكسل عن التصدي لما يحيق بالدين له مسببات أولها الخوف من مواجهة تيارات التكفير والإرهاب، وثانيها عدم التوافق مع سياسة الدولة، مقابل الرضوخ لأفكار وقيم يروجها الإرهابيون، فضلا عن الجهل بحقيقة المخاطر الناشئة التي تحيط بالبلاد والعباد.

وفي ظننا أن على رجل الدين أن يجيب عن سؤال مهم: هل له دور في حماية الدين والمتدينين، انطلاقا من كونه عنصرا اجتماعيا ميزانه الحكمة والمصلحة العامة، أم هو جزء من تنظيم سياسي يتلبّس الدين هدفه الوصول إلى الحكم والهيمنة على المجتمع من خلال الدين.

يتهم مفكرون غربيون الإسلام بأنه دين جذوره ممتدة في تربة العنف، ويستشهدون بالأفعال التي تقوم بها عصابات كداعش والقاعدة والنصرة، وغيرها. لم يعد خافيا أن أجهزة المخابرات المعادية للعرب تخترق هذه العصابات، بل وتديرها بطرق مباشرة وغير مباشرة، حيث يجري تحريكها بخيوط شتى، من بعيد ومن قريب، لصالح المخططات والمشروعات التي تنال، في نهاية الأمر، من مكانة العرب وحاضرهم ومستقبلهم.

والغريب أنه في ظل حالة همجية وبدائية مصحوبة بعودة إلى قيم إنسان الغاب، تعبر عنها موجة عارمة من الصور والفيديوهات التي تصور سحل البشر في الشوارع أحياء، وجز أعناق الأبرياء، يصمت من كان عليه الوقوف في مقدمة المتصدّين لهذه الهجمة الهمجية. الشيخ والعالم الرباني هو من عليه أن يتقدم الجموع للدفاع عن صورة الإسلام والمسلمين، لا أن ينزوي صامتا متكاسلا عن القيام بدوره، ولو استمر الحال على هذا التهاون والقعود عن القيام بالدور المنتظر من أهل الحكمة والعقل، فسيجد رجال الدين أنفسهم في حال يشبه حال أقرانهم في عهود النهضة الأوروبية.

كرة الثلج التي تكبر يوما بعد يوم، وقد تكورت من خليط أساسه النفور من بعض رجال الدين، والاتهامات التي تنال منهم على أنهم يناصرون الإرهاب، تستدعي من هؤلاء أن ينهضوا لحماية دورهم التاريخي، كمرجع عاقل حكيم سديد الرأي متنبه لمصلحة المجتمع، لا أن يبقوا على ما هم عليه من سباق محموم للسيطرة على عقول البشر وتصرفاتهم، وإخضاعهم لخدمة مصالحهم الدنيوية.

على المؤسسات الدينية إعادة تحديد دورها في المجتمع، عليها أن تصبح جزءا من العمل الاجتماعي الوطني لزرع بذور التسامح واللاّعنف في المجتمع، وأن تتولى دورها بجدارة، كما عليها أن لا تخلط بين دورها الدعوي، وتجاوز مساحات عملها، إلى عمل سياسي تنافسي. الدين مرجع للبشر وليس حزبا سياسيا يراهن على أدوات براغماتية نفعية تنفّر ولا تقرّب بين فئات المجتمع وأطرافه المختلفة.

الصمت والكسل يجب أن تتم إزاحتهما جانبا من عقل رجل الدين، فهو ليس أمام مصلحة الوطن وحسب، بل ومصلحة المتدينين المتسامحين أنفسهم الراغبين في عبادة ربهم، من دون دماء تلوّث أيديهم. ولو استمر الصمت والكسل اللذان نشير إليهما، سيجد رجال الدين أنفسهم، وعلى الرغم من سماحتهم، في مصيدة النفور المجتمعي والتخوف الوطني من دورهم، فداعش، ومن ورائها مخابرات معادية، تنشط اليوم بصورة محمومة لتدمير علاقة الدين بالمتدين، ورجل الدين بالمواطن البسيط.

الحكمة، أيها العقلاء، هي في النهوض إلى المهمات لإنقاذ المجتمع والدين معا.

3