كسّاب والحضيف وريالات الجار

الخميس 2014/02/27

من الأساليب التي درج عليها مسوّقو الأجندات السريّة طيلة التاريخ البشري أن تُطلق المعلومة المغلوطة أو الخبر الكاذب والذي لا يقوى على إثبات وجوده الهش ثم يُتبَع ذلك بحشد مجموعة من الأتباع ليقوموا بترويج ذلك الكذب وتناقله وإعادة تكراره بين العامة حتى يظهر بمظهر الخبر الـمُجمَع عليه وغير المشكوك في صدقه، مستغلين في ذلك سذاجة العامة وسرعة تقبلهم للأخبار التي يسمعونها كثيرا أو التي تثير فضولهم وكأنها تكشف سِرّاً دفينا لا يعرفه إلا الخاصة من البشر.

هذا السياق وَجد له أرضا خصبة مع ظهور ما يسمى بوسائل الاتصال الاجتماعي حيث تتطاير المعلومة صادقة كانت أم كاذبة بسرعة البرق بين الملايين من البشر بمجرد كبسة زر، ولأن الحقيقة في الغالب معتادة ومعهودة ومتوقعة، فإن الكثيرين يبحثون عن “الأكشن” وذلك الخبر الذي يحمل زخماً كبيراً من ادّعاء السريّة وكشف المستور، وكم تبدو لهم جذّابة جملة “أفادتنا مصادرنا الخاصة” والتي لا يتساءلون إطلاقاً عن ماهيتها أو حقيقة وجودها فضلاً عن مصداقيتها وموثوقية ما يأتي من طرفها، فالقضية هنا ليست بحثاً عن حقيقة، فالحقيقة نحياها ونعيش تفاصيلها كل ثانية ولا ينكر ذلك إلا مختل الذهن، بل كل البحث عن الإثارة والسياق المناقض للمعهود من الأحداث والانغماس حتى النخاع في نظرية التفسير التآمري للأحداث والتي استغلتها شر استغلال حُفنةٌ من أشباه المثقفين لأهداف عدّة مما لا يجرؤ على الوقوف في ضوء الشمس.

هذه الحفنة من الكُتّاب وأبطال تويتر الورقيين لم يجمعوا إلا على محاربة الإمارات، واستهداف رموزها الوطنية، وتراصّوا جميعاً ليأتوا صفاً وفي زمن واحد، ورغم اختلاف سُحنات الوجوه إلا أن قلوبهم تشابهت في التوجّه وأقلامهم وشاشاتهم اتفقت على جلب خيلهم ورجلهم وإطلاق مخيلاتهم لنشر الأكاذيب التي يخجل منها الكذب نفسه عن إخوة لهم، ذنبهم الوحيد أنهم لم يسمحوا لفئةٍ- “تمون” على هؤلاء الكتّاب ويسيرون في ركابها ويؤمنون بخطّها وتوجهها النشاز- بأن تعيث فساداً في أراضيها، فثارت ثائرة هؤلاء وسلّوا سيوفهم الوهمية وملأ غثاؤهم الأرجاء، فحيثما قرأت في تويتر وجدت شيئاً من إفكهم وعفنهم الذي يعيد نشره أتباعهم من الأفّاقين والمطبلين للدجل، ولو بحثت في ما يكتبون لما وجدت أمراً يفيد باحثاً عن معلومة أو يؤلف بين قلوبٍ مختلفة أو ينافح عن حقٍ ضائع أو يرد ظلماً واقع.

هؤلاء المتكسبون من الكتّاب على تيارهم الشاذ عن خط المجتمعات الخليجية الطيبة، ما يزيد جذوة اشتعال إفكهم وأكاذيبهم هو “ريالات” دولةٍ ذات تخبّط واضح ورؤية منتكسة، فهي بعد أن “عاشت الدور” بأنها لاعب رئيسي في مسرح السياسة الإقليمية والدولية، وراهنت كثيراً على خطٍ ظنّوه هو الرابح لا محالة في تبوء سُدّة الحكم في العديد من الدول العربية التي اجتاحتها ثورات الجياع والمقهورين ليسرقوا ثوراتهم على حين غرّة، صَحَت على كابوسٍ هائل بعد أن وجدت نفسها وحيدةً ممقوتة السلوك ممجوجة الفكر مكروهة الجانب من شقيقاتها الخليجيات، وأكثر ما أصابها بالجنون هو الاكتساح المذهل للأجندة السياسية الناضجة لدولة الإمارات، وتقبّلها من سائر الأطياف الشعبية في تلك البلدان، ومباركتها من القوى السياسية العظمى، فكان الوجع أكثر إيلاماً والصدمة مضاعفة لتلك الدولة التي لم يكن لديها لبنٌ أصلاً لكي تسكبه ثم تبكي عليه، بل لم يكن لديها إلا النزق الصبياني والمزاجيات المتقلبة والتي لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تقف ولو للحظات في معتركٍ صعب المراس شديد التعقيد كعالم السياسة.

لهذا لم أستغرب شخصياً ظهور كساب العتيبي ومحمد الحضيف وعبدالله العذبة وأمثالهم من اللاهثين وراء “ريالات” تلك الدولة، والذين لا يبالون باختلاق الأكاذيب وتحوير الحقائق حتى تتناسب مع ما يدندنون به ليل نهار، ولا يملّون- فوق أنهم لا يخجلون- من تركيب الصور وتعديلها حتى يتم إيهام من يقرأ لهم بصحة ما ينثرون من غثاء وبذاءة، مترصدين في أغلب ما يكتبون لرمزٍ إماراتي أقضّ مضاجعهم هم ومن يدفع لهم، تلك الجماهيرية الهائلة التي يحظى بها والفطنة السياسية المدهشة التي أظهرها في أحداث الربيع العربي وما تلاه، والقفزة الحضارية الكبيرة التي ساهم فيها بيدٍ سابقة في دولتنا وارفة الظلال حفظها الله تعالى، خطّط فكان البارع، وقال فأجاد و”طال”، وتغاضى عن همجية الكثيرين من الصغار لا لشيء إلا لكون الكبار لا يفتخرون بالانتصار في معارك الصغار، فلكل مقام ما يليق به ولكل شخصٍ ميدانه ومسرحه الذي يبرع فيه.

فالعظماء يأمّون القمم الشامخة أمّا الصغار فلن تجدهم إلا منحشرين خلف شاشاتهم في غرف مظلمةٍ يحاولون تغطية عُقد النقص التي يعانون منهم هم ومن وراءهم بمزيد من الكذب والدجل وتلفيق الشائعات ثم البحث عن مطبليهم من جديد لينشروها أكثر علّها تجد آذاناً صاغية، آملين في قرارة أنفسهم أن لا يستعمل من يقرأها عقله حتى لا يستبين كذبها وتلفيقها ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.


كاتب إماراتي

8