كشف أرقام الفساد يثير هلع الأوساط الاقتصادية المصرية

اتسع الجدل في الأوساط الاقتصادية المصرية، بعد أن كشف رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة بأن حجم الفساد بمصر يصل إلى نحو 77 مليار دولار، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة، ومخاوف من انحدار الثقة بالاقتصاد المصري.
الأربعاء 2016/01/06
مشاريع كبيرة وعراقيل أكبر

القاهرة - قال خبراء اقتصاديون لـ”العرب” إن ذلك يكشف حقائق حجم الفساد في أجهزة الدولة المصرية، ويمكن أن تؤدي إلى انحدار تصنيف مصر في مؤشر الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، ويمكن أن يؤدي إلى عواقب خطيرة.

وتحتل مصر المرتبة الـ94 في المؤشر من إجمالي 175 دولة وفقا لتصنيف عام 2014، وهو مركز متدن نسبيا ولا يبعث على الثقة بالاقتصاد المصري.

وأدت التصريحات المتضاربة حول حجم الفساد، والتي أتت تارة على أنها خاصة بالعام 2015، وأخرى على أنها متوسط مجمع للأعوام الأربعة السابقة إلى تدخل رئاسة الجمهورية لمعرفة حقيقة الأمر.

وكشف رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أن تقديرات الجهاز لحجم الفساد جاءت بناء على تكليف من وزارة التخطيط بإعداد دراسة حول حجم الفساد في البلاد.

وطلب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي تشكيل لجنة برئاسة رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وعضوية وزارات التخطيط والمالية والداخلية والعدل، والجهاز المركزي للمحاسبات، لتقصي الحقائق حول التصريحات.

حسام هيبة: لجنة لتقصي الحقائق وطمأنة المستثمرين بعد فقدان الثقة بالبيانات الحكومية

وقال بيان لرئاسة الجمهورية إن اللجنة ستعد تقريرا يعرض للرأي العام نتائج أعمالها في إطار من الشفافية الكاملة.

وتعد مؤشرات الفساد من أهم محددات جذب الاستثمار في الدول، حيث يعني انتشار الفساد زيادة المصروفات غير الرسمية في صيغة رشاوى وعمولات غير شرعية.

وأكد جمال بيومي أمين عام اتحاد المستثمرين العرب، أن تصريح رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، غير موفق و”خانه” التعبير. وأشار إلى أن موقع مصر في مؤشر الشفافية الدولية تحسن بنحو 4 درجات على مؤشر الفساد 2014.

وأضاف لـ”العرب” أن الفساد ليس بالضرورة منح الرشاوى أو الاختلاس، بل إن تعطيل مصالح الناس هو أحد أهم مظاهر الفساد. وأشار إلى أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يعكس مدى حساسية التعامل مع قضايا الفساد.

وقال إن مصر وقعت على اتفاقية مكافحة الفساد الدولية، وتستعد حاليا لمراجعة الاتفاقية مع شركائها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لكن محمد البهي رئيس لجنة التكامل والاستثمار العربي باتحاد الصناعات المصرية أكد لـ”العرب” أن مستثمرين عبروا له عن قلقهم بعد تصريحات جنينة.

وأشار إلى أن مصر لديها أجندة استثمارية كبيرة وتعمل على تسويقها خارجيا، وأن الحديث عن الفساد في هذا التوقيت يعيق الترويج للاستثمارات، رغم أن التصريحات لم تكشف عن قضايا فساد محددة.

وقال حسام هيبة عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للاستثمار المباشر لـ”العرب” إن تقديرات حجم الفساد تثير الدهشة، ولم تحدد ما إذا كانت تتعلق بالعام الماضي أم الأعوام الأربعة الماضية. وأكد أنها تثير مخاوف المستثمرين، لأنها صادرة عن مسؤول عن تدقيق الحسابات المصرية.

محمد البهي: تأثيرات سلبية على مناخ الاستثمار المصري والقلق يطارد رجال الأعمال

وأكد الجهاز المركزي للمحاسبات تضارب الآراء حين قال إن تصريحات جنينة، تخص الفترة من عام 2012 إلى 2015 بعد يوم من نشر التصريحات. وقد تسبب ذلك في تزايد الشكوك حول مصداقية البيانات والإحصاءات الحكومية.

وتوقع محمد رضا المدير التنفيذي لمجموعة سوليدير للاستثمارات المالية أن تؤثر التصريحات سلبا على معدلات الاستثمار الأجنبي في مصر.

وقال لـ “العرب” إن إدراك المستثمرين لحجم الفساد سيزيد مخاوفهم من دفع رسوم بشكل غير قانوني لتيسير أعمالهم وسيؤثر ذلك على تصنيف مصر على مؤشرات الفساد العالمية.

وذكر الخبير الاقتصادي محمد دشناوي لـ”العرب” إن التصريحات تؤكد أن الفساد بمصر أمر واقع.

ويؤكد مؤشر الشفافية أن الكثير من الدول تمكنت من رفع تصنيفها بعد اتخاذ إجراءات صارمة لمحاربة الفساد، ودعم الشفافية وإجراءات الحوكمة.

وتمكنت ماليزيا من التقدم إلى المركز الـ50 في مؤشر مكافحة الفساد بعد أن أصدرت قانونا لحماية المبلغين عن الفساد من الوقوع تحت طائلة القانون، وألزمت جميع الوزراء والمسؤولين بالإعلان عن ذممهم المالية.

محمد رضا: توقعات بتراجع معدلات الاستثمار الأجنبي المباشر نتيجة إعلان تقديرات الفساد

وأصبحت سنغافورة خلال 3 عقود بين أقل الدول فسادا في العالم بحسب منظمة الشفافية الدولية، واحتلت المرتبة الخامسة بعد نيوزلندا والدانمارك وفنلندا والسويد.

وطبقت نظم وسياسات الوقاية من الفساد على نطاق واسع، منها الفصل بين الوزارات وإدارة التنفيذ.

وقامت بزيادة مرتبات موظفي الدولة لتوفير مستوى حياة كريمة، لتحصينهم الوقوع في الفساد، وتوسعت في تقديم الخدمات بالطرق الإلكترونية، لتقليل احتكاك المواطنين والمستثمرين بالموظفين.

وتعد الولايات المتحدة من أوائل دول العالم في مكافحة الفساد والرشوة وتحتل المركز الـ17 عالميا، بالاعتماد على آليات تقديم الشكاوى لتفعيل النزاهة ومقاومة الفساد.

وتبنت مبادرة تم تطبيقها في المعاملات الائتمانية عرفت باسم قانون الممارسات الأجنبية وهي منظومة يتم تطبيقها في جميع المعاملات الائتمانية مع باقي دول العالم.

ويرى مراقبون أن رحلة الحكومة المصرية لمحاربة الفساد ستكون شاقة وطويلة بسبب ترهل الأجهزة الإدارية للدولة وتعقيد الإجراءات البيروقراطية التي تتطلبها معاملات المواطنين والمستثمرين، بسبب تعدد وتضارب صلاحيات الأجهزة الحكومية.

وحاولت الحكومة مرارا تقليص الروتين والبيروقراطية، لكن إجراءاتها تعرضت للانتقادات بسبب التسريع في إصدار القرارات الارتجالية، دون دراسة سبل تنفيذها على أرض الواقع.

11