كشف النقاب عن أوهام النقاب

الثلاثاء 2017/10/03
نشاز واضح

باستحضار مجمل الجوانب الفنية والتقنية والقانونية، وكذلك باعتبار معظم الأبعاد الدينية والفقهية والتراثية، دعني أقرّ بادئ الأمر بأني لا أحبذ الكلام عن كلمات من قبيل النقاب والبرقع والخمار ونحو ذلك من الدلالات الاصطلاحية التي ما أنزل الله بها من سلطان. كما أن الأمر هذه المرة لا يتعلق بالرموز الدينية -بخلاف النقاش الفرنسي حول الحجاب مثلا عام 2004 - ولا هو يتعلق بالبوركيني -المسمى أحيانا بالمـايوه الشرعي- كما حدث في بعـض الشـواطئ الفـرنسية العام المـاضي، ولأجـل ذلك، وبما أن النقاش يختلف هذه المرة اختـلافا بينـا لا لبس فيه، ولا يتعلق حصرا بمسألة علاقة الدين بالعلمانية، فلأجل مطلب الدقة، والنزاهة الأخلاقية، ولغـاية تفـادي التعـويم المفضي إلى التعمية والتعتيم، أفضل أن يكون الحديث عن “إخفاء الوجه في الفضاء العمومي”. لماذا؟ لأن جوهر المشكلة هنا بالذات. فبمعزل عن الحريات الدينية، والحريات الشخصية، وحقوق جزء من الأقليات المسلمة في الغرب، ثمة أسئلة قانونية مطروحة بجلاء ووضوح:

أولا، ألا يمثل إخفاء الوجوه في الشارع العمومي تهديدا للأمن العام؟ ألا يمثل في الحد الأدنى عائقا أمام فعالية الأمن (كاميرات الرصد والمراقبة مثلا). طيب، قد يحتفي البعض بالانفلات من آليات الضبط والمراقبة كما يفعل من يقرأون ميشيل فوكو بالمقلوب، لكن ألا يجدر بأن يستمتع الجميع بهذه “الحرية الغريبة”؟

ثانيا، ألا يمثل إخفاء الوجوه في المؤسسات السياسية والهيئات المدنية عائقا أمام الاندماج السياسي والاجتماعي؟ ألا يمثل في الحد الأدنى حاجزا أمام المشاركة المثمرة والفعالة لبعض الفئات في مجال التنمية السياسية والديمقراطية التشاركية؟

ثالثا، ألا يمثل إخفاء الوجوه في الفضاء العمومي عائقا أمام التواصل المفتوح والمسؤول والملتزم؟ ألا يمثل في الحد الأدنى حاجزا أمام أخلاق التوافق والإقناع والاقتناع؟

أظن أن المشرعين الذين يعملون على صياغة مقترحات أو مشاريع قوانين في هذا الموضوع، سواء في ألمانيا أو غيرها، فإنهم يركزون على هذه المسألة بالذات “إخفاء الوجه في الشارع العام والفضاء العمومي”. وهنا فإن رأيي الذي عبّرتُ عنه مرارا سيكون واضحا وصريحا:

إن إخفاء الوجوه داخل الفضاء العمومي، وداخل المؤسسات العمومية، وداخل مقرّات العمل، وأثناء قيادة السيارات، وداخل قاعات المحكمة، وأثناء اجتياز الاختبارات التعليمية والمهنية، وأثناء إجراء المقابلات الأمنية والتنموية، وأثناء المنافسات الرياضية والثقافية، وأثناء إجراء التحويلات المصرفية، وأثناء عبور الحدود، وأثناء مطاردة الشرطة للمجرمين في الأزقة والشوارع، إلخ. كل ذلك يمثل تحديا أمنيا يصعب تخطيه بأي شكل من الأشكال، ولا سيما عندما يصبح نصف المجتمع يتحرك في الشارع العام والفضاء العمومي بوجوه مقنّعة، لا يراها أحد، ولا يتعرف عليها أي أحد.

إن أساس العقد الاجتماعي أن يعرف المرء مع من يتكلم عندما يتكلم؟ مع من يتبادل التحية عندما يتبادل التحية؟ مع من يتحاور عندما يتحاور؟ مع من يتفق، أو يلتزم، أو يتفاوض، أو يتضامن، أو يتعاطف، أو يتعاون، أو حتى يتخاصم؟ من وجهة نظر العقد الاجتماعي، فإن الوجه هو المظهر الأكثر بروزا وتعبيرا عن هوية الفرد كذات مستقلة وعاقلة، ومن ثمة استعداده الكامل لتحمل كافة مسؤولياته وقراراته والتزاماته وتعهداته، أينما كان، وكيفما كانت.

حين نعتبر وجه المرأة مجرّد عورة فهذا معناه أننا لا نتعامل مع المرأة كذات لها هوية مستقلة، لا نتعامل معها ككائن له كينونة، وإنما نتعامل معها كمكون مجهول الهوية، أو بلا هوية، بل نتعامل معها كمكون ملحق بكائن آخر (حرم فلان بن فلان، كما قرأنا في انتخابات السلفيين في مصر).

إخفاء الوجه هو التعبير الأشد انحطاطا عن النظرة المهينة للمرأة باعتبارها عورة آثمة ملعونة لا تثير سوى الشهوات، وإن لم يعد وأدها تحت التراب مباحا اليوم فمن المباح وأدها بالثوب الأسود، في انتظار الكفن الأبيض في آخر الحياة.

أخيرا، هل يجب أن تشتغل آليات المنع في مثل هذه الأمور؟

حتى نتفـادى الإلتباس الحاصل في المفاهيم الذي يقع فيه بعض اليساريين عندنا، وأنصار النسبية الثقـافية في الغرب، يـؤكـد الفيلسوف الألمـاني كانط، أن الفـرد الذي يهين كرامته بذاته إنما يهين في شخصـه كرامة البشـرية جمعاء، ولا حق له في ذلك، لا حق له على الإطلاق. أي نعم.. حين يتعلق الأمـر بالكـرامة الإنسانية فلا مجال للحديث عن الحريات الشخصية، أو وجهات النظر الخاصة.. وهذا مجمل الكلام.

12