كشف خلية تجسس تركية بمصر يضاعف الضغوط الإقليمية على أنقرة

اتخذت مصر إجراءات أمنية صارمة لمواجهة التدخلات التركية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وفي الداخل المصري بشكل خاص، بعد الإعلان عن ضبط خلية تجسّس تركية عملت بالتعاون مع عناصر من تنظيم الإخوان المسلمين على إرباك مؤسسات الدولة المصرية بُغية إسقاطها، تمهيدا لاستيلاء الجماعة على السلطة.
الخميس 2017/11/23
في صف الإرهاب بشكل معلن

القاهرة - يمثّل وضع أجهزة الاستخبارات المصرية يدها على شبكة تجسّس تركية جديدة ضغطا سياسيا مضاعفا من جانب القاهرة على أنقرة، خصوصا وقد جاء بعد يوم واحد من عقد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قمة ثلاثية مع رئيسي قبرص واليونان، كان من بين أهدافها تطويق تركيا من خلال زيادة التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري بين الدول الثلاث.

وأصدر النائب العام المصري نبيل صادق، الأربعاء، قرارا بحبس 29 متهما لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات لاتهامهم وآخرين هاربين داخل البلاد وخارجها، بالتخابر مع تركيا، بقصد الإضرار بالمصالح القومية للبلاد، والانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمرير مكالمات دولية بغير ترخيص، وغسل أموال متحصّل عليها من تلك الجريمة.

وبحسب البعض من الدبلوماسيين، فإنّ القاهرة تسعى إلى قلب الطاولة في وجه الدبلوماسية التركية التي انتهجت سياسات عدائية ضد النظام المصري منذ الإطاحة بجماعة الإخوان في يوليو 2013، من خلال توجيه اتهامات مباشرة للدولة التركية مبنية على معلومات وأدلة موّثقة.

وترتبط تلك التحركات بتشكيل موقف إقليمي تشارك فيه مصر بقوة لتقليص النفوذ التركي في المنطقة، وهو أمر بات متاحا بوجود أدلّة موثّقة تثبت تورّط أنقرة في دعم الإرهاب بالمنطقة وتؤكد على تنامي تدخلاتها في الشأن الداخلي للعديد من الدول العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي.

ويأتي هذا التطور ليثبت مجدّدا وجود تركيا في خندق واحد مع قطر، حيث تؤكد القاهرة أن الدوحة لها أياد سوداء في دعم الإرهاب، وأن التقارب المتزايد بسرعة بين أنقرة والدوحة لا يوحي بانسجام في المواقف السياسية بقدر ما يعكس عملهما المشترك في دعم الإرهاب. ويتّضح ذلك من خلال تزامن الإعلان المصري عن الخلية التركية، مع ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي أحمد المسماري، عن تنامي الدور التركي في دعم الإرهاب في ليبيا، كاشفا خلال حديثه في مؤتمر صحافي، الأربعاء، عن وجود تقرير رسمي لمجلس الأمن الدولي، أكد دخول أسلحة إلى ليبيا عن طريق تركيا.

وبدا من الواضح أن القاهرة أرادت كشف تفاصيل التدخلات التركية في الشأن المصري، ودعم أنشطة لها علاقة مباشرة بارتكاب عمليات إرهابية عديدة وقعت منذ ثورة 30 يونيو 2013، وبالتالي فإنها أعلنت عن التحركات التركية بشكل مفصّل من خلال بيان إعلامي أصدره النائب العام المصري.

اللواء علاء عز: تراجع الهجوم التركي العلني على مصر لا يعني تغيير أنقرة لسياساتها

وكشفت التحقيقات التي أجرتها نيابة أمن الدولة المصرية (المختصة بالجرائم الإرهابية)، أن تلك الخلية استغلت الأموال التي حصلت عليها في تأسيس وتمويل كيانات إعلامية.

ورصدت التحريات تسريب معلومات من خلال التنصت على المكالمات الممررة إلى جهات الاستخبارات التركية، لاستغلالها في تجنيد عناصر داخل البلاد لارتكاب أعمال عدائية.

وقالت مصادر قضائية لـ”العرب”، إن القاهرة عملت على أن يكون الكشف عن ذلك المخطط عبر اتخاذ الإجراءات القانونية المدنية حتى تتمكّن من تدويل القضية وإثارتها على مستوى الهيئات الأممية، وأن الإعلان عن ذلك المخطط في الوقت الحالي جاء بعد أن اكتملت خيوط القضية، وهو ما ظهر من خلال إشارة بيان النائب العام المصري إلى الحصول على إذن من النيابة العامة بتسجيل محادثات المتهمين على مدار الأشهر الماضية.

ولفت البيان المصري إلى أن تسجيل المحادثات التليفونية واللقاءات والمراسلات أزاح الغطاء عن شركات عديدة تم استخدامها كستار لغسل الأموال تمهيدا لإمداد جماعة الإخوان بها، لتمكينها من تنفيذ مخططاتها ضد الدولة المصرية.

وقال عمرو عبدالمنعم، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ”العرب”، إن الاستخبارات التركية نشطت داخل البعض من الدول العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي مستغلة الضعف الإقليمي العام لمصر، وسبق ذلك محاولات تركية للتدخل عبر الارتكان إلى عناصر القوى الناعمة لديها كأحد وسائل التأثير.

وأضاف أن نشاط تركيا في منطقة الشرق الأوسط تحوّل بعد ثورة 30 يونيو إلى دور استخباراتي عن طريق عناصر لها في البعض من الدول العربية، غير أنها لم تكتف بهذا فحسب، ولكنها حصلت على معلومات من خلال إجراء تحقيقات استخباراتية عديدة مع عناصر إخوانية فرّت من مصر عقب إزاحة الجماعة من السلطة، واستطاعت أن تكوّن شبكة معلوماتية للإيقاع بمؤسسات الدولة المصرية.

وأوضح أن تركيا عملت على دراسة الجوانب السلبية وتغذية تلك الجوانب عبر منصّاتها الإعلامية، ونجحت في اختراق مجموعة من الشباب المصري من خلال استقطابهم للدراسة داخل جامعات أسستها في دول غربية وقدّمت لهم مساعدات متنوعة، واتّبعت تلك السياسة تحديدا مع المئات من أبناء قيادات جماعة الإخوان الموجودة في السجون المصرية.

واستخدمت تركيا وسائل استخباراتية عدة لاختراق الدولة المصرية. وكشفت الأجهزة الأمنية في أغسطس الماضي عن ضبط بحّار تركي بحوزته طائرة تجسس أثناء تواجده بميناء بورسعيد شمالي قناة السويس، وتم إلقاء القبض عليه والتحقيق معه.

وقال اللواء علاء عز، مدير مركز القوات المسلحة للدراسات الاستراتيجية سابقا، إن محاولات الاختراق التركية لمصر مستمرة منذ فترة، وهناك معدّات تابعة لتركيا تم ضبطها من قبل، مؤكدا أنّ الخلية التي تمّ كشفها حديثا تعدّ جزءا من مخطط استخباراتي كبير لإضعاف مؤسسات الدولة المصرية.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن تراجع الهجوم التركي العلني على النظام المصري حاليا لا يعني تغيير النظام التركي لسياساته، لأن الصراع سيظل مستمرا طالما هناك سلطة سياسية في أنقرة تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي.

3