كفاح الخوص فنان سوري في مقهى دمشقي: الحكواتي مازال هنا

الجمعة 2014/02/14
كفاح الخوص حكواتي ومعرف بفنون الرواية

دمشق- ينسل سكان دمشق بخفة بين الحواجز للوصول إلى حي باب توما العريق، تتخلل انقطاعات الكهرباء تفاصيل حياتهم لتصبح أمرا عاديا، بين أصوات مولدات الكهرباء والقصف البعيد، يستضيف مقهى “زرياب” الممثل والمخرج/الحكواتي كفاح الخوص الذي يطلب إطفاء الأنوار، حتى يبقى المقهى المكتظ على ضوء الشموع قصد خلق جوّ من الشاعرية.

يعتلي “الخوص” طاولة عليها كرسي، ليجلس والناس من حوله منطلقا بأول شرط لِلمَسرَحَة، حيث يكسر الإيهام ويعرف بنفسه وبأسماء الحكايات التي يرويها كي يتيح المجال أمام الجمهور لاختيار الحكاية التي تروق له، يبدأ بالأهازيج و”العتابة” تتخللها كلمات باللهجة الزبدانية (قرية الخوص).


سرد مسجوع


السرد كله مسجوع (على وزن واحد) مما يضفي شاعرية على الكلام تسمح للمتلقي بتخيل مكان وشخوص القصص، على حدّ تعبير الخوص: “الجمهور هو من يخلق السينوغرافيا”، هذه التقنية تفتح المجال أمام الجمهور للمشاركة أحيانا وإضفاء بعض التفاصيل على الحكاية، في حين أن الراوي نفسه يلجأ إلى تقنيات أخرى في السرد من حيث تعدّد الأصوات، فتارة هو الراوي المحايد وتارة يروي بلسان أحد الشخصيات، بالإضافة إلى أنه يخلق المؤثرات الصوتية أحيانا.

تستعيد القصة الشعبية ألقها مع “الخوص”، الذي يرى أنها: “محاولة لتأصيل هذه الظاهرة المسرحية العربية، حيث شغلت النقاد والباحثين محاولة إيجاد جذور للمسرح العربي، لكنهم لم يجدوا سوى ظواهر أهمّها الحكواتي”، فهو يشرح أُثناء العرض تقنيات السرد، ويلقي أبيات “العتابة” ويشرح أن لكل بيت قصة لا يعلمها الجميع، كما يتحدث عن “الدهليز″ وهو مقدمة سجعية في بداية كل قصة يقولها لشدّ انتباه الجمهور، بالإضافة إلى التعريف بأنواع الحكواتي، فهناك “الحكواتي كلي المعرفة” الذي شهد الحدث بشكل شخصي ويقوم بروايته، وآخر “جزئي المعرفة” وهو الذي سمع الخبر أو قرأه في مكان ما، ولا يخلو الأمر من استعادة لتراث إنساني بشكل عام أثناء الحكاية، حيث يحوّر الخوص الحكمة الشهيرة التي أطلقها الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: “لا تستطيع الاستحمام بالنهر مرتين” ليجعلها “النهر لا يُشرب منه مرتين”.
في ظل غياب الأنشطة المسرحية الكبرى والمهرجانات في سوريا، ما زالت هناك زوايا وهوامش قادرة على إعادة خلق اللعبة (المسرحية المؤسلبة)


فن الارتجال


القصص التي يرويها الخوص من تأليفه الشخصي كـ”سجن خمس نجوم” و”حسن الديب” و”صباح” و”يوميات ملك حزين”، حيث يعتمد على مخزونه الشخصي من التجارب التي يعيد تأليفها شعريا، والتلويح مجازيا لما تمرّ به سوريا، حيث تصبح مهمة المتلقي إعادة إسقاط القصة على ما يحدث الآن، والتماس العبرة التي دفعت بعض الجمهور إلى الصراخ أحيانا، وقد وصلت حدّ البكاء (كفاح نفسه بكى عدّة مرات أثناء سرده للقصص).

هناك تورّط حميمي بين الراوي وبين الجمهور، فالخوص يروي عن تناقل الإشارات بالسجن فـ”عشر دقات يعني أجو الحراس″، كما يتحدث عن الملك الذي يريد أن يكون عامل قمامة ثم يتحوّل إلى طاغية، ويستغرب من عدم “تمرّد” الشعب عليه، ويصف شعريا/مجازيا تحوّل هذا الملك إلى وحش يقتل وينهب ويسرق، لينتهي به الأمر عجوزا كهلا يرغب في استعادة عمره الضائع، لكن الأوان قد فات.

الحكواتي يعود بنا إلى ألق الأسطورة الشعبية، ففي ظل غياب الأنشطة المسرحية الكبرى والمهرجانات، ما زالت هناك زوايا وهوامش قادرة على إعادة خلق اللعبة “المسرحية المؤسلبة”، وتقديمها ضمن ظرف قادر على التكيّف مع حالة “الخدر” المصابة بها الحركة المسرحية في سوريا، بحيث يصبح الشعري والغنائي والمجازي أسلوبا للانفكاك من سلطة الرقيب، وتقديم ما هو حقيقي للابتعاد عما هو سلــطوي ومؤسساتي.

16