"كفر العبيط" رواية مصرية تقاوم العسكر

الخميس 2014/08/28
الشاذلي: السرد شكل من المعرفة، يمثل ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه

ظلت الكتابة عن الجيش المصري، أو الزج باسمه أو بأحد عناصره في روايات أو كتب، محظورة في مصر طيلة السنوات الماضية، حتى قيام ثورة 25 يناير على نظام الرئيس حسني مبارك، الذي كان ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، وكذا الرؤساء السابقين له محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات.

في السطور التالية نلتقي مع العزلة التي عاشها الضابط السابق في الجيش المصري أسامة الشاذلي، والتي حاول إشراكنا عوالمها في روايته “كفر عبيط” الفائزة بمنحة الصندوق العربي للتنمية “آفاق”.


أحداث فانتازية


أحداث الرواية تدور حول تأثير الحكم العسكري على الحياة المدنية من خلال “كفر عبيط” القرية الخيالية الواقعة على أطراف الدلتا في مصر، بالقرب من الصحراء الشرقية، التي لا يزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف نسمة، يعرفون بعضهم البعض بالاسم، ولا يطرق بابها غريب إلا نادرا. في ذكرى مولد شيخها العبيط، الذي يقام مقامه جنوب البلدة، وتناط مهام إدارتها بالعمدة حافظ الشيباني، سليل أكبر العائلات. ذات صباح يستيقظ الشيباني لاعنا كل الخدم في دواره، لأنهم لم يوقظوه لصلاة الفجر.

شخصية أخرى لافتة في الرواية، هي الشيخ عبدالله شحاتة إمام مسجد القرية، وسفيرها الوحيد في الأزهر، يعتبر صلاة الضحى خلوته النهارية التي لا يعكر صفوها إلا حفيده الصغير طه. تقع أقرب نقطة شرطة في المدينة الصغيرة عاصمة المركز، فجأة يقرر الجيش انتزاع بعض أراضي القرية، وإنشاء وحدة عسكرية بجوارها، ونتيجة لمقاومة الأهالي ورفضهم التنازل عن أراضيهم، يقوم الجيش بعزل القرية، ويحكمها عسكريا.

رغم أن العمل الروائي ممارسة تخيلية، فإنه ليس بمنأى عن مسؤولية تقديم عالم كما لو أنه حدث بالفعل

تدخل شخصية أخرى في دائرة الأحداث وهي شخصية أسامة، الذي من خلال خبرته كضابط سابق في القوات المسلحة لأربعة عشر عاما، يرصد هذا الأخير الحياة العسكرية وطريقة مخالطتها للحياة المدنية، متوسلا بجوّ من الفانتازيا يشوب التحولات التي تطرأ على القرية، ومن خلال إصابة أهلها بعمى الألوان، وكذلك بالضعف الجنسي، ومن بعض الظواهر التي تشير إلى التحول الذي أصاب المدنيين جراء الحكم العسكري، ثم اختفاء القنوات الفضائية وحالة الخرس التي طالت الشيخ عبدالله، الذي يمثل صوت الدين المعتدل في القرية، في مقابل الشيخين سعفان المتولي والشيخ إبراهيم القبلي.

الرواية تستمدّ أهميتها من اندراجها ضمن مرحلة ما بعد ثورة يناير، وارتباطها الخفي بمرحلة ما قبل الثورة -التركيز على حكم الجيش-. فصورة البطل الكليّة هنا تتركّب من سلسلة من وجهات النظر الجزئيّة المختبئة داخل النص، والتي ترسم بورتريها إنسانيّا وسيكولوجيّا له، يستمدّه من شخوص العمل، غير المتحققة وغير المكتملة، والبحث عن الشيء الذي سوف يحقّق اكتمالها، من خلال رصد تباين التوجّهات الاجتماعية.


الدلالات السردية


لا يمكن الزعم بدلالة ثابتة للنص، أو معنى حقيقي تنحصر مهمة القارئ في العثور عليه، فالنص يرشح بدلالات متعددة، تخضع لشبكة معقدة من العلاقات الظاهرة والمضمرة بعد ثورة 25 يناير، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى الدلالة بوصفها سيرورة نصية تداولية، يتحكم فيها محفل الإنتاج ومحفل التلقي.

فالواقع يرتبط بسياقات متنوعة وأنساق متعددة، كنوع من إجراءات التناص التي تخدم إستراتيجيات الرواية من الناحيتين اللفظية والدلالية. وإذا علمنا أن الرواية رغم كونها ممارسة تخيلية، فإنها ليست بمنأى عن مسؤولية تقديم عالم كما لو أنه حادث بالفعل، وهي تنجز ذلك من خلال البطل، بما أنه يعيش ويفكر ويشعر ويتكلم، باعتباره ذاتا. يمكننا القول إن فهم الاقتراحات التي يقدمها السرد المعاصر، خاصة النصوص العميقة الموصولة بالتجربة الإنسانية، يتطلب قراءة تنظر إلى السرد باعتباره شكلا من المعرفة، وتبوّئه المكانة التي يستحقها في تمثيل ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه. وهذا الأفق الذي يرسي فَهما للسرد على أساس فلسفي وتأويلي، هو الذي يؤطر هذه القراءة ويشكل خلفية لفرضيتها العامة.

ولفهم الاشتغال التخييلي الذي ينجزه أسامة الشاذلي، وأثره في سردية هذا النص واقتراحاته الجمالية وامتلاكه لإمكانات الحض على التأويل وممارسة التفكير النقدي، تجدر الإشارة إلى أحداث تميز المتن السردي، وهي التي تتصل بعلاقة التناقض بين أحلام الإنسان وطموحاته وقيود المجتمع بكل سلطاته التقليدية والحديثة.

الرواية تستمد أهميتها من اندراجها ضمن مرحلة ما بعد ثورة يناير، وارتباطها الخفي بمرحلة ما قبل الثورة


الرواية والواقع


يصطاد أسامة المكان من المنظور الحرج، ويميل إلى كشف فسيفسائه حتى يتاح للقارئ الجلوس مع الشخصيات، والنهوض معها، لينوّم القارئ إثر إغفاءة الشخصيات، ويوقظه مع استيقاظ الشخصيات، على الفراش نفسه، الذي نامت عليه. لذلك فإن القارئ يجد في أحايين كثيرة صعوبة في التواصل مع النص، فهو يوغل في اصطياد المكان الافتراضي، الذي لا أساس لوجوده، إذ أنه ولبراعته في تصوير المكان، يدفع بالقارئ إلى أن يخال أنه ينقل صورة واقعية، لأشخاص واقعيين، ومكان واقعي، وهنا تأتي ثمرة العمل الروائي ناضجة. فيعيش القارئ أجواء الرواية، ويعيش المكان، ويتنفس اللحظة، ولعل قمة التصوير المكاني /اللامكاني، التي لا يبدو فيها المكان إلا مجرد بناء من الكلمات، عمارة كلامية، فحسب، ويجد القارئ في الرواية، ذاتها، عجزا عن التواصل مع “زمكان” يرسمه أسامة.

الحدث الروائي يكون ناجحا حين يكون استثنائيا، وهذه الاستثنائية مملوءة بدلالات الواقع، وحين تكون الأحداث في اللاواقع، يحدث شيء من النفور الكلي إزاءها. لذلك فالكاتب معني بنشأة الشخصيات، وميلادها، لا صناعتها، إن موت أي واحد منها، في غير، إطار الموت الطبيعي، يحدث خللا في نسيج الرواية. ويحدث الخلل أيضا حين يستقدم الكاتب شخصية ما إلى عالم الرواية فجأة، دون مقدمات تمهيدية ناجحة، وناجعة، لدخول الشخصية فلك الرواية. ومادامت الرواية تطرح فكرة فيها استثناء من الواقع، فينبغي أن يكون لشخصياتها أيضا استثناءاتها.

تأتي هذه الرواية كنوع جديد/ قديم من المقاومة للسلطة العسكرية، التي حكمت البلاد في أعقاب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك ما يقرب من عام ونصف، والمطالبة بإسقاطها باعتبارها امتدادا للحكم العسكري الذي حكم البلاد منذ قيام ثورة 1952، التي أطاحت بالنظام الملكي.

مع أن مصر عرفت العديد من الكتاب الكبار المنتمين إلى المؤسسة العسكرية، ومن بينهم ثروت عكاشة ويوسف السباعي وآخرون، عاصروا ثورة 1952، لكن العقود الأخيرة شهدت تشديدات على ضباط الجيش، منعت اشتغالهم بالأدب، كما منعت الأدباء المحترفين من الكتابة عن المؤسسة العسكرية.

15