كفيف يعلم الأجانب اللغة العربية عبر الموسيقى

الملحن المصري طارق عباس يعتبر أن الموسيقى تنشط الذاكرة وتثبت المعاني وهي جسر الثقافة بين مختلف الشعوب في العالم.
الأربعاء 2018/04/11
ملحن ولغوي ينتصر للغة الضاد

القاهرة – فكرة جديدة طرحها وطوّرها مُلحن مصري وأستاذ لغة عربية لتعليم لغة الضاد اعتمادا على الموسيقى، ولاقت اهتمام الكثير من المُثقفين والمبدعين والأكاديميين، خاصة لدى غير الناطقين بالعربية.

التقت “العرب” الباحث طارق عباس المُلحن الموسيقي المصري الذي أسّس مؤخرا فرقة موسيقية تحمل اسم “ونس”، معتمدا على مُتعلمين جدد من جنسيات مختلفة للغة العربية من خلال الموسيقى.

أكد طارق عباس، أن تعليم اللغة العربية اعتمادا على الموسيقى حقّق نتائج جيدة مكنته من تأسيس فرقة موسيقية ضمت جنسيات غير ناطقة بالعربية، وأقامت حفلا للموسيقى والأغاني العربية في دار الأوبرا المصرية قبل أيام.

وتجربة عباس التعليمية جديدة على المجتمع المصري، لكنه لا يدّعى ابتكارها، مؤكدا أن هناك توجها لدى بعض دول أوروبا للتعليم من خلال الموسيقى، غير أنها “المرة الأولى التي يتم تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من خلال الموسيقى”.

مُتعلمو اللغة العربية من الأجانب يواجهون صعوبات عديدة في النطق والاستيعاب والتعلّم بما يُشكّل تحديا أمام مراكز ومعاهد تعليم لغة الضاد في مختلف الأقطار العربية، ويُصنّف الكثير من الباحثين في أصول اللغات، العربية، باعتبارها من اللغات الصعبة رغم أن عدد حروفها 28 حرفا فقط

ويبهر طارق عباس تلاميذه من الأجانب، وهو مُمسك بالعود في مدرج مركز اللغة العربية للعلوم والثقافة بجامعة القاهرة مؤديا أغان بالعربية الفصحى والعامية المصرية لاستخلاص قواعد في اللغة، فيتفاعل الحاضرون مع معلّمهم المبتسم دائما ابتسامة مُعبرة عن خفة ظل معتادة لدى الكثير من فاقدي البصر.

وحُرم عباس من نعمة البصر صغيرا، لكنه أثبت أن الإبداع والتفوق يستلزمان إرادة وأملا من نفس متحفزة، فتعلّم اللغة العربية ونبغ فيها بالتزامن مع تعلمه الموسيقى في سن السابعة عشر، قبل أن يفوز في الجامعة بلقب أفضل ملحن لعدة سنوات متتالية، ولم يكن غريبا أن تكون رسالته للدكتوراه متخصصة في شعر أبي العلاء المعري ذلك المُبدع العربي الكفيف المُلقب بـ”رهين المحبسين”.

ويشرح في حواره مع “العرب”، أسلوب تعليم اللغة العربية بالموسيقى، فيقول “الموسيقى هي اللغة الوحيدة المشتركة بين جميع شعوب العالم، الفرنسي يعزف نفس النغمات التي يعزفها السوداني أو الصيني، لكن الاختلاف في الروح المُعبرة عن البيئة المحيطة، لذا فإننا نقول هناك موسيقى شرقية وأخرى غربية، واللغة والموسيقى تتشابهان في التناغم والتآلف الصوتي، ويُمكن استخدام مقاطع أغنيات معينة لترسيخ قواعد اللغة نُطقا وفهما”.

والفكرة بدأت تجريبيا في جامعة القاهرة قبل أن تجذب الكثير من الراغبين في التعلم من الباحثين والعاملين في الشركات العالمية وأبناء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في مصر، فتنوعت جنسيات الطلبة بين الكوريين والصينيين واليابانيين، فضلا عن الكثير من أبناء دول الاتحاد السوفييتي السابق إلى جانب أوروبيين من إنكلترا وفرنسا وإيطاليا.

ويرى عباس أن الموسيقى تنشط الذاكرة وتثبت المعاني وهي جسر الثقافة بين مختلف الشعوب في العالم، ويوضح “كانت المشكلة الرئيسية لدى الكثير من غير الناطقين بالعربية هي صعوبة نُطق الحروف الحلقية مثل الحاء والعين والخاء والهمزة، وعندما غنوا وردّدوا، ثم حفظوا أغاني وتواشيح تتضمن كلماتها تلك الحروف صاروا ينطقون الحروف بسهولة كأنهم عرب”.

وقواعد النحو هي الأخرى يتم ترسيخها في أذهان الأجانب عبر الموسيقى، ويؤكد عباس أن تدريس الجملة الفعلية يدفعه إلى استرجاع أغاني شهيرة لتوضيح كيف يبنى الفعل الماضي على الفتح أو على السكون، ويضرب مثالا بالفعل الماضي المبني على الفتح مُقدما أغنية “طلعَ البدرُ علينا”  للتعبير عن ذلك الفعل في كلمة طلع، وفي أغنية “قارئة الفنجان” للراحل عبدالحليم حافظ  يقف عند مقطع “جلست والخوف بعينيها..”، موضحا كيف يعرّف المُتعلمين الفعل الماضي المبني على السكون لالتقائه بتاء التأنيث.

ويتعلم الطالب كيفية عمل حوار من خلال نصوص بعض الأغاني، ويضرب عباس مثلا بأغنية “لو سألتك أنت مصري تقولي إيه؟ أيوه مصري وابن مصري وابن مصر الله عليه”، وفي تلك الأغنية يعتاد الطالب صيغة السؤال ويتعرف على مفردات جديدة تلتصق بجدار الذاكرة حتى يحين وقت استدعائها.

وتحقق الفكرة برمتها ثلاثة مكاسب: الأول يخص التعلم وتوسيع نطاق لغة الضاد عالميا، والثاني نشر الثقافة العربية شرقا وغربا، والثالث هو إقامة جسر من التواصل الحضاري بين العرب والآخرين.

الملحن واللغوي المصري جعل الكوريين والصينيين واليابانيين ينشدون أغاني التراث من خلال فرقته "ونس"

وفي الحادي والعشرين من مارس الماضي لم يصدق رواد المسرح المكشوف بالأوبرا المصرية أن يغني لهم كوريون وصينيون أغاني من التراث الشعبي المصري، وكان أحد أعضاء فرقة “ونس” من طلبة التعلم بالموسيقى ويُدعى لي سونغ جي قد أبهر الحاضرين بأدائه المنسجم مع الجمهور واعيا بكل كلمة يقولها كمصري.

ويكشف الأكاديمي طارق عباس أن جي جاء إلى مصر ليدرس العربية للاستفادة منها في العمل التجاري، حيث تعتبر الشركات الكورية مصر والدول العربية أسواقا واعدة لمنتجاتها وتحتاج للغة العربية لبناء صلات للتجارة والتعاون الاقتصادي، وفي القاهرة وجد الشاب الكوري مجتمعا حاضنا وثقافة جذّابة ولغة مُهمة ومفيدة لم يكتف بتعلمها، وإنما عشقها وتفاعل معها.

ولحّن عباس على مدى ربع قرن للكثير من المطربين مثل مدحت صالح، ومحمد الحلو ونادية مصطفى وعفاف راضي، فضلا عن “تترات” العديد من المسلسلات، لكنه لم يجد ضالته إلا في فرقة “ونس” الموسيقية لتحقيق حلمه بالعزف والتدريس معا.

ولم تخرج الفكرة من نطاق جامعة القاهرة بعد والأسباب تتنوع وتختلف، إذ أن إدارة الجامعة الأميركية بالقاهرة انبهرت بالفكرة المقدمة من قبل طارق عباس لتعليم العربية بالموسيقى، لكنهم رفضوا تنفيذها.

ويقول طارق عباس وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة “قالوا إنهم يعتذرون لأن نظام الجامعة لا يسمح لأستاذ لا يرى بالتدريس لديهم”.

16