"كل أموال الدنيا".. بلا قيمة إن لم تكن لها فائدة

سيناريون فيلم "كل أموال الدنيا" يقوم على الحقائق الممزوجة بالخيال من أجل إحكام الدراما، ولا يخلو من مشاهد مثيرة تكشف العلاقة المتوترة بين الأغنياء والفقراء.
السبت 2018/04/14
كريستوفر بلامر في دور حياته وهو في الـ88 من عمره

يتناول الفيلم الأميركي الجديد “كل أموال الدنيا” All the Money in the World للمخرج ريدلي سكوت (80 عاما)، والذي يقوم ببطولته كريستوفر بلامر (88 عاما) شخصية الملياردير البريطاني-الأميركي جان بول غيتي (1892-1976) الذي كان يعتبر في الستينات من القرن الماضي أغنى رجل في العالم.

وكان الرجل قد بنى ثروته من المتاجرة في النفط، لكنه اشتهر ببخله الشديد وتقتيره الذي وصل إلى حد أنه كان، كما نرى في الفيلم، يغسل ملابسه بنفسه لكي يوفر ثمن إرسالها إلى المغاسل في الفنادق التي كان يقيم فيها وأشهرها فندق “ريتز”.

الاختطاف

 

هناك الكثير من الحقائق في الفيلم الأميركي الجديد “كل أموال الدنيا” للمخرج ريدلي سكوت، كما أن هناك الكثير من الأفكار الأخلاقية التي تدور حول قيمة المال مثل مغزى أن تكون فاحش الثراء، وما الفرق بين الإنسان الذي يكتنز المال ولا يريد أن يستخدمه عندما تشتد الحاجة، وبين المعدم الذي لا يملك شيئا؟ وكيف يكون المرء مهووسا بجمع المال ويبخل على أقرب الناس إليه؟

الفيلم يبدأ في روما، في يوليو 1973، حيث كان ابنه جون بول (أندرو بوشان) قد انتقل للإقامة مع زوجته غايل (ميشال ويليمز) وابنه الأكبر جون بول الثالث (شارلي بلامر) وطفلين آخرين، بعد أن منح الأب الملياردير ابنه الذي أهمله طويلا، وظيفة كمدير لإحدى شركاته، ولكن هذا الابن سيختفي تقريبا من الفيلم، بعد أن يذهب إلى المغرب، حيث يقع هناك في حب امرأة ويغرق نفسه في الخمر والمخدرات مع المغني الشهير ميك جاغر، وسيقع الطلاق بينه وغايل التي تتنازل عن أي تعويض مالي مقابل أن تتولى حضانة أبنائها الثلاثة.

هذه الأحداث كلها موجودة في سياق الفيلم، لكن أساس الحبكة التي يقوم عليها الفيلم، هو موضوع اختطاف الصبي جون بول (الثالث) وكان في السادسة عشرة من عمره، من قبل عصابة من عصابات المافيا الصغيرة التي تنتمي إلى منطقة كلابريا في أقصى الجنوب الإيطالي.

ويختطف الصبي في مشهد ليلي بديع يدور في شارع فيافينتو في قلب روما، ثم يطالب خاطفوه الذين يذهبون به إلى مكان قصي في كلابريا ويضعونه داخل زنزانة، بفدية تبلغ 17 مليون دولار مقابل الإفراج عنه.

الأم لا تملك شيئا، والأب غائب لا يبالي غارق في غيبوبته السحرية في المغرب، أما الجد الذي يعد أغنى أغنياء العالم، فيرفض بكل بساطة، دفع الفدية وإنقاذ حياة حفيده بدعوى أن لديه أربعة عشر حفيدا، فإذا استجاب للخاطفين اليوم، فسيجد نفسه غدا مضطرا إلى دفع فدية عن حفيد آخر وهكذا، كما يتذرّع بأن استجابته للخاطفين ستؤدي إلى انتشار الجريمة والعنف.

مساعده “تشايس” (مارك والبرغ) المتخصّص في القيام بالمهام الصعبة وضابط المخابرات المركزية السابق، يدخل في روع غيتي أن حفيده قد يكون متعاطفا مع خاطفيه على غرار باتريشيا هيرست حفيدة إمبراطور الصحافة التي تعاطفت سياسيا مع منظمة “جيش التحرير السيمبيونيسي” التي اختطفتها عام 1974، أي أنه يعمل لحساب الخاطفين الذين قد يكونون من جماعة “الألوية الحمراء” التي نشطت في السبعينات وقامت باختطاف رئيس الحكومة الإيطالية ألدو مورو وطالبت بإطلاق سراح عدد من أعضائها مقابل الإفراج عنه، ثم قتلته في نهاية الأمر عام 1978.

الرجل البخيل

غيتي ببساطة، يرفض أن يدفع، فهو يحرص على كل مليم معه، وعندما يقولون له إن هذا معناه أن حفيده قد يقتل يستهين بالأمر، وفي أحد المشاهد تريد “غايل” زوجة ابنه أن تجري مكالمة هاتفية من منزله الفخم، فيخبرها مدير المنزل بأن الرجل خصص قمرة أو اثنتين للهاتف في الحديقة لكي يستخدمها الضيوف مقابل تغذيتها بالعملات المعدنية، أي أنه يتعيّن على الضيوف أن يدفعوا ثمن مكالمة هاتفية. وغيتي لا يمانع في دفع أكثر من مليون دولار ثمنا للوحة فنية مسروقة لا تتمتع بحالة جيدة، لكنه يترك حفيده مهددا بالموت، فتهديدات الخاطفين لا تتوقف.

وعندما تنجح الشرطة الإيطالية أخيرا في تحديد موقع العصابة وتشن هجوما على مقرها وتقتل جميع الموجودين في المكان، لا تجد أثرا لبول، فقد كان في ذلك الوقت، مع الخاطف الوحيد “شينكوانتا” الذي كان يقوم بتسليمه لأحد رجال الأعمال من أصحاب المصانع في المنطقة وهو في الوقت نفسه زعيم لعصابة أخرى، لقد باعته العصابة قبل أن يودّع معظم أفرادها الحياة.

المالك الجديد لبول يحتفظ بشنكوانتا لرعاية الصبي وإجراء المفاوضات مع أسرته، لكن شنكوانتا يشعر بقدر من التعاطف “الأبوي” مع الصبي ويقيم معه علاقة صداقة، بل ويترك له أيضا أكثر من فرصة للهرب، لكنه يواصل أيضا الاتصال بأمه في روما حتى تسرع في تدبير الفدية المطلوبة التي هبطت الآن إلى أربعة ملايين دولار.

أم في مهب الرياح
أم في مهب الرياح

إنهم يهدّدون بقطع يد الصبي، لكن غايل عاجزة رغم ما تبذله من محاولات في الضغط على الجد البخيل، إنها سرعان ما تقفز إلى الصدارة لتصبح الشخصية المحورية في الفيلم، فهي تسابق الزمن، تكافح ضد العصابة وتحاول شراء الوقت، تواجه والد زوجها، وتتفاوض مع الصحافة التي تريد أيضا مساومتها على نشر صورة الأذن المقطوعة لابنها مقابل مبلغ من المال، ثم تنجح في استمالة رجل المهام الصعبة تشايس إلى جانبها وهو الخبير، كما يقول، في “شراء البشر” وكان بارعا في التفاوض، ممثلا للملياردير مع السعوديين الذين يقول الفيلم إنهم باعوا مساحة كبيرة من الأرض في أواخر الأربعينات لغيتي كانت مليئة بآبار النفط، إلى درجة أنه لم يجد وسيلة كافية لنقل النفط الذي كان يتدفق بغزارة منها، إلاّ بعد أن قام باختراع ناقلة عملاقة للنفط صنعت في إسبانيا. ولكن عندما ذهب تشايس إلى السعوديين للتفاوض معهم من أجل خفض أسعار النفط بعد حرب 1973، رفضوا وقالوا له إن منظمة “أوبك هي التي ستحدد الأسعار من الآن فصاعدا!”.

وفي أحد مشاهد الفلاش باك، يذهب غيتي لعقد صفقة مع بعض الشيوخ في بدايات ظهور النفط، ويقال إن هذا كان في 1948، نراه وهو يهبط من قطار قديم ذي قاطرة سوداء يتوقف وسط الصحراء، يتجه نحو خيمة ينتظره أمامها مضيفوه السعوديون الذين يرحبون به ويقدّمون له قهوة الصحراء، ولا شك أن المشهد يستدعي إلى الذاكرة مشاهد مماثلة من فيلم “لورنس العرب”.

في أعقاب حرب أكتوبر 1973 تتضخم ثروة غيتي، لكنه يصر على رفض دفع الفدية، لا يلين موقفه سوى بعد استلام أذن بول المقطوعة وبعد أن تنفجر الفضيحة، فتملأ الصحف.

كان شينكوانتا عندما يتصل بالأم يقول لها إن هذا الرجل الوغد يمتلك “كل أموال الدنيا”، ومن العبارة جاء اسم الفيلم، وفي أحد المشاهد المبتكرة الجيدة ترفض الأم قبول 50 ألف دولار من صحيفة إيطالية أرادت نشر صورة أذن بول المقطوعة وتفاصيل القصة، لكنها تطلب مقابل النشر ألف نسخة من الصحيفة ترسلها جميعها إلى الجد الجشع.

وتتوقف سيارة النقل أمام قصره في الريف الإنكليزي، يلقون منها بأكوام النسخ، يخرج هو ويتناول إحدى النسخ ويتطلع إلى الصورة على الصفحة الأولى، تهب ريح عاتية ممّا يجعل نسخ الصحيفة تتطاير في الهواء وترغمه على الاحتماء داخل القصر.

ويوافق الجد على دفع مبلغ يقل عن الفدية المطلوبة، هو المبلغ الذي ترده إليه الضرائب، ويتم إطلاق سراح بول، لكن الشرطة تطارد المجرمين فيأمر زعيمهم بقتله، وتبدأ مطاردة طويلة تفسد الكثير من متعة مشاهدة الفيلم، فهي رغم ما بذل فيها من جهد في التصوير الليلي في مناطق بالريف الإيطالي، لا تبدو مقنعة أو موفّقة، كما تنقل الفيلم بعيدا عن الموضوع الأساسي أي من مجال الصراع بين امرأة وحيدة لا تملك المال ومع ذلك تتمتّع بقوة إرادة هائلة، ورجل يتمتع بالثراء والنفوذ والقوة، لكنه يصبح مجرد سجين في قصره المليء بمقتنياته من التحف والأعمال الفنية، بل نراه في المشهد الأخير من الفيلم وقد أصبح مجرد تمثال من بين التماثيل.

ثري بشكل مفزع

45 عاما على اختطاف حفيد أغنى رجل في العالم
زيارة إلى الصحراء

يقوم سيناريو الفيلم على الحقائق الممزوجة بالخيال من أجل إحكام الدراما، وهو مقتبس من كتاب بعنوان “ثري بشكل مفزع: الثروة المفزعة وسوء حظ ورثة ج. بول غيتي” من تأليف جون بيرسون. لكن المخرج يضع عبارة على الشاشة في مطلع الفيلم تشير إلى أن الأحداث لا تطابق ما حدث في الواقع، بل فيها قدر من الخيال المبتكر، وهو أمر طبيعي في السينما. ولا يخلو الفيلم من مشاهد مثيرة مثل مشهد ذهاب الأم لمعاينة جثة محترقة قيل إنها لابنها، ثم عندما تذهب لبيع تمثال أهداه الجد لحفيده، وقال إنه اشتراه منذ سنوات بمليون و200 ألف دولار، لكن مدير مؤسسة ثاذابي للمزادات في روما، يخبرها بأنه ليس تمثالا أصليا، وفي النهاية تكتشف أن ثمنه لا يزيد عن خمسة آلاف دولار.

ولم يكن كريستوفر بلامر الاختيار الأول لدور غيتي، فقد أسند الدور إلى كيفن سبايسي الذي انتهى منه بالفعل وأصبح الفيلم جاهزا للعرض في موعده قبل أعياد الميلاد مباشرة، ولكن بعد ما نسب إلى كيفن سبايسي من اعتداء جنسي في الماضي على ممثل شاب (كان سبايسي هو الذي كشف الأمر واعتذر عنه) قرّر المخرج ريدلي سكوت إزالة كيفن سبايسي من الفيلم تماما وأسند الدور إلى بلامر الذي قام به بكل هذا القدر من القوة والإقناع والتألق، وهو في الثامنة والثمانين من عمره، وفي فترة زمنية قياسية، وقد أصبح الدور بالفعل “دور عمره”، ورشح عنه لأوسكار أحسن ممثل مساعد، لكن الجائزة ضلت طريقها إليه وكان الأكثر استحقاقا لها.

ولا يقل أداء الممثلة ميشيل ميليامز قوة وحضورا في دور الزوجة غايل، التي تصبح الشخصية الرئيسية وتستأثر باهتمام الكاميرا في لقطات الكلوز أب، أو في المشاهد الجماعية التي تصبح في قلبها.

إنها تجيد التعبير بملامح وجهها الطفولية التي تشع بالبراءة، ولكنها تتمتع في الوقت نفسه بقوة الشخصية، ويمكنها أن تصل إلى الذروة في المشاهد التي تكشف انفعالاتها الغاضبة.

وربما يكون العيب الأساسي في تكوين الشخصية أننا لا نعرف عنها الكثير ولا نعرف من أين جاءت، وما الذي جمعها من الأصل بالابن الأكبر للملياردير الذي يختلف تماما عنها وعن والده في وقت واحد.

أما شخصية رجل المخابرات الأميركية السابق تشايس الذي يساعدها في التوصّل إلى الجناة، فدوره قد يكون الأقل بروزا في الفيلم والأكثر نمطية، وفي بعض المشاهد التي يظهر فيها يمكننا أن نلمح محاكاة مع بعض مشاهد أفلام جيمس بوند، خاصة في المشهد الأول الذي يدور في المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من وجود بعض الملاحظات السلبية مثل اختفاء طفلي غايل الآخرين من الفيلم إلى جانب اختفاء الأب، والمبالغات الكثيرة التي لا تفسّر سر تعاطف شنكوانتا مع بول إلى حد المقامرة بحياته من أجله، والانتقالات الكثيرة المربكة بين البلدان المختلفة خاصة في النصف الأول من الفيلم، إلاّ أنه يظل عملا يصلح لمتعة المشاهدة كما يصلح لتأمل الأفكار التي تتعلق بالعلاقة بين الأجيال، والعلاقة المتوترة دائما بين الأغنياء والفقراء، وبين شخصيات المجتمع من الأثرياء، وأجهزة الإعلام التي تتهافت من أجل نقل أكبر جرعة من الإثارة بغض النظر عمّا يحدث، وعبثية فكرة الاحتفاظ بالمال دون القدرة على الاستمتاع به.

13