كلاشنكوف.. جريح روسي يصنع في مستشفاه أخطر سلاح

كلاشنكوف في رسالته للكنيسة: هل أكون أنا -المسيحي الأرثوذوكسي- مسؤولا عن قتل البشر.
السبت 2020/02/01
كلاشنكوف اسم دخل التاريخ من أوسع أبوابه

الكلاشنكوف، ليس مجرد ماركة شهيرة لسلاح روسي جوّاب للآفاق، ذلك أنّ الرصاصة التي تنطلق من فوهته، تشبه -في مصدرها التسويقي وعلامتها التجارية- الكلمة التي يخطها قلم باركر أو الشعلة التي تقدحها ولّاعة ديبون أو المسافة التي تطويها سيارة مرسيدس.. فالغاية واحدة، وإن تعددت أهدافها ونواياها، لكن رمزيتها الدعائية خالدة في الأذهان.

لم يحظ سلاح في التاريخ القديم والحديث بمثل ما حظي به الكلاشنكوف من شهرة بلغت حد الرمزية. رفعت هذه البندقية القتالية الآلية، التي صممها صاحبها وهو مصاب على أحد الأسرّة البيضاء في المستشفى سنة 1941، اسم مخترعها إلى رتبة الأسماء الخالدة في روسيا السوفييتية بل وفي العالم أجمع.

المؤكد أن المهووسين بالحرب والقتال في هذا العالم لم يزوروا مسرح البولشوي، لا يعرفون أدب تولستوي ولا شعر بوشكين، ولا موسيقى تشيكوفسكي، لكنهم يعشقون -بالتأكيد- سلاح الكلاشنكوف، ويطربون لصوت طلقاته، حتى قبل أن يعلموا بأن رجلا من شمال روسيا اسمه ميخائيل (1919 ـ 2013) هو الذي منح لقبه لهذا السلاح الذي أمسى في العقود الأخيرة من القرن الماضي رمزا لكل حركات التحرر في العالم ثم ما لبث أن انتقل إلى أكتاف الجهاديين والتكفيريين، في دراما لم يشهد لها التاريخ مثيلا.

كيف لسلاح أن ينافس في شهرته روائع الفن ونفائس الأدب بل ويعلو صوته فوقها ضمن ثقافة تمجّد القتال وفق منطق يزعم التأسيس والتهيئة لفن جديد وأدب جديد؟ كيف لآلة قتل بين يدي ثائر أو متمرد أو حتى جندي نظامي، أن تقارب في “علوّ شأنها” أثرا إبداعيا أو إنجازا علميا تحتفي به جائزة نوبل.. ولكن، مهلا، أليس ألفريد نوبل هو الذي اخترع البارود، فما الفرق بين ميخائيل وألفريد غير الرغبة في مناشدة سلام مستحيل؟

فولكلورنا الشعبي -وفي أقصى حالاته الاحتفالية والثورية- يتغنى بالبارود والكلاشنكوف، ولا تكاد تخلو أغنية “ملتزمة” من التغني ومغازلة روائح البارود وأصوات الكلاشنكوف، ممزوجة بالزغاريد والأهازيج. أشعار وأغان شعبية كثيرة دخلت الفولكلور العربي والأفريقي والأميركي اللاتيني، وكان الكلاشنكوف حاضرا فيها بدلا من السيف والترس والخنجر.. أليست هذه ثورة ثقافية؟

كيف لسلاح أن ينافس في شهرته روائع الفن ونفائس الأدب بل ويعلو صوته فوقها ضمن ثقافة تمجّد القتال وفق منطق يزعم التأسيس والتهيئة لفن وأدب جديدين
 

رايات وأعلام كثيرة جعلت من الكلاشنكوف أيقونة لها ورفعتها فوق الهامات وعلى أعالي الروابي والبنايات، حقا وباطلا، فمن الفصائل الفلسطينية ذات النزوع المقاوم كـ”فتح” والجبهتين الشعبية والديمقراطية، إلى مجموعات إخوانية ومذهبية كـ “حماس” و”حزب الله” وجماعة الحوثيين في اليمن.

هل من مبلغ ميخائيل كلاشنكوف، في قبره أن الأمور قد اختلطت علينا، وأن القطعة التي استوحاها من سلاح ألماني في الحرب العالمية الثانية، ونالت الجائزة الأولى ضمن مسابقة كانت تجريها الدولة المنتصرة على النازية والناطقة باسم البروليتاريا كما كانت تزعم، قد آلت إلى أيادي الميليشيات الفاشية والجماعات التكفيرية أم أن آلة القتل عمياء، وتفتك حتى بمخترعيها كما تعلمنا من الثورة الفرنسية؟

مغازلو بندقية الكلاشنكوف، والذين جعلوا منها أيقونة رومانسية مستوحاة من أزمنة حركات التحرر الوطني، لا يتفطنون إلى أن السلاح يبقى سلاحا في نية استخدامه، حتى وإن كان سهما مبريّا من غصن شجرة ورد. والأمر يذكّر بمسرحية الأيرلندي برنارد شو، “الإنسان والسلاح” التي تسخر من “رومانسية الحرب” التي تعتمد على حس الوطنية المثالية لدى الرجال.

ويسخر شو من وهم الصراعات والحروب التي لا رابح فيها غير الغربان الناعقة فوق الجثث، وذلك عبر تفضيل الشوكولاتة على السلاح في انتصار للقيم الإنسانية. ولطالما تحاربت جماعات بنفس سلاح الكلاشنكوف، لكن أيا منها لم تستطع توفير الأكل حتى لأسراها كما يحدث لدى متحاربين في أفريقيا وآسيا.

سلاح ملأ الدنيا وشغل الناس

بوتين أمام المرمى
بوتين أمام المرمى

هو اسم يُنطق بتسكين “الكاف” في أغلب اللهجات العربية، وتحريكها في اللغات الأجنبية. يُختصر ويُدلّع بـ”الكلاشن” أو “الكلاش” عند هواته والعارفين بأمر تفاصيله تفكيكا واستعمالا.. فمن أخمص الخشب إلى أخمص الحديد، من “الصلي” إلى “المفرد” في طريقة الرش والإطلاق حسب مصطلحات العراقيين والسوريين والفلسطينيين، ومن جاء بعدهم من الليبيين واليمنيين، وغيرهم من عشاقه ومستعمليه.

مخترعه ضابط روسي كانت أسرته تعمل في الزراعة، ومع ذلك اتهمت في الفترة الستالينية بـ”بقايا الإقطاع المتعفن”. وعانت شتى أنواع التضييق، لكن ابنها شارك في معركة بريانسك عام 1941 ضد الألمان وجرح خلال المعركة ثم نقل بعدها إلى أحد المستشفيات الروسية لتلقي العلاج.

والدة ميخائيل تيموفييفتش كلاشنكوف، أنجبت 18 طفلا. كان هو أحد الثمانية الذين بقوا على قيد الحياة. عمل فنيا في محطة للقطارات في كازاخستان حيث تعلم الكثير عن الميكانيك. في عام 1938 انضم كلاشنكوف إلى الجيش وعمل في وظيفة تقني لدبابة هجومية. وفي هذا الموقع أظهر مهاراته العالية في ميدان تصنيع الأسلحة إذ اخترع وهو ابن عشرين عاما بعض التجهيزات التي لاقت استحسانا كبيرا من قبل الجنرال جوكوف، أحد أشهر الضباط في التاريخ السوفييتي، أثناء الحرب العالمية الثانية.

ومثل دب روسي جسور وعنيد، سكنت فكرة لدى ميخائيل، تأسست على سؤال، حسب قوله “كيف يمكن اختراع سلاح يسمح بقهر الفاشيين”. وبعد خمس سنوات من التجارب، توصل كلاشنكوف إلى  تصميم بندقية رشاشة وهجومية حملت اسمه، وحصل بعدها على جائزة جوزيف ستالين، المتمثلة في مبلغ يقدر بـ150ألف روبل أي ما يعادل ثروة حقيقية في تلك الفترة.

الكلاشنكوف، السلاح الذي أمسى في العقود الأخيرة من القرن الماضي رمزا لكل حركات التحرر في العالم ثم ما لبث أن انتقل إلى أكتاف الجهاديين والتكفيريين، في دراما لم يشهد لها التاريخ مثيلا.

بعد الحرب، عام 1950، أصبح كلاشنكوف الذي لم يكمل تعليمه عضو مجلس السوفييت الأعلى، أي زميلا للشاعر رسول حمزاتوف ورائد الفضاء يوري غاغارين، والكاتب ميخائيل شولوخوف وجراح العيون سفياتوسلاف فيودوروف.

مجد لم يُحرم منه كلاشنكوف -الذي عُرف عنه عشقه للشعر- إلا بعد موت جوزيف ستالين، ووراثة نيكيتا خروتشوف الحكم من بعده، ثم استمر فيه حتى حلول عام 1988 بعد أن نصب العداء وأعلن المعارضة لميخائيل غورباتشوف، الرجل الذي أعلن حل وتفكيك الاتحاد السوفييتي بعد عقود من الحرب الباردة التي ظل خلالها ميخائيل سرا عسكريا من أسرار الدولة في حله وتنقلاته.

لسائل أن يسأل: أين حقوق الابتكار وبراءات الاختراع إزاء هذا الرجل الذي ارتبط اسمه بكل قطعة سلاح تنقل من كتف إلى أخرى في تاريخنا المعاصر؟ لقد بيعت واستنسخت منها مئات الملايين في أكثر من خمسين بلدا في العالم، لكن ميخائيل كلاشنكوف لم يتلق أي مبلغ عن أي قطعة أنتجت أو صنعت لسلاحه.. هل كان يكفيه الاسم (ولعنة الاسم أحيانا) أم هي “لعنة السلاح” الذي يضر بصاحبه مثل طباخ السم ومتذوقه؟

 منذ عام 1949 وكلاشنكوف عاش في إحدى القرى الواقعة شرق روسيا. وكان يملك 30 بالمئة من شركة ألمانية يديرها حفيده إيجور، وتقوم الشركة بتعديل العلامات التجارية وإنتاج بضائع تحمل اسم  “كلاشنكوف” مثل شراب الفودكا والمظلات والسكاكين.

قطعة سلاح من نوع خاص
قطعة سلاح من نوع خاص

العبقرية تظل عبقرية، والاختراعات تبقى ابتكارا بشريا خالدا، مهما انحرفت بها النوايا والسياسات، وزاح بها التحريفيون، ذلك أن الرصاصة صمّاء، والمعنى في قلب وسبابة من يضغط على الزناد.

الإبداع يُورّث، بدوره، فميخائيل كلاشنكوف الأب، خلّف فيكتور كلاشنكوف، الابن الذي رحل عن عمر ناهز 76 عاما، وكلاهما كانت له بصمته في عالم تصنيع الأسلحة.. وكأن “كلاشنكوف” اسم لم يوجد إلا للأسلحة.

أسلحة كثيرة لم تصمد أمام كلاشنكوف، ولم تستطع مجاراته، فلا الريمغتون الأميركية، ولا العوزي الإسرائيلية، ولا هوغلو التركية، قادرة، كلها، على مجاراته في انخفاض سعره وكفاءته العالية وسهولة استخدامه، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تفضل شراء بنادق الكلاشنكوف المستعملة لحلفائها في سوريا وأفغانستان، بدلا من منحهم أسلحة أميركية أكثر كلفة. وهو أمر يزيد المشهد غرابة، ويرفع من رصيد كلاشنكوف، كمبدع كوني، شأنه في ذلك شأن كبار المخترعين الذين تخطت عبقريتهم الحواجز والحدود الجغرافية والسياسية.

ألا يقارب الأمر سؤالا فلسفيا ذا بعد وجودي يتمحور حول فكرة أن ليس للسلاح هوية ولا وجهة.. إنه ملك من يقدر على امتلاكه. يبقى السؤال الإشكالي الذي يطرح نفسه: هل أن عبقرية الاختراع تتعلق بالمادة التي أنتجها صاحبها أم بالفكر الذي أنتجها، وبصرف النظر عن طبيعتها وأهدافها؟ الواضح أن المسألة معرفية، من أساسها، وتتعلق بآليات توجيهها والاستفادة منها وفق المعايير الإنسانية والأخلاقية، ذلك أن السم يستخدم بشكل مزدوج يجمع بين القتل والاستشفاء.. وهو أمر يزيد الموضوع تعقيدا على مستوى التعريفات وسبل فهمها وتقييمها.

كلاشنكوف اسم دخل التاريخ من أوسع أبوابه، بل خلعها واقتحمها بالنسبة إلى الذين يرون فيه سلاحا حميدا في الجبهات ومذموما في حرب الشوارع، بطوليا على جبهات التحرر، وإرهابيا على أكتاف الجهاديين.

ما ذنب ميخائيل كلاشنكوف في كل هذا، وأنا -شخصيا- لمحته زائرا شرفيا في إحدى العواصم العربية أثناء تسعينات القرن الماضي وقد حرسته بنادق الكلاشنكوف، واصطف معجبوه لالتقاط الصور معه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة وديعة لا علاقة لها بجبهات القتال في العالم.. ابتسامة تشبه ملامح شخصيات تشيخوف في عالم سيد القصة القصيرة، و”كلاشنكوفها” المدافع عنها أبدا.

توفي كلاشنكوف، هرما، في 23 ديسمبر 2013 بعدما أدخل العناية المشددة بمستشفى في مدينة إيجيفسك الروسية في 17 نوفمبر من العام نفسه. قدم التعازي فيه الرئيس فلاديمير بوتين، ووصف رئيس الوزراء السابق ديمتري ميدفيديف رحيله بأنه “فقدان هائل لا يمكن التعويض عنه بالنسبة إلى بلادنا كلها”. وأقيمت مراسم تشييعه في المجمع العسكري الفيدرالي بضواحي موسكو، وحضر التشييع الرئيس بوتين ووزير الدفاع سيرغي شويغو، ورئيس الديوان الرئاسي سيرغاي إيفانوف، فليس كل يوم يولد -أو يموت- رجل مثل ميخائيل كلاشنكوف.

سلاح أكثر إحكاما

سعر منخفض، كفاءة عالية وسهولة في الإستخدام
سعر منخفض، كفاءة عالية وسهولة في الإستخدام 

بندقية الكلاشنكوف الآلية طراز 1974، هي بندقية اقتحام من عيار 5.45 × 39 ملم طورها الروس في بداية السبعينات عبر القيام بتجارب عديدة لتحسين سلاح الكلاشنكوف، وقاموا بتغيير عياره من 7.62 × 39 ملم إلى 5.45 × 39 ملم، وهذا الأخير أخف من الأول بنسبة 50 بالمئة. كما قاموا بتصنيع معدل ارتداد جيد، ورُكب على فوهة السلاح وقد أثبت فعاليته في تخفيف الارتداد. وفي سنة 1974 أدخل هذا السلاح إلى الخدمة الفعلية في الجيش السوفييتي كسلاح فردي رئيسي. شوهد هذا السلاح في عام 1977 ضمن قوات المشاة السوفييتية والقوات المحمولة بحراً وخاصة خلال حرب أفغانستان.

ويؤكد خبراء الأسلحة أن معدل الارتداد في الكلاشنكوف فعال ويعمل على تحويل الضغط الذي يدفع بالسبطانة إلى أعلى إلى الجانبين مما يزيد من قدرة التحكم بشكل جيد في السلاح عند الإطلاق الآلي. ومن عيوب هذا السلاح -يقول المتخصصون- أنه يحدث صوتا قويا جدا في الجانبين وذلك لأن الضغط الذي كان يجب أن يكون إلى الأعلى تحول إلى الجانبين، وصار أكثر إحكاما.

ومهما يكن من أمر، فإن كلاشنكوف يبقى اسما مؤسطرا، وقطعة سلاح من نوع خاص، تفوق قامات أطفال اليمن من الذين جندهم الحوثيون في عصاباتهم، ويختبئ خلفها ذوو الأجساد النحيلة في حروب أفريقيا، ويطلق منها المحتفلون أعيرتهم النارية في الليالي الحمراء.. والأبعد من ذلك كله أن يُطلق اسمها وتتصدر صورها زجاجات الفودكا الروسية.. فما الذي بقي من كنيتك يا “رفيق ميخائيل”؟

16