كلاشنيكوف.. المخترع الذي تحول سلاحه إلى أشهر أداة للقتل

الجمعة 2013/11/15
اسمه ارتبط بأشهر الأسلحة

لا يستغرب الكثيرون أن يكون اسم "كلاشنيكوف" الأكثر شهرة في العالم من أسماء لينين وستالين وغورباتشوف، وذلك يعود إلى انتشار ذلك السلاح على نطاق واسع حيث أنتج منه ما يزيد عن 100 مليون قطعة كانت كافية ليحظى مخترعه ميخائيل كلاشنيكوف بشهرة جابت الآفاق.

العسكري والمخترع الروسي سيملأ اسمه وسائل الإعلام بعد النجاح الذي حققه السلاح الرشاش الذي حمل اسمه ولتبدأ معه مسيرته الحافلة بالإنجازات.أسطورة قطاع الصناعات الحربية الروسية، الذي احتفل بعيد ميلاده الرابع والتسعين مؤخرا (العاشر من تشرين الثاني)، تمكن من تطوير سلاحه البسيط لتحظى بنادقه الآلية ورشاشاته الخفيفة بشهرة فائقة لدقتها وأمانها.

كلاشنيكوف يعــد بمثابة البطل، فهو رجــل يحمل ثقافة واسعة وعميقة وتبــدو الانفعالات مرتسمة على وجهــه بقــوة عندما يتحدث عـن شيء يحبه، فثمـة خلــف السلاح الذي يعرفــه الجميع شخصية عـاشت العـديـد من الصعـاب والمآسي.

المصمم العالمي، بلغت شهرته مداها حتى أن الأميركي المتخصص في الأسلحة إدوارد أيزيل بعث برسالة شخصية إلى كلاشنيكوف كتب على الظرف الاتحاد السوفيتي، ميخائيل كلاشنيكوف فقط دون أن يذكر العنوان الكامل ووصلت الرسالة إلى صاحبها.

قال عنه الرئيس الروسي السابق دميتري مدفيديف إن كلاشنيكوف تسنى له أن يجعل الأسلحة الروسية رمزا وطنيا أصبح معروفا في جميع أنحاء العالم. ونعود هنا للتعرف على شخصية كلاشنيكوف بأكثر تفاصيلها وعن مسار سلاحه الذي عد من أشهر اختراعات القرن العشرين.

ولد ميخائيل تيموفيفتش كلاشنيكوف، مصمم الأسلحة الخفيفة البارز ودكتور العلوم الفنية سنة 1919، لأسرة فقيرة تعمل في الفلاحة، أنجبت والدته 18 طفلا وهو أحد الأطفال الـ8 الذين بقوا على قيد الحياة. وكان والده تيموفيه كلاشنيكوف من ملاك الأرض الصغار في روسيا، الأمر الذي تسبب في تهجيره من وطنه إلى سيبيريا في عهد سلطة البلاشفة. واضطر ميخائيل إلى تزييف أوراقه الشخصية لكي يثبت براءته أمام السلطة البلشفية من حيث انحداره الطبقي.

قصته مع السلاح بدأت عندما وجد صدفة مسدسا ألمانيا صدئا خلفته الحرب العالمية وراءها، فأمضى أياما طويلة وهو يحاول إصلاحه وعلى إثر وشاية تم اعتقاله والتحقيق معه لمدة ثلاثة أيام من أجل إعادة المسدس، لكنه نفى كل شيء ثم لم يتردد عند إطلاق سراحه من مغادرة قريته إلى كازاخستان حيث بدأ حياته المهنية كعامل في محطة للقطارات حيث تعلم الكثير عن الميكانيك.

عام 1936 تم تجنيده وخدم في الجيش الأحمر سائقا للدبابة بفوج الدبابات المرابط في أوكرانيا الغربية. وأظهر ميخائيل كلاشنيكوف خلال خدمته في الجيش الأحمر قدرته على الاختراع وصمم عدادين حديثين لطلقات مدفع الدبابة والوقود المستهلك فيها وملزمة ملحقة بالمسدس "تي تي" تساعد على زيادة فاعلية الرمي عبر ثقب في برج الدبابة. وأصبح الاختراع الأخير ذا أهمية خاصة لوحدات الدبابات في الجيش الأحمر.

سنة 1938 عمل في وظيفة تقني لدبابة هجومية وفي هذا الموقع أظهر مهاراته العالية في ميدان تصنيع الأسلحة، قبل أن تتفجر مواهبه أثناء إقامته في المستشفى خلال الحرب العالمية الثانية سنة 1941 حيث قام بدراسة عدة تصاميم أسلحة وانتهى إلى وضع تصميم لبندقية آلية مشتقة من بندقية استعملها الألمان في الحرب، مبتكرا السلاح الأشهر في العالم.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية شارك كلاشنيكوف في معركة بريانسك الشهيرة ضد الألمان وجرح ليجد نفسه بعد أن أمضى سبعة أيام وراء الخطوط الألمانية في أحد المستشفيات السوفييتية يقول ميخائيل كلاشنيكوف عن تلك الفترة: "هناك وعلى الرغم من الآلام التي كنت أعاني منها بسبب جروحي كانت هناك فكرة وحيدة تسيطر على ذهني طيلة الوقت وهي كيف يمكن اختراع سلاح يسمح بقهر الفاشيين".

ابتداء من تلك الفكرة وتلك الفترة وبعد جهود استمرت خمس سنوات توصل كلاشنيكوف إلى اختراع البندقية الرشاشة الهجومية( 47 -AK ) التي حملت اسمه.

المخترع الكبير لم يكمل أبدا دراسته الثانوية ويقول في هذا الصدد: "لقد ولدت مخترعا، إن جامعاتي التي تعلمت فيها هي الكتب".

حصل ميخائيل كلاشنيكوف عام 1949 عندما كان عمره 29 سنة على جائزة ستالين ليصبح شخصية مرموقة وليتم انتخابه ست مرات لعضوية مجلس السوفييت الأعلى. وإن لم يصبح يوما أحد أعضاء النخبة السياسية الشيوعية النافذين، لكنه لم يؤيد أبدا السياسة الإصلاحية التي انتهجها ميخائيل غورباتشوف منذ توليه السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق عام 1985.

وقد تفرغ اعتبارا من تلك السنة أيضا لأجل تحسين تقنيات صناعة سلاحه والتفكير باختراع نماذج جديدة منه إذ كان ينبغي الإبقاء على قدرة المنافسة في مسيرة التقدم.

محطات من حياته
* 1949 حصول كلاشنيكوف على جائزة ستالين.

* 1950 تم اقتراح أن يكون ميخائيل كلاشنيكوف، عضوا في مجلس السوفييت الأعلى.

* 1970 قام كلاشنيكوف بأول رحلة إلى الخارج وكانت إلى بلغاريا.

* 1972 أول اتصال لميخائيل كلاشنيكــــوف مع الولايات المتحدة الأميركية إذ وجد ذات يوم بطاقة في صندوق بريده مصدرها أميركا.

* 1989 لقاؤه بادوارد إيزيل المؤرخ الأميركي المختص في مسائل التسلح.

* 1990 قـــــــــام كلاشنيكـــــــــوف بزيارته الأولى إلى الولايـــات المتحدة الأميركية للمشاركـة في عمــل توثيقي علمي حول مبدعي الأسلحة النارية الحديثة.

ومنذ العام 1950 تم اقتراح ليكون، عضوا في مجلس السوفييت الأعلى الأمر الذي سمح له بأن يرى من بعيد ستالين، وبقي في هذا المجلس حتى تم حله عام 1988 منذ بداية الخمسينيات بحيث لم يغب عنه سوى عشر سنوات خلال هذه الفترة كلها وذلك عندما مات ستالين وخلفه نيكيتا خروتشوف. كان كلاشنيكوف يرى في ستالين أنه يمثل حسب التربية السائدة آنذاك، رمز الأمة السوفييتية وبأن الانتصار الذي تم تحقيقه في الحرب العالمية الثانية والصمود البطولي الذي قامت به مدينة لينينغراد ـ سان بطرسبورغ حاليا إنما هو بفضله.

كلاشنيكوف لا يتردد في التأكيد بأن الشعب كله كان يبكي يوم وفاة ستالين يقول: "كان لدينا الشعور بأنه لا يمكن للحياة أن تستمر بدونه" هذا قبل أن يؤكد بأن "الأجواء قد تغيرت تماما بعد رحيله". قام كلاشنيكوف بأول رحلة إلى الخارج عام 1970 وكانت إلى بلغاريا كان ذلك برفقة زوجته بقصد إمضاء وقت راحة في محطة الرمال الذهبية، وقبل مغادرة الاتحاد السوفييتي تلقى أمرا بالمرور على مقر جهاز الاستخبارات الكي جي بي، كانت التعليمات واضحة وهي ألا يعرف البلغاريون أبدا هويته، لا سيما وأن المجموعة السياحية كلها كانت ستزور مدينة «كازانليك» حيث يوجد مصنع لرشاشات كلاشنيكــوف بل وكـــان ينبغي ألا يعرف أعضاء المجمـــــوعة السياحيـــة أنفسهــــــم هــــويتــــه الحقيقيـــة التـي ينبغي أن تبقى سرا عسكريــــــــا. في 1990 قـــام كلاشنيكوف بزيارته الأولى إلى الـــــــولايات المتحــدة الأميركيـــة للمشاركة في عمل توثيقي علمي حول مبدعي الأسلحة النارية الحديثة وهكذا ارتبط بصداقة متينة مع المؤرخ إدوارد أيزيل صداقة يصفها بالقول: "كنا مثل طفلين يتقاسمان نفس الهوى".

يمارس ميخائيل كلاشنيكوف هوايات عدة ومن بينها هواية تصميم بنادق الصيد، وتحظى بندقية الصيد شبه الآلية من طراز "سايغا" المصممة على قاعدة بندقية الكلاشنيكوف الآلية بشعبية بالغة لدى هواة الصيد في روسيا وخارجها.

واخترع ميخائيل كلاشنيكوف أكثر من عشرة نماذج من بنادق الصيد من طراز "سايغا"، وبينها "سايغا- 410" و"سايغا – 20 اس" اللتين لا تزالان لحد الآن قيد الانتاج في شركات الأسلحة الروسية.

تقول صحيفة التايمز البريطانية في أحد أعدادها إنه من النادر أن يمر يوم دون أن يرى فيه كلاشنيكوف بندقيته على شاشة التلفاز وبينما يفخر لرؤيتها في أيدي جنود الجيوش النظامية وحركات التحرير، يشعر بالأسى لرؤيتها بين أيدي الأطفال المجندين والمجرمين. وعن ذلك يقول: "آسف لرؤية تلك الأعداد من الأبرياء يقتلون ببندقيتي، لكنني أهدئ نفسي وأقول إنني اخترعت هذا الرشاش قبل 60 عاما لحماية مصالح بلادي".

الانتشار العالمي

كما ملأ اسمه الآفاق فإن سلاحه كلاشنيكوف أصبح الأكثر انتشارا في العالم وقد اعتمدت لتسليح الجيوش لدى 55 دولة وطورت منها نماذج عدة أهمها (إيه كي 47، وإم إيه كي 101، وإيه آي كي 971).

فقد استعمله العسكريون في العراق والذين شهدوا حروبا عدة في العقود الماضية وأبدوا نحوه الكثير من الاحترام ويعتبرون أن من يحمل الكلاشنيكوف يحمل سلاحا يعتمد عليه.

وأصبح الكلاشنيكوف رفيق درب لمقاتلي حركات التحرر ودخل ضمن الأغاني والأناشيد الثورية وقيلت فيه الأشعار، وأصبح يزين شعارات وأعلام الدول و قوى المقاومة واحتل عناوين الأفلام السينمائية. وأصبح في القضية الفلسطينية جزءا من الثراث النضالي للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.

ودفعت الشعبية التي حظيت بها بندقية "كلاشنيكوف وازدياد الطلب عليها من دول كثيرة لا لشرائها من مصدر إنتاجها الشرعي وإنما لإنتاجها دون ترخيص حتى أصبح التقليد هو الخطر الأكبر الذي يهدد سمعة ووجود هذا السلاح.

وتعرف بندقية الكلاشنيكوف بأنها سلاح الفقراء وصديق الثوار لدقتها وبساطة استخدامها ورخص ثمنها، ما جعل منها السلاح الخفيف الأكثر فتكا منذ الحرب العالمية الثانية. ووضعت صحيفة "ليبيراسيون" الفرنسية قائمة بأهم اختراعات القرن العشرين ابتداء من دواء الأسبيرين حتى القنبلة الذرية، حيث أدرجت فيها بندقية الكلاشنيكوف الآلية. ويذهب الخبراء إلى أن سلاح كلاشنيكوف حقق انتشاره العالمي الواسع نظرا لأنه لم يكن كثير التعقيد إضافة إلى متانة الصنع وقدرته على التحمل كل المناخات مهما كانت قساوتها. لذلك نجح ذلك السلاح في كسب ثقة الدول التي تعاملت مع الاتحاد السوفياتي وقتها وتم شراء الكثير منه.


الجيش الروسي والكلاشنيكوف


لزمن طويل كان كلاشنيكوف السلاح الروسي الأول الذي يعتمد عليه كثيرا، وساهم بدور كبير في عدة انتصارات وقد عمل الروس على تطويره وتحسين قدراته. ففي العام 2011 اختتمت عملية تصنيع أول نموذج تجريبي لبندقية كلاشنيكوف الآلية من الجيل الخامس التي أطلقت عليها تسمية "آ ك – 12".

وقد جرى تصميم وتصنيع البندقية الجديدة تحت إشراف فلاديمير زلوبين كبير المصممين في مصنع "إيغماش" الروسي. وتمكن مصممو بندقية "آ ك – 12" الآلية من تحسين مواصفات سلاح كلاشنيكوف إلى حد كبير بحيث يتأقلم مع ظروف المعركة الحديثة ويحتفظ في الوقت نفسه بصفاته الفريدة من نوعها وهي بساطة التصميم والمتانة في الاستخدام وسعره المنخفض.

واحتفظت البندقية بتركيبها التقليدي ما يسمح بتصنيع سلاح بسيط من ناحية التصميم ويتيح تركيب أجهزة ماسورة ومخازن ذات سعة كبيرة فيه. ومن إحدى ميزات البندقية الجديدة قدرتها على تطوير نماذجها على قاعدة نموذج أساسي.

ويتوقع أن تطور بندقية "آ ك – 12" إلى 20 نموذجا للأسلحة الخفيفة المستخدمة في المجالين العسكري والمدني، وذلك باستخدام طلقات من عياري 5،45 ×39 مم حتى 7،62 × 51 مم. وأدخلت على البندقية الجديدة تعديلات في تصميمها إذ أصبح بالإمكان التحكم بواسطة يد واحدة تمسك البندقية في العناصر الرئيسية للتحكم في السلاح، وبينها مفتاح الأمان ومحول نوع الرمي وسقاطة المخزن وموقف المغلاق.

وتتميز البندقية الجديدة بوجود 3 أنظمة للرمي – الرمي بطلقات منفردة والرمي بدفعات تحتوي على 3 طلقات والآلي. أما ماسورة البندقية فتم تصميمها لتمكينها من إطلاق قنابل أجنبية الصنع. ويتم الآن تصنيع مخازن جديدة للبندقية تتسع لـ30 طلقة و60 طلقة و95 طلقة.

وصرح إيغور كوروتشينكو رئيس المجلس الاجتماعي لدى وزارة الدفاع الروسية لمراسل إذاعة "صوت روسيا" إن نسختي كلاشنيكوف القديمة والجديدة تفوقان مثيلتهما الأميركية "ام – 16"، وقال: "لا يمكن أن تنافس بندقية "ام – 16" حتى نسخة كلاشنيكوف القديمة لأنها تواجه مشاكل في إطلاق النار لدى استخدامها في ظروف المناخ الصعبة مثل ظروف الصحراء. لذلك يفضل الأميركيون التسلح في أفغانستان ببندقياتنا "كلاشينكوف". أما فيما يتعلق ببندقية "آ ك – 12" فإنها عبارة عن سلاح فريد من نوعه يتصف بأجهزة ميكانيكية دقيقة.

لكن المفاجأة التي لم يقع إعلام ميخائيل كلاشنيكوف بها هي إعلان الجيش الروسي وقف استخدامه، ويُخشى عليه من تلقي نبأ وقف استخدام السلاح المرتبط باسمه وهو الذي تجاوز التسعين عاما.

فالجيش الروسي طالما تفاخر ببندقية الكلاشنيكوف بنوعيها "أي كي سبعة وأربعين" والطراز المطور "إيه كيه أربعة وسبعين"، وبأنها الأكثر خفة وقوة للاستخدام في النزاعات، إلا أنه الآن أصبح يرى أن هذا السلاح لم يعد ملائما لجنوده بعد التطور التكنولوجي في عالم التصنيع العسكري.

وسواء كان قرار إيقاف شراء البندقية الأكثر شهرة في العالم يعود فعلا إلى وجود كميات مهولة في مخازن السلاح الروسية، أو أن تطورا طرأ على الجيش الروسي أدى إلى تزويد جنوده ببندقية أكثر قوة وخفة وأقل سعرا فإن مكانة هذا السلاح قد لا تتأثر كثيرا في ساحة النزاعات العالمية. نجح كلاشنيكوف إذن في إهداء الشعوب الساعية إلى التحرر السلاح المناسب لهم وتمكن من الحصول على شهرة واسعة، لكن هل ينظر ميخائيل وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر إلى الذين يسقطون قتلى كل يوم بالسلاح الذي اخترعه بأعين أخرى يملؤها الحزن والندم؟

12