كلام أردني عن "الهوية المسيحية العربية"

السبت 2013/09/07

ثمة كلام كبير ذو مغزى عميق لا يتجرّأ على قوله إلا بعض الكبار في عالمنا العربي الذي تحّول منذ فترة لا بأس بها إلى عوالم.

من هذا الكلام الذي لا يستطيع كثيرون أعماهم التعصّب الديني والمذهبي فهم معناه، ذلك الذي صدر قبل أيّام عن الملك عبدالله الثاني بمناسبة استضافة عمّان لمؤتمر «التحديات التي تواجه المسيحيين العرب». قال عبدالله الثاني: «نحن نعتزّ بأنّ الأردن تشكّل نموذجا متميّزا في التعايش والتآخي بين المسلمين والمسيحيين، كما نؤمن بأنّ حماية حقوق المسيحيين واجب وليس فضلا أو منّة. فقد كان للمسيحيين العرب دور كبير في بناء مجتمعاتنا العربية والدفاع عن قضايا أمّتنا العادلة». أكثر من ذلك، قال العاهل الأردني: «إننا ندعم كلّ جهد للحفاظ على الهوية المسيحية العربية التاريخية وصون حقّ حرّية العبادة انطلاقا من قاعدة إيمانية إسلامية ومسيحية تقوم على حبّ الله وحبّ الجار».

تكمن أهمّية هذا الكلام في أنه يأتي في وقت يتعرّض فيه المسيحيون العرب إلى هجمة شرسة أخرى تستهدف تهجيرهم من أرضهم على غرار ما حصل في هذا البلد العربي أو ذاك بدءا بفلسطين وصولا إلى العراق وسوريا ومصر… وحتّى لبنان.

فلبنان، الذي يتعرّض مسلموه ومسيحيوه إلى هجمة من أقسى الهجمات، كان في الماضي القريب جدّا نموذجا لما يمكن أن تكون عليه دولة عربية ذات مجتمع منفتح تجري فيها انتخابات نيابية ورئاسية بطريقة طبيعية، ويعود رئيس الجمهورية المسيحي إلى بيته بمجّرد انتهاء مدة ولايته الدستورية.

لا مجال لتعداد الجرائم التي ارتكبت ولا تزال ترتكب، في حقّ لبنان، وصولا إلى وجود حزب مذهبي مسلّح مدعوم من إيران يسعى إلى تدمير كلّ مؤسسات الدولة اللبنانية والقضاء على نسيج المجتمع اللبناني.

ولا مجال أيضا لتعداد سلسلة الأخطاء التي ارتكبها المسيحيون اللبنانيون أنفسهم الذين لجأوا في مرحلة معيّنة إلى السلاح، فوقعوا في الفخ الذي نصبه لهم النظام السوري مستعينا بالفلسطينيين. هذا النظام الذي اعتقد أنّ تحريض الطوائف اللبنانية على بعضها بعضا سيسهل عليه وضع الوطن الصغير تحت وصايته إلى ما لا نهاية وذلك من منطلق في غاية الغباء.

اسم هذا المنطلق هو «حلف الأقلّيات» الذي يدار من دمشق وطهران. إنه الحلف الذي لا يزال النظام السوري يراهن عليه غير مدرك أنه دمّر سوريا بسبب هذه اللعبة التي أفرغت البلد من مسيحييه منذ فترة طويلة، حتى قبل لجوء عسكر البعث إلى التأميم بعد استيلائهم على السلطة في الثامن من آذار- مارس 1963.

في الواقع إن عملية استنزاف المسيحيين في سوريا بدأت بعد الوحدة مع مصر في عام 1958، وهي وحدة أسست لنظام أمني لا مكان فيه لحرية وانفتاح وتعليم متطوّر يخلق بيئة حاضنة لمجتمع طبيعي تحترم فيه حقوق كلّ المواطنين بما في ذلك المسيحي واليهودي والإسماعيلي.

وسط كلّ ما شهده العالم العربي من مآس أدت إلى تهجير المسيحيين واضطهادهم قبل «الربيع العربي» بكثير، بقيت الأردن حالة استثنائية. ولأنها بقيت كذلك، يحقّ لعبدالله الثاني قول ما لا يستطيع غيره قوله بما في ذلك أنّ «الهاجس الأكبر لدينا هو أن تترسّخ النظرة السلبية والانعزال بين أتباع الديانات، ما يؤدي إلى تفتيت النسيج الاجتماعي. وهذا يتطلب منا جميعا التركيز على موضوع التربية والتنشئة لحماية الأجيال القادمة، وهذه مسؤولية الأسرة وباقي المؤسسات التربوية إضافة إلى المساجد والكنائس».

لا شكّ أن العاهل الأردني يعرف ما الذي يتكلّم عنه هنا. إنه يعرف الأضرار التي لحقت بالمجتمع الأردني بعد تسليم التربية خلال فترة معينة إلى الإخوان المسلمين. وهذا ما عانت منه ولا تزال تعاني غير دولة في المنطقة، بينها مصر التي سعت السلطة فيها إلى المزايدة على الأحزاب الدينية في إطار المواجهة معها في مجال التربية وتنشئة الأجيال الجديدة.

ولكن يبقى أن الأهم من ذلك كلّه، أنّ ما سمح للأردن بالصمود في وجه التخلف، على الرغم من موجة التزمت الديني التي تعرّض لها في مرحلة معيّنة بدأت بلجوء فلسطينيين كانوا في دول الخليج إليه، وصعود أسهم «حماس» في الأراضي الفلسطينية بتشجيع اسرائيلي واضح، هو عقلية الملك. فالملك في الأردن أكان اسمه الحسين بن طلال، رحمه الله، أوعبدالله بن الحسين يعرف معنى أن «المسيحيين هم الأقرب إلى فهم الإسلام وقيمه الحقيقية، وهم مدعوون إلى الدفاع عنه في هذه المرحلة التي يتعرّض فيها للكثير من الظلم بسبب جهل البعض بجوهر الإسلام الذي يدعو إلى التسامح والاعتدال والبعد عن التطرف والانعزال». وهذا الكلام هو أيضا لعبدالله الثاني الذي يواجه بلده هذه الأيّام مجموعة من التحديات، من بينها التعاطي مع ما يعانيه المسيحيون، بمن فيهم مسيحيو القدس التي هي مسؤولية العاهل الأردني. هذه التحديات لم تضعه، لحسن الحظ، في موقع دفاعي يؤدي إلى التردد في قول الكلمة الحقّ عندما تكون هناك حاجة ماسة إلى ذلك.

كان المؤتمر الذي انعقد في عمّان عن «التحديات التي تواجه المسيحيين العرب» هجمة على الذين باتوا يخافون من الاعتراف بأن وجود المسيحي العربي مصدر غنى للمنطقة وللمجتمعات العربية.

ما شهدته وتشهده عمّان منذ سنوات عدة من أجل الوقوف في وجه التطرف والإرهاب بكلّ أنواعهما، والدفاع عن الوجود المسيحي والإسلامي في القدس يفرض العودة إلى الماضي القريب، أي إلى ما مثّله الهاشميون دائما على الصعيد الحضاري.

هل هناك من يريد أن يتذكّر أن العراق لم ير يوما أبيض منذ انقلاب الرابع عشر من تموز- يوليو 1958، عندما كان هناك ملك قادر على احتواء الجميع من عرب وأكراد وتركمان وسنّة وشيعة ومسيحيين ويهود؟ ماذا فعل العسكر بعد قتل الملك وأفراد العائلة والقريبين منهم؟ ماذا فعل البعث بالعراق بعد تخلصه من العسكر؟ ماذا فعل الاحتلال الأميركي بعد تخلصّه من البعث والعائلة الحاكمة وإتيانه بالميليشيات المذهبية لتحكم العراق؟

ما تطرحه مأساة العراق يتجاوز العراق. إنه يعني كل دول المنطقة، خصوصا مصر.

إنه يعطي مؤشرا على ما يمكن أن تأول إليه أحوال الشرق الأوسط في غياب من يصف الأمور كما هي دون مواربة. من هنا تبرز أهمية كلام عبدالله الثاني الذي قبل التصدي لكل التحديات على الرغم من الإمكانات المتواضعة جدا للأردن!


إعلامي لبناني

8