كلام الدخان

هكذا عثرت، في الآثار المدموغة على الجدران، على أشيائنا المفقودة التي استخدمناها لسنوات عديدة، عثرت على أفكارنا التي احتوتها وعلى لمساتنا ونظراتنا التي تلقفتها وآمالنا القتيلة التي احتضنتها وضحكاتنا التي أصغت إليها.
الجمعة 2019/04/12
آثار مدموغة على الجدران

منذ 12 سنة شعرنا في مركز عملي السابق، أن الحلم الذي دغدغ مخيلتنا بمستقبل واعد بعد انتهاء الحرب اللبنانية في بداية التسعينات بدأ يتلاشى لاسيما مع عودة أمراء الحرب، ملوكا إلى البلد وبعد تفشي الفساد حتى طال مكان العمل الذي كان في بدايته الطاقة المُحركة والمُعمّمة لكل المشاعر الإيجابية.

ظل هذا التبدل غير قابل للتصديق من شدة بشاعته حتى جاء اليوم الذي افتعل فيه بعض الجماعات حريقا هائلا في مبنى أخبار تلفزيون المستقبل، حيث كنت أعمل وأنتمي بكامل قلبي إلى زرقته الواعدة.

أذكر في اليوم التالي عندما دخلت صباحا إلى المبنى استقبلني شعور غريب جدا لم أستطع في البداية تحديده، تسلقت الدرج المؤدي إلى جناح عملي آنذاك ببطء شديد، ربما مخافة أن أزيد من ضرر ما حصل أو أوقظ أكثر ممّا بدأ يستفيق بداخلي من سبات دام بضع سنوات بعد إعلان نهاية الحرب.

كان ما تبقى من الماء الذي استخدم لإخماد الحريق ينهمر قطرات بألوان مُعكّرة، وكانت رائحة حريق أسلاك الكهرباء وآلات العمل الإلكترونية لا تطاق، كما استولى السخام على كل شيء في المبنى وانتشرت الأوراق والشرائط المحترقة عند كل موطئ قدم، منها أوراق كنا قد كتبنا عليها أنا وزملائي ملاحظاتنا التي بدت لأول مرة في غاية السخافة، هذا أقل ما يقال عمّا شاهدت.

أما الذي كان “أغرب”-إنْ صحّ التعبير- من هذا المشهد فهو ما شعرت به يتأجج في داخلي وما امتنعت عن ذكره لأحد إلاّ للمقربين جدا مني مخافة أن يُفهم بشكل خاطئ. يومها شعرت أنه لأول مرة وبعد سنوات عديدة وجدت شكل ورائحة هذا المكان مطابقين تماما لما أصبح مع مرور السنوات مرتعا للفساد والتضليل والخيبات، هكذا دخلت إلى المكتب وحاولت أن أنصت أكثر إلى كل ما كانت تقوله الجدران المُصدّعة والمُقشرة بفعل الحريق أو الحرارة.

وكان لرؤيتي بعض المسؤولين يتجولون في أروقة المكان “لتفقد” ما حدث وقع تجلّيات أنعمت بها عليّ تلك اللحظات المؤلمة، فها هم لأول مرة قد ظهروا بالكامل على حقيقتهم وقد تغلغل السخام داخل مساماتهم واتحد معها ظاهريا كما داخليا.

بعد أن غادرت العمل هناك وبعد مرور أكثر من 15 سنة على هذه الحادثة أخذت إذنا بزيارة المكان لسبب لم أفهمه تماما، ولا أعرف كيف أقنعت به “حراس” المبنى المُسجى في مكان سقوطه.

كان المكان مهجورا وقاتما أكثر من قبل، لم يتم ترميمه أو حتى تنظيفه فسمح ذلك بتخثر الذكريات والأحلام التي بددها أصحابها دون أدنى تحفظ، تخثر أصمّ من ناحية أذان جدران المبنى فلم تعد تسمح بإدخال أي صوت من خارجه، فعزلني عن جريان الزمن وحوّل من ناحية أخرى الذكريات المُتراكمة والآمال المدحورة إلى أنفاس ثقيلة أكاد أصفها بالشبحيّة المُتململة.

لفتت نظري ظاهرة لم تكن حاضرة البتة يوم الحريق ولا في الأيام التي تلته، فبعد أن أُخلي المكان تماما من كل موجوداته التي أذكر مواقعها جيدا ظهرت “هالات” الموجودات مطبوعة على الجدران، الخزائن، الطاولات والصور التي كانت مُعلّقة.. كل شيء حضر بغيابه من خلال الآثار التي خطها الدخان. أخذتني هذه المشاهد إلى ما صنعه الفنان الإيطالي كلوديو بارميجياني المولود سنة 1943، فقد قدّم تجهيزا نفّذ من خلاله حرق كتب ولوحات معلقة على جدران نظيفة ثم عمد إلى نزع تلك الأشياء قبل أن تحترق تماما.

ظهرت أشكال هذه الأشياء، أو ذكرى أشكالها على خلفياتها كما حدث تماما في المبنى المحروق، وصف الفنان تجهيزه هذا بأنه “فعل نحت أقامه الزمن وصنعته النار ورمادها”.

هكذا عثرت، في الآثار المدموغة على الجدران، على أشيائنا المفقودة التي استخدمناها لسنوات عديدة، عثرت على أفكارنا التي احتوتها وعلى لمساتنا ونظراتنا التي تلقفتها وآمالنا القتيلة التي احتضنتها وضحكاتنا التي أصغت إليها، عثرت عليها مادة أثيرية تغلغلت في روحنا لتبقى.

17