كلام الزغاريد

جميلة هي الزغاريد عندما تكون تعبيرا وإعلانا عن الفرحة ولكنها تصبح حمالة لمعان عميقة من الحزن والشجن عندما تطلق في الجنائز.
الخميس 2018/07/12
شهداء الواجب

فصل الصيف هو موسم الزغاريد في تونس، فلا يخلو حي من زغردة النساء في مناسبات الفرح مثل النجاح والزواج والخطوبة وغيرها. وتسمع الرجال يأمرون نساء البيت بترديد الزغاريد لإعلان الفرحة وتعميمها. للزغرودة إيقاع ولحن يجعلان خروجها من الحلق كأنها معزوفة تجلجل لتملأ أرجاء المكان.

جميلة هي الزغاريد عندما تكون تعبيرا وإعلانا عن الفرحة ولكنها تصبح حمالة لمعان عميقة من الحزن والشجن عندما تطلق في الجنائز. تردد النسوة زغاريدهن عندما يشيع جثمان شاب أعزب أو فتاة عزباء وكأنهن يزففن الأعزب المتوفى عريسا، وكأنهن يرفضن أن يودع بيت الأسرة دون أن يزف بزغاريد والدته وأخواته ويرفضن ألا تردد الزغاريد عند مغادرته بيت أبويه حتى وإن كان جثة.

وتردّد الزغاريد هذه الأيام عند توديع شهداء تونس من رجال الأمن الذين طالتهم يد الإرهاب وقد ردّدت في جنازات سابقيهم من الشهداء لكن هذه الزغاريد مختلفة عن تلك التي تعلو في الأفراح. زغاريد تقشعرّ لها الأبدان وتذرف لسماعها الدموع. أصواتها ممزوجة بالعبرة والحزن لكنها تعلو رغم كل شيء. تعلو في جلجلة تحمل أبعادا رمزية كثيرة.

فبجانب توديع العزاب الخارجين من بيوت أهاليهم، توجه هذه الزغاريد للقتلة رسائل كثيرة من بينها نحن نتحداكم، ونودعهم وكلنا فرح وفخر لأنهم توفوا نبلاء وتوفوا وهم يدافعون عن معان راقية لا تدركها عقولكم المعوقة، إنها معاني حب الوطن والشرف والإخلاص والبطولة. نزفهم إلى قبورهم ونحن مستعدون لنزف غيرهم الكثير لكننا لن نرضخ لكم ولأفكاركم الظلامية والظالمة والرجعية الهدامة. تردد هذه الزغاريد بحرقة ومرارة الموت معاني العظمة والقوة وتصرح بفرحة من نوع آخر، نوع لا يدركه إلا من يصل قمة الحزن ويحوّله إلى مصدر للفرحة لعل أم الشاب المتوفى تقول في زغرودتها مودعة فلذة كبدها “أنا فخورة بك، أنت رفعت رأسي، أنت دافعت عني وعن أهلك وبلدك، أنت مصدر فخر الأسرة والحي والقرية والبلد، أنت بطلي وبطل البلد، أنت سبقتني وسوف ألحقك وحينها سوف أسعد بزيارة الموت لي ولن أجزع منه، لعل زفافك لبيت الزوجية لن يكون بهذه الوجاهة وهذا الزخم لكن زفافك هذا عظيم مثل عظمة ما قدمته لي ولبلادك ومثل عظمة حبي لك”.

21