كلام عن فلسطين

الاثنين 2014/07/14

هذا العدوان جحيم من الحمم، هجوم همجي، حرب إبادة، عدوان كبير، قل ما شئت، لكنه ليس العدوان الأول وقد لا يكون الأخير. وبين عدوان وآخر يزداد الجرح إيلاما، والطريق انغلاقا، والأفق انسدادا، بل تكاد تغدو فلسطين كقضية غير قابلة للتفكير فيها، عدا تهييج المشاعر عبر البكاء والاستجداء والرثاء والرياء، وبهذا النحو نفقد بقايا الكبرياء.. وليس هذا ما نريد.

لذلك.. بعيدا عن مجالس النّواح، بعيدا عن ملاحم البطولات الوهمية والانتصارات الزّائفة، بعيدا عن المتاجرة بآلام شعوبنا، بعيدا عن المزايدة بقضية هي أم القضايا، سأتكلم قليلا عن فلسطين:

كنت لا أزال طالبا جامعيا عندما خطر ببالي أن أقول يوما ضمن لقاء طلابي: “من أجل فلسطين نتمنّى أن تصبح حماس أكثر تفتحا، وتصبح فتح أكثر حماسا”. أعترف بأني لم ألتزم بذلك الموقف الذي كان يبدو كما لو أنه مجرّد فلتة من فلتات اللسان. فقد كنت أوقات المواجهة أركن لجانب حماس بما لها وما عليها، وكنت أوقات الهدنة أركن لجانب فتح بما لها وما عليها.

لكن، الذي حدث هو أنّ سقف التفتّح لدى حماس نزل إلى الحضيض، ولا سيما في سياق ما سُمي بالرّبيع العربي والذي تخللته أشتية وأعاصير. وأخيرا خسرت حماس أهمّ علاقاتها الدّاعمة؛ دمشق أولا، ثم القاهرة ثانيا. ثم أجهضت الثورة السورية التي كانت رهانا كبيرا، أجهضت بعد أن تأخونت أولا ثم تدعوشت أخيرا، أو لنقل، انهارت الثورة والنظام معا، وهكذا وجدت حماس نفسها محشورة في الزاوية الضيقة.

والآن، تجد المقاومة الفلسطينية نفسها أمام مفترق طرق، بين طريقين متباعدين:

الطريق الأول، إعادة بناء الذات المقاوِمة على أسس سلمية وعقلانية، بعيدا عن الأيديولوجيات التي تهيّج المشاعر وتعمي الأبصار، واستبعادا للنفس الغضبية التي تقتل السياسة كما يرى مؤسس الفلسفة السياسية، أفلاطون، واستنادا إلى قيم التعددية والحريات الفردية وحقوق المرأة، واعتمادا على ملَكة الخيال والإبداع الفني والجمالي والثقافي والفكري وتقنيات التواصل الحديثة، ولنا في إدوارد سعيد وناجي العلي ومحمود درويش أسوة حسنة.

والطريق الثاني، انتظروا داعش وأسوأ من داعش.

تقولون إن الغرب منحاز لإسرائيل، نعم إنه كذلك. تقولون إن دول الغرب تدعم إسرائيل وإن شعوب الغرب تسكت عن جرائم الاحتلال، هذا كله صحيح. لكن هل يكفي أن تكون قضيتنا عادلة إذا لم نحسن تدبيرها وإذا لم ننجح في تسويقها؟ شعوب الغرب لا تسأل فقط عمّن أطلق الصواريخ أولا؟ لكنها قبل ذلك وفوق ذلك تقارن بين دولة يحكمها حاكم جديد على رأس كل أربع سنوات، ودول يحكمها حاكم واحد مرّة إلى الأبد، تقارن بين صورة المرأة في شوارع ومقاهي ومطاعم وسوبرماركات تل أبيب، وصورة المرأة في الرياض حيث يطاردها المطاوعة، وفي القاهرة حيث يطاردها المتحرشون. الغرب يقارن بين المستوى العلمي والفني ونسبة القراءة في إسرائيل، ومثل ذلك في مجموع الدول العربية، ويقارن كذلك بين حاكم إسرائيلي يجد نفسه خلف القضبان (إيهود أولميرت) بتهمة الرّشوة، وبين حكام عرب يعيثون في الأرض فسادا، ولا يحاكمون إلاّ إذا نشبت ثورة قد تصير فتنة، وقد يُقتلون بلا محاكمة.

المقاومة ليست مجرّد صواريخ قد تسبب بعض الألم وتشفي بعض الغليل، ولا تحدث في الأخير أي تعديل إستراتيجي في موازين القوى، المقاومة هي الصورة الحضارية التي نقدّمها للعالم.

قبل عقود قليلة، ومع الهجوم النّووي على هيروشيما وناكازاكي، انهزمت اليابان وخسرت الحرب، لكنها لم تملأ الدنيا صراخا وعويلا، لم تهدد الغرب بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل اعترفت بالهزيمة أوّلا، ثم قالت: من هنا سنبدأ. وبعد نحو ربع قرن من إعادة بناء الذات شاهد العالم بأسره المعجزة اليابانية، انتصار اليابان بسلاح العلم والمعرفة والإبداع، سلاح الحضارة والإنسان. فعلا، “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”. الآية الكريمة (عدد 269 من سورة البقرة).


كاتب مغربي

8