كلام مسلسلات

الأربعاء 2017/06/07

رمضان كريم.. شهر الصيام، وشهر المسلسلات، والمسلسلات في بلادنا يطلقون عليها “الدراما” كما لو كانت الدراما قاصرة عليها، بينما أصل الدراما هو المسرح، ثم انتقلت إلى السينما، لكن التسمية عند العرب بقيت محصورة في المسلسل التلفزيوني الممتد على حلقات متعددة، وهو في الحقيقة أقرب ما يكون إلى ما يعرف بـ”السوب أوبرا” أو “أوبرا الصابون”، فمنشأ المسلسل في ثلاثينات القرن الماضي كان شركات الصابون الأميركية التي أنتجت أول مسلسل إذاعي ثم انتقلت في الخمسينات إلى المسلسلات التلفزيونية، والهدف بالطبع، كان ولا يزال، هو أن يكرس المسلسل لخدمة الإعلانات.

في البدء كانت إعلانات الصابون، ثم أنشئت شركات خاصة لإنتاج المسلسلات بالاتفاق مع شركات الإعلانات عن السلع المختلفة التي تدعم المسلسل، ومن دون إعلانات لا توجد مسلسلات، لكن الدراما توجد في المسرح والسينما، وهي تشمل الكوميديا والتراجيديا، أي الملهاة والمأساة حسب التصنيف الأرسطي القديم.

مشكلة المسلسلات أنها متعددة الحلقات بحيث ترغمك على البقاء في البيت كل مساء في موعد محدد، أو تجبرك على العودة لمشاهدتها على موقع “يوتيوب” وهي مسألة مرهقة أيضا، كما تبدو معظم المسلسلات العربية، ممطوطة بشكل مفتعل، ففيها الضروري، والزائد عن الحاجة (دراميا)، أي ما يخدم الحبكة وما يخرج عنها ويتجاوزها ويشطح بنا في أشياء أخرى لا تضيف شيئا، فقط لمجرد تعبئة الفراغ أو الثلاثين حلقة بمادة تكفي وتغطي المطلوب (زمنيا).. وهو ما يندرج بالطبع في سياق “فن خداع الجمهور”، أو الغش التجاري والضحك على المنتجين أو ربما بموافقتهم!

لكن ليست هذه هي المشكلة، فالجمهور أصبح يعرف ويفهم ويدرك أصول اللعبة جيدا، ومهما بلغت المبالغات، وامتدت الحلقات، فلن يثنيه نقدنا لها عن المتابعة والمشاهدة والسهر من أجل الانتقال من مسلسل إلى آخر، ثم الحديث في اليوم التالي مع الأصدقاء، عن هذا المسلسل أو ذاك، فرمضان، منذ أن أصبح “شهر المسلسلات”، أصبح أيضا فرصة للتسالي والثرثرة والمقارنة بين المسلسلات ومواضيعها وما تصوره، وبين الممثلين والممثلات، والمسألة بالطبع لا علاقة لها -كما أتصور- بالاهتمام الفني بالدراما التلفزيونية، فمن النادر أن يتوقف أحد، أمام العناصر الفنية للمسلسلات، بل يتركز اهتمامهم أساسا على التمثيل، وكيف كانت فلانة مبدعة، وفلان شنيعا، وغير ذلك!

كان ولا يزال، يلفت نظري بقوة فيما يسمى بـ”المسلسل التاريخي”، ما أطلق عليه منهج “تسميع الكتب”؛ يعني باختصار أن جهد المؤلف يتركز أساسا على التنقيب في الكتب التي ظهرت عن الموضوع أو عن الشخصيات التي يتناولها المسلسل والتي عاشت في عصور ماضية، ثم يصوغ الأحداث والشخصيات مما استطاع تجميعه وترتيبه وانتقاء ما يناسبه منه بالطبع. ولكن المشكلة هي أن الشخصيات التي يصورها، وهي شخصيات ذات أساس تاريخي حقيقي مثل شخصية جمال عبدالناصر أو حسن البنا مثلا، تصبح في المسلسلات مجرد شخصيات كرتونية، بسبب صورها النمطية، أو الحوارات المصطنعة التي توضع على ألسنتها، فليس من المتصور مثلا أن يدور حوار بين الرئيس عبدالناصر والمشير عامر على النحو التالي (كمثال فقط):

◄ الإنجليز عايزين يرجعوا يسيطروا تاني على مصر يا حكيم..

* أيوه صحيح.. والمرة دي شافوا أنهم يستخدموا الإسرائيليين معاهم.

◄ أيوه بس احنا مش ممكن نقبل.. لهذا طلبت من كمال حسين يروح بورسعيد يقود المقاومة الشعبية.

* المفروض كمان إخوانا السوفيت يعملوا حاجة؟

◄ بولغانين فعلا بعت يقول لي إنه حيوجه انذار لبريطانيا وفرنسا بكرة الصبح!

* طيب والجماعة بتوع الإنجليز اللي عندنا هنا حنعمل فيهم إيه؟

◄ أنا أصدرت أمر لزكريا باعتقالهم جميعا ووضعهم في السجن الحربي، واعتقلنا لغاية دلوقت 2000 شخص..

* تمام يا جمال..

وهكذا تستمر المهزلة وتستمر المسلسلات في ترجمة نصوص أحداث وقعت، ولكن بهذه الطريقة الهزلية التي تجرد الشخصية من تلقائيتها وتجعلها مجرد آلات لتسميع ما ورد في الكتب!

ناقد سينمائي مصري

16