كلاوديو غروسمان مناهض للتعذيب في العراق يعجز عن محاسبة مرتكبي الفظاعات

السبت 2016/04/30
كلاوديو غروسمان: على شعوب الشرق تحمل مسؤولياتها دون انتظار تدخل المجتمع الدولي

واشنطن- يشهد العراق اليوم حراكاً مجتمعياً سياسياً مختلف الدرجات، ضد السلطات التي تحكم قبضتها عليه. ومنذ العام 2003 عرف العراقيون ألواناً من العنف لا تعدّ ولا تحصى. بدءاً من سجن أبي غريب وممارسات الاحتلال الأميركي، ووصولاً إلى القمع الذي تعرّض له المواطنون سجناء كانوا أو طلقاء في العهود الحكومية التي أُعلنت بعد سقوط بغداد، على يد الميليشيات الطائفية وفرق الحشد الشعبي وغيرها.

أما في سوريا، فلم يعد خافياً على أحد في العالم المستوى الذي انحدرت إليه الحقوق الإنسانية والحقوق العامة. ولم يكن آخرها تقرير قيصر الذي ضم عشرات آلاف من الحالات الموثّقة، ممن تم اعتقالهم وتعذيبهم حتى الموت في سجون النظام.

وتعد اتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب التعامل مع العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة اتفاقية دولية تم اعتمادها من قبل الجمعية العامة. وفتح باب التصديق عليها في القرار 39/46 في 10 ديسمبر من العام 1984 والذي نص على اعتراف بالحقوق المتساوية وغير القابلة للتصرف، لجميع أعضاء الأسرة البشرية وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة وأساسها الحرية والعدل والسلم في العالم.

تلك الحقوق تُستمد من الكرامة المتأصلة للإنسان، واضعة في اعتبارها الواجب الذي يقع على عاتق الدول بمقتضى الميثاق، وبخاصة بموجب المادة 55 منه، وبتعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومراعاتها على مستوى العالم، ومراعاة المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تقر كلهما بعدم جواز تعرض أيّ أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

العراق والتعذيب

البروفيسور والباحث كلاوديو غروسمان عميد كلية الحقوق والقانون الدولي بالجامعة الأميركية في واشنطن، شغل منصب رئيس لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لثلاث ولايات على التوالي. حيث ترأس اللجنة التي طالبت مسؤولين عراقيين بأجوبة واضحة عن عمليات التعذيب في العراق وانتهاكات لحقوق الإنسان دون رادع و إفلات مرتكبي هذه الجرائم من المحاسبة والعقاب.

كلاوديو غروسمان يرى أنه عندما قدمت القضية السورية للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في العام 2012، والتي كان رئيساً لها آنذاك، كانت هناك أدلة دامغة على انتهاك النظام وبعض أطياف المعارضة على حد السواء لحقوق الإنسان

وفي نهاية العام الماضي قامت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة بمساءلة مسؤولين عراقيين لتقديم تقرير مفصل عن عمليات تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان وقعت في العراق تمكّن مرتكبوها من الإفلات من المحاسبة والعقاب. ووجّه غروسمان حينها أسئلة صعبة ومحرجة للوفد العراقي، عن تلك الانتهاكات بحق العراقيين.

اللجنة تعتبر القانون الجنائي العراقي ضعيفاً وغير واضح بسبب عدم تقديمه تعريفا واضحا للتعذيب. وبالتالي لا يمكن إجراء محاكمات وسن عقوبات لأفعال أو جرائم لا توجد لها تعاريف واضحة في النصوص القانونية.

تقرير العراق الذي أصدره غروسمان يشير إلى احتمال وجود مراكز احتجاز سرية ومحاكمات لضحايا استمرت بضع دقائق منتهية بالحكم بالإعدام. قبل ذلك عمل غروسمان رئيساً لمنظمة القانون الدولي وحقوق الإنسان لشؤون البلدان الأميركية ما بين 1996-2001. وشغل منصب المقرر الخاص المعني بحقوق السكان الأصليين والمقرر الخاص المعني بحقوق المرأة. وقد قام بزيارات عديدة إلى الكثير من الدول وأرسل بعثات مراقبة للانتخابات في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وعمل على المسائل القانونية الدولية مع الأمم المتحدة ومجموعة القانون الدولي لحقوق الإنسان (التي تعرف الآن باسم الحقوق العالمية).

سوريا وتعطيل مجلس الأمن

تعثرت المفاوضات السورية في جنيف، والتي تعرف بمفاوضات جنيف 3، ووصلت إلى طريق شبه مسدود أسفر عن انسحاب وفد المعارضة السورية المتمثل بالهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض، أو “معارضة الرياض” كما يمسيها النظام السوري. وقال المنسق العام لهيئة التفاوض رياض حجاب في خطاب الانسحاب “ليس مقبولاً أن نستمر بالتفاوض بينما يصرُّ النظام وحلفاؤه على انتهاك حقوق الشعب السوري، ومخالفة القانون الدولي”.

ورغم إصرار المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا على الاستمرار في المفاوضات بمن حضر، تلطيفاً لأجواء جنيف، إلا أن هذا الانسحاب وهذا التلطيف كانا وقعهما صعباً على الداخل السوري، حيث زادت حدة أعمال العنف ضد المدنيين السوريين، وخاصة من قبل النظام السوري الذي كثّف عمليات القصف على المواقع المدنية في الشمال والجنوب، مخلّفاً عدداً كبيراً من الضحايا بالإضافة إلى تدمير عدد كبير من الأبنية والمشافي مثل مشفى القدس في حلب، الذي شهد مقتل آخر طبيب أطفال في المدينة.

لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة قامت بمساءلة مسؤولين عراقيين لتقديم تقرير مفصل عن عمليات تعذيب وانتهاكات لحقوق الإنسان وقعت في العراق

لم يستطع المجتمع الدولي التخفيف في معاناة الشعب السوري، ومؤخراً لم تستطع منظمات المجتمع الدولي كالصليب الأحمر، إخراج طفل واحد من منطقة الرستن في حمص للمعالجة. وأمام هذا العجز الدولي الكبير كان لـ”العرب” لقاء مع البروفيسور غروسمان، للحديث عن الأوضاع في المشرق من الجانب الإنساني والقانوني وكيفية تعاطى المجتمع الدولي معها.

يقول غروسمان لـ”العرب” إنه ليس متأكداً ما هو الحل للأزمة الإنسانية في سوريا. وأنه كرئيس سابق للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، يقر بفشل مستمر لدى المجتمع الدولي في اتخاذ التدابير والخطوات اللازمة لتجنب واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية التي نعيشها اليوم.

ويضيف “نلاحظ أنه تمّ تشريد أكثر من نصف الشعب السوري على الأقل، وتدمير البنية التحتية وقتل الآلاف من الناس ومنهم النساء والأطفال، وبالطبع تتحمل بعض من أطياف المعارضة السورية العديد من الخروقات التي ترتبط بالقانون الدولي. فالمسؤولية الداخلية هي من قبل أولئك الذين ارتكبوا جرائم دولية، وفي الوقت نفسه رأينا عدم قدرة المجتمع الدولي على العمل بشكل فعال لوقف هذا الانتهاك الجماعي لحقوق الإنسان والإبادة الجماعية”.

غروسمان يرى أنه عندما قدمت القضية السورية للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في العام 2012، والتي كان رئيساً لها آنذاك، كانت هناك أدلة دامغة على انتهاك النظام وبعض أطياف المعارضة على حد السواء لحقوق الإنسان. وكان هناك عجز حيال المحاسبة أو التعاطي مع هذه القضايا. ومن وجهة نظر غروسمان “فأمام هذا العجز الدولي، يكون الطريق الوحيد هو التوجه إلى إعلان موقف صارخ ترفض به منظمات المجتمع الدولي الإنسانية والحقوقية مثل هذه الممارسات التي تعد غير طبيعة ولا قانونية”.

وبحسب غروسمان، فقد مرت مراحل عانت فيها أميركا اللاتينية من خروقات في حقوق الإنسان كالسجن التعسفي والاختفاء القسري، ولم تواجه إلا بعجز دولي مماثل. يشرح الفقيه القانوني بالقول “كان على الشعوب أن تلجأ إلى طرق أخرى، مثل العمل على عدم قبول مثل هذه الممارسات وبناء سياق سياسي وحقوقي يرفض اعتبارها سياسة أمر واقع.

وهذا ما أميل إليه في عملي في حالة التعطيل والعجز. إضافة إلى انتقاد المجتمع الدولي في حال عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة”، مضيفاً أنه “لا يمكن أن ننتظر حتى نرى صورة طفل سوري غريق ملقى على الشاطئ لنفهم قسوة الوضع في سوريا”.

ينتقد غروسمان رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما إقامة منطقة آمنة للمدنيين في سوريا. ويقول إن “هذا الخيار العسكري يأتي بقرار من واشنطن. ولا نستطيع كمجتمع دولي التسويق لسياسة مرفوضة من قبل بلد ما. لأن منظمات المجتمع الدولي لا تستطيع التدخل في السياسة الداخلية لأيّ بلد، ولا تستطيع التدخل في التعقيدات السياسية لأيّ قرار خاص بدولة ما، لكن هذا لا يعني أن نتوقف عن انتقاد العجز الدولي”.

العديد من مقترفي الجرائم في مجال حقوق الإنسان يصعب عليهم التجوال والسفر بسبب اتفاقية مناهضة التعذيب

وعن تعطيل بعض الدول لقرارات مجلس الأمن يقول غروسمان إنه “على السوريين أن يعلموا أن ما يجري في سوريا هو مسؤوليتهم وحدهم أولاً. ومن غير المرجّح أن يكون للمجتمع الدولي رد فعل ناجح في حال لم تتحمل الأطراف السورية مسؤولية الأخطاء والقرارات الناتجة عن الخروج في طريق الكرامة”.

درس البلقان

من الدروس التي يدعونا غروسمان إلى تذكرها، درس البلقان حيث كان الفيتو قد عطل اتخاذ أيّ قرار لوقف الصراع، قبل أن يصل المجتمع الدولي متأخراً. وبناء على تقارير أممية كثيرة وأخرى صادرة عن منظمات حقوق الانسان، تأكد أن نظام الأسد قام بانتهاكات وجرائم ضد الشعب السوري، وتبين بالأدلة استخدام النظام للتعذيب والعنف الجنسي بالإضافة إلى التجويع الممنهج والتوقيف القسري وإلقاء القنابل والبراميل واستعمال الغازات السامة.

ورغم أن الحكومة السورية لم تصادق على عضويتها في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن أعضاء في مجلس الأمن قاموا بطرح مشروع قرار لمحاسبة مقترفي الجرائم في سوريا عبر الفصل السابع، لكن روسيا والصين قامتا حينها، باستعمال حق النقض ضد هذا المشروع. ولا بد من الإشارة إلى أن دمشق قد صادقت في الماضي على معاهدة قانون الحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب.

وفي ظل هذا الشلل القانوني، يتبقى طريقان يمكن بهما محاسبة مقترفي الجرائم في سوريا بحسب غروسمان، الأول عبر القضاء السوري، والثاني عبر قوانين دولية أخرى منها قوانين مناهضة التعذيب.

تجربة أميركا اللاتينية وأفريقيا، تؤكد أن مواطني تلك البلدان أنشأوا لجاناً لتقصي الحقائق، قامت بتسجيل كل انتهاكات حقوق الإنسان. ومن ثم تمّ إخضاع القضايا إلى القضاء الخاص بالبلدان ذاتها. ويرى غروسمان أنه لا بد من وجود مواد في قانون العقوبات السوري تجرم مرتكبي تلك الانتهاكات، وتسمح بمحاكمتهم لاحقا.

ومع تطبيق قانون الطوارئ لعقود في سوريا، إلا أنه حتى في ظل هذا القانون، لا يمكن انتهاك حقوق الإنسان وممارسة التعذيب. ووفقاً للمعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب، يمكن توقيف المجرمين، بصفة شخصية، في حال تواجدوا في بلاد غير سوريا، مثلما حصل مع الرئيس الشيلي الجنرال بينوشيه، الذي تم القبض عليه في لندن بعد أن رفعت عنه الحماية، وجرت محاكمته على جرائمه، على أساس صفته الشخصية.

العديد من مقترفي الجرائم في مجال حقوق الإنسان يصعب عليهم التجوال والسفر بسبب اتفاقية مناهضة التعذيب. والمشكلة في هذه الاتفاقية، أنها لا تسمح بتوقيف أيّ شخص لديه صفة سياسية. لكن ما أن تسقط عنه الصفة الرسيمة حتى يصبح هدفا سهل المنال.

الدساتير في ظل الصراعات

تطبيق قانون الطوارئ لعقود في سوريا، لا يعني أنه يمكن انتهاك حقوق الإنسان وممارسة التعذيب ويمكن حسب غروسمان توقيف المجرمين، بصفة شخصية

تعمل كل من روسيا والولايات المتحدة على صياغة دستور جديد لسوريا، وفقاً لتقارير صحافية ودبلوماسيين غربيين. وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأن الولايات المتحدة اتفقت مع روسيا على إنشاء إطار للانتقال السياسي ومشروع دستور لسوريا. وفي سؤال “العرب” لغروسمان حول ما إذا كان الجو العام وضمن هذا التعسّر في المفاوضات يعدّ مناخاً ملائماً للعمل على إنشاء دستور، قال غروسمان بأن “السبيل الوحيد للمضي قدما، في حال الانقسام الكبير الذي نشهده على الساحة السورية، وتصلب الأطراف بالمواقف والاقتتال وعدم قبول بالجلوس على طاولة واحدة، هو خلق حالة أو طرح فكرة جامعة وحيادية كالدستور”. ويضيف غروسمان إن “ما يفعله وزير الخارجية الأميركي لا يخضع لمعايير قانونية. وهذه التقنية تتّبع في حالات مستعصية، كأن تأتي بحلول خارج الواقع على أمل إحداث تقدم على صعيد ما. وقد يكون ما يفكر به الوزير كيري هو الحلول السياسية البديلة”.

المواطنة والحقوق المتساوية

شهدت السنوات الأخيرة، تصاعداً هائلاً في العنف الناجم عن صدام الأقليات الدينية والعرقية في العراق وسوريا، وأكثر المجتمع الدولي من التلويج بوجوب حماية الأقليات وعلى رأسها مسيحيو الشرق. تعبير “حماية الأقليات” هذا أثار حفيظة كثير من المثقفين في العالم العربي. وقد تساءل هؤلاء عن مفهوم حماية الأقليات، وإذا ما كان المراد به الحصول على مزايا خاصة في دستور البلاد أو حصص سياسية في دول ما يعرف باسم دول النزاع.

“العرب” طرحت السؤال على غروسمان حول هذه القضية، فقال “تاريخيا قام النازيون بإعدام مليون من الغجر، وهؤلاء يعدّون من الأقليات في ألمانيا، وهي أقلية تتكلم لغة خاصة ولها مزايا خاصة في المظهر والعادات والتقاليد. وبالنظر إلى المعاهدات الدولية كمعاهدة الحقوق السياسية والمدنية الدولية، والتي تم التصديق عليها عالمياً، لا يجوز انتهاك حقوق الأقليات فيما يتعلق بحق ممارسة الشرائع الدينية، وحق التحدث باللغة وحفظ الهوية الثقافية. لكن هذا لا يعني إهمال حقوق الأكثرية. فإن أيّ انتهاك لأيّ حقوق هو فعل مرفوض.

ولا ينبغي للبلدان أن تجعل من هذا الأمر قضية. حماية الأقليات لا تعني وضع امتيازات خاصة بأفراد تلك الأقليات عن سائر المواطنين. في البلدان التي لديها أقليات، يحق في الدستور إعطاء مساحة من الحرية للحفاظ على ثقافة تلك الأقليات وهذا يخضع بالطبع إلى التصرف على أساس المواطنة، و احترام القوانين المبرمة لجميع المواطنين ولا يعني الإفلات من العقاب أو المحاسبة. حقوق الأقليات هي عدم استبعادها من الحق السياسي العام، فكل فرد هو مواطن أولاً وأخيراً”.

12