كلايف أوين يتألق بدور اليهودي المتمرد في "أغنية الأسماء"

جديد المخرج الكندي فرانسوا جيرارد شريط عن الموسيقى والموسيقيين والصداقة والفقدان.
الأحد 2020/04/19
الشغف بالآخر المجهول والنشوة بالموسيقى يقودان مارتن للبحث عن سر اختفاء ديفيد

يصنع الفيلم الأميركي ”أغنية الأسماء“ المأخوذ عن رواية الكاتب والصحافي البريطاني نورمان ليبريشت للمخرج فرانسوا جيرارد عالماً غير متوقع من قبل المشاهد، في كل مشهد منه، منذ البداية وحتى اللحظة الأخيرة. معزوفة موسيقية متواصلة، تشد معها الوعي عبر الصورة كما تفعل عبر الحوارات وأنغام الكمان التي حملت في ما حملته شيفرة تقود إلى مكان وزمان غامضين.

في “أغنية الأسماء” The Song of Names للمخرج الكندي فرانسوا جيرارد شخصيتان تبحث كل منهما عن الأخرى، بطريقة مختلفة وشغف مغاير. يؤديهما كل من تيم روث وكلايف أوين، دون أن تشعر للحظة واحدة أن أياً منهما يحاول تقديم دور الموسيقي. فالموسيقى هنا هي الجانب الموازي للمهمة الأصلية للشخصيتين والتي ستدرك مع الوقت أنها الحياة ذاتها والتفاعل معها ومع أحداثها المريرة كما مع يومياتها العذبة.

عشية الحرب العالمية الثانية، يصل السيد ”رابورت“ إلى لندن وهو يهودي بولندي رفقة ولده ”ديفيد“ الذي لم يكن قد بلغ الأعوام العشرة بعد. طفل عبقري، مخلوق مع موهبته الفريدة في العزف على الكمان. يضع الأب مستقبل ابنه بين يدي بريطاني مسيحي مولع بالموسيقى. شريطة أن يراعي تقاليده الدينية، فلا لحم خنزير ولا غير ذلك. ليبدو الأمر وكأن الأسرة البريطانية قد تبنت الصبي الموهوب.

لكن الأمر لم يكن سهلاً على ”مارتن“ ابن تلك الأسرة، فتى قريب من عمر الطفل البولندي اليهودي. سيشعر بالغيرة منه، وستدفعه مشاعره تلك إلى السخرية من دينه ومن شكله، غير أن ديفيد الذي بدا أكثر ذكاء وحيوية، سيتمكّن من هزيمة تلك المشاعر السلبية عند رفيقه الجديد ليحوّلها إلى صداقة نمت تحت أحد الجسور القديمة، هناك حيث كان الاثنان يختبئان من الحرب ويدخنان وينعمان بسرقة زجاجات الحليب من الباعة.

أحجية السيناريو

غضب الضحية جراء التخلي عنها يقودها إلى العصيان
غضب الضحية جراء التخلي عنها يقودها إلى العصيان

لعبة السيناريو تقدّم الحدث وتؤخره، فترينا الزمن السينمائي في أقصى حالاته تألقاً، وهو يخلط الماضي بالحاضر بما سوف يكون. لتبدأ الأحداث بهروب الفتى البولندي بعد أن أصبح في مطلع العشرينات من العمر، من حفل موسيقي كبير للعزف المنفرد نظمه له والده بالتبنّي.

يدرس الصديقان الموسيقى، يتمرنان على النوتات ويناقشان كبار المؤلفين في العلم الموسيقي وخفاياه. بينما كانت الحرب تطحن أوروبا تحت مطارق النازية. تنقطع أخبار أسرة الصبي. لم يكن يعرف شيئاً عن مصيرها بعد اجتياح هتلر لبلده وشروعه في سوقيات اليهود من عموم أوروبا إلى معسكرات السخرة والاعتقال.

خلق هذا المناخ من الترقّب لكل خبر يصل من أوروبا المحترقة إلى لندن حياة أخرى لديفيد، حياة مثقلة بالحزن والمجهول، لا باب للهرب منهما إلا نحو الكمان والعزف عليه بلا حدود.

بعد أن فقد مارتن أخاه الجديد ديفيد باختفائه فجأة من الحفل المخصص له والذي كان الفرصة الكبيرة له كي يبرهن على عبقريته الموسيقية، لم يتوقف عن البحث عنه. كان قد سجّل في ذاكرته كل تفصيل سواء كان صغيرا أو كبيرا من سلوك ديفيد. طريقته في العزف، تقبيله للقطعة الجلدية التي يمسح بها أوتار كمانه، وقفته وشخصيته ومزاجه.

وحين كبر وأصبح أستاذا محكماً للمواهب الجديدة، وصلت أم تصطحب ابنها لتعرضه على اللجنة التي يشارك بها مارتن، وكان أول ما لفت نظره هو الطريقة التي يمسح بها الفتى كمانه بعد أن يقبل الممسحة التي تستعمل عادة لدوزان الأوتار وتزييتها، إنها طريقة ديفيد، هرع إلى الفتى يسأله، غير أن أمه رفضت أن تتعاون مع مارتن ليعارضها ابنها بعد حين ويصل إلى مارتن ويخبره عن مشرّد علّمه العزف على الكمان. وجد مارتن أخيراً طرف الخيط الذي سيقوده إلى صديق طفولته.

أخبره المشرّد الذي يعمل موسيقياً متجولاً في الطرقات أن شاباً علمه الموسيقى قبل سنوات طويلة، قبل أن يختفي. ”إنه ديفيد دون شك“ قال مارتن، ومن نقطة علام إلى أخرى، تتابع بحثه عن ديفيد دون كلل.

فيلم ”أغنية الأسماء“ ليس فيلما موسيقياً وحسب، هو مزيج بديع من المهام التي يجد المشاهد نفسه بمواجهتها، هولوكوست وصداقة وحب وفن ووحدة، طفولة وتمرد وفقدان، شغف لا حدود له بالحياة، رفض وطاعة كلاهما أغرب من الآخر.

صمت المرأة

فيلم "أغنية الأسماء" ليس فيلما عن الموسيقى وحسب، إنه مزيج بديع تعكس مشاهده قصص الصداقة والحب والفن والتمرد والفقدان
فيلم "أغنية الأسماء" ليس فيلما عن الموسيقى وحسب، إنه مزيج بديع تعكس مشاهده قصص الصداقة والحب والفن والتمرد والفقدان

سيكون على المتتبع لمسار الأحداث في ”أغنية الأسماء“ أن يتسلح بالثقافة الكافية لفهم حساسية العلاقات ما بين الأبطال من جهة، وما بين الأبطال والرموز الإنسانية المستخدمة في الحكاية. فحين يطلب ديفيد من مارتن مرافقته إلى الكنيس اليهودي، ويجعله يراه وهو يصلّي أمام المذبح ويمزق الخرقة اليهودية مغادراً هذا الدين إلى الدين إلى الأبد، لا يجعلك صناع الفيلم ترى لحظة إلحادية، بل لحظة غضب من اليهودي على السموات التي لم تقف إلى جوار أهله في محرقتهم. لحظة يخلع فيها ديفيد الإيمان بسبب الإيمان، مخاطبا من يؤمن به ومقاطعا إياه كما يفعل الطفل الصغير الذي كانه ديفيد قبل سنوات. لقد تخلّى عنه الرب من قبل وتركه يتيما لا يعرف ما الذي حلّ بوالده ووالدته وأخواته. فلماذا لا يتخلى هو عن الرب اليوم. ما الذي يجعله يتمسك بإيمان لم ينفع الضحايا من المؤمنين؟

”كان لا يزال في لندن حتى العام 1952“ قال مارتن لزوجته وصديقه شبابه التي عرفها من أيام حياته مع ديفيد. تركته زوجته يواصل بحثه عن صاحبه، متنقلا من بلد إلى آخر. كان العثور على ديفيد هاجس مارتن الأول والأخير.

زوجته التي لعبته دورا المسرحية البريطانية كاثرين جين ماكورماك عاشت مدة الفيلم بهدوء سوف ينقطع في اللحظة الأخيرة، حين تبوح له بسر كان يمكن أن يوفر على مارتن رحلته الطويلة بحثاً عن ديفيد. لكنها لم تكن تفعل. لا خوفا منه، بل ربما يكون دافعها هي أيضا العثور على ذلك اليهودي الهارب. من لا يتذكر ماكورماك؟ إنها الممثلة التي حفرت صورة وجهها في مخيلة محبي السينما حول العالم، بعد أن أدت دور رفيقة وليام والاس في فيلم ”قلب شجاع“ مع ميل غيبسون في الماضي. حتى حضورها في ”أغنية الأسماء“ كان بمثابة تذكير عابر وذكي للمشاهد بصورتها الأثيرة تلك التي يحتفظ بها في وجدانه.

أسرار

لعبة السيناريو تقدّم الحدث وتؤخره، فترينا الزمن السينمائي في أقصى حالاته تألقاً، وهو يخلط الماضي بالحاضر بما سوف يكون
لعبة السيناريو تقدّم الحدث وتؤخره، فترينا الزمن السينمائي في أقصى حالاته تألقاً، وهو يخلط الماضي بالحاضر بما سوف يكون

فيلم جيرارد المخرج الكندي البارع وكاتب السيناريو الخاص، حيلة ذهنية معقدة وبسيطة في الوقت ذاته، تقنية في الكتابة لن يعثر مارتن فيها على ديفيد خلال حصة زمنية طويلة من الفيلم، وسينسى المشاهدون أن كلايف أوين بطل من أبطال هذه القطعة السينمائية الفريدة. ولن يجده في بولندا التي سيطوف فيها على مصحات الأمراض العقلية وعلى البيوت القديمة، والغابات التي وقعت فيها مجازر النازيين بحق اليهود العزل.

جيرار مخرج مختلف، يقدّم المسرح والسينما والنصوص ببصمة لا نظير لها، لعب مؤخراً دوره القيادي بجدارة كاتبا ومخرجا في مشروع إعادة خلق أوبرا “الهولندي الطائر” للموسيقي الألماني ريتشارد فاغنر. عرض قدّم في مسرح أوبرا ميتروبوليتان، بنيويورك مع السوبرانو الألمانية أنيا كامبي.

وفي المدينة ذاتها، نيويورك، سيجد مارتن يهوديه التائه خلف المحيط. حينها سيرى ذلك الذي تخلى عن يهوديته وقد أصبح حاخاما حريديا وقد بات أبا لأسرة محافظة وأطفال صغار.

يطالب الصديق صدقه بالوفاء بدينه، على الأقل ذلك الدين الذي ترتب عليه بعد أن نظم والد مارتن حفله الموسيقي الكبير من أجل ديفيد، ولكنه بسبب هروبه خسر كل ما يملك ومات كمدا بعدها بفترة وجيزة. فيوافق ديفيد على ذلك.

في نيويورك، سيعثر مارتن أحد بطلي الفيلم على صديقه ديفيد اليهودي التائه خلف المحيط وقد تحول إلى حاخام حريدي
في نيويورك، سيعثر مارتن أحد بطلي الفيلم على صديقه ديفيد اليهودي التائه خلف المحيط وقد تحول إلى حاخام حريدي

إنه التزام الابن لأبيه بالتبني، والتزام الأخ لأخيه والصديق لصديقه. لم يهرب لأنه يكرههم، بل هرب لأنه أحب آخرين كان قد سمع عنهم في كلمات ”أغنية الأسماء“.

الفنان المتميز كلايف أوين ابن الموسيقى جيس أوين في لحظات اعترافه لصديقه مارتن، كان يستحضر حياته الخاصة، وهو الذي عاش بعيدا عن والده، أكثر من سبعين دورا قدّمها خلال مسيرته، حصل من خلالها على جائزة غولدن غلوب في العام 2005.

سيروي ديفيد لمارتن تفاصيل يومه الأخير قبل موعد الحفل بساعات. وكيف أنه نصحه بأن يقع في حب فتاة، ليكتسب المزيد من الثقة التي يحتاجها لمواجهة الجمهور النخبوي في لندن.

قادته خطاه، بعد أن طالت غفوته في الحافلة وأصبح بعيدا عن المسرح، إلى مكان غامض، يعجّ باليهود الأوروبيين اللاجئين إلى لندن. سألوه عن اسمه فأجاب ”رابورت“ وكان بينهم أحد اليهود المسنين الناجين من المحرقة ومن مجازر النازيين، فقال له العجوز إنه يعرف والده والتقى به في وارسو. فلم يتمالك ديفيد نفسه عن السؤال بإلحاح عن مصير والده المجهول ومصير أسرته. أخذوه إلى كنيس صغير بين البيوت المهترئة، وقالوا له إنهم قد صاغوا أسماء الضحايا في أغنية، كي يتعرّف إليها الناجون. ولو أنه أصغى إلى اللحن والكلمات فقد يجد أسماء أفراد أسرته، وقد لا يسمع أي اسم يعرفه، وهكذا يعرف إن كانوا قد نجوا من الموت.

كان ديفيد يصغي ويتمنى لو أنه الأغنية ذات اللحن الحزين تميل إلى هذا الاسم أو ذاك، دون أن تقف عن اسم معيّن. كان يصغي إلى اللحن وهو عاشق الموسيقى الأزلي، ويتمنى لو أن الصوت يتقطع ويتحشرج ويختفي، لو أن الموسيقى كلها لم تكن موجودة على وجه الأرض، لا الألحان ولا الكلمات.

فهل سيسمع ديفيد اسم ”رابورت“ في أغنية الأسماء الرهيبة تلك؟ ولماذا اختفى في ذلك اليوم؟ وما الذي سيفعله مع مارتن بعد كل تلك السنوات؟ أسئلة يطرحها فيلم ”أغنية الأسماء“ ويتركها معلقة ليكتشفها المشاهد في أدق تفاصيل الفيلم، مغادراً زمن الفيلم إلى زمنه الحالي وهو محمّل بالمزيد من الأسئلة.

15