كلايف سنكلير بريطاني اخترع أجهزة صادقت الإنسان

الأب الروحي للآلات الحاسبة التي تعيش معنا.
السبت 2021/09/25
سنكلير لم يكن يستخدم اختراعاته

لندن – إذا فتحت هاتفك النقال الآن وأنت تقرأ هذه الكلمات، فستجد آلة حاسبة، وإذا التفت نحو حقيبة ابنتك المدرسية فستجد آلة حاسبة، وإذا نظرت أمامك على طاولة المكتب فستجد آلة حاسبة، كل ذلك جلبه لك بريطاني مهووس بالابتكارات والشعر والسباقات، غادر عالمنا قبل أيام إلى الخلود.

كلايف سنكلير الذي ولد في العام 1940، في أسرة من بنائي السفن، هو مخترع آلة الجيب الحاسبة، والكمبيوتر المنزلي، وأشياء أخرى غير متوقعة، عالمٌ قرر مغادرة الدراسة مبكراً، فلم يكد يكمله عامه الـ17 حتى ترك المدرسة، فعمل صحافيا في مجالات التكنولوجيا، وقام بتأسيس “سلكنير راديونكس“.

قد لا يتذكر كثيرون كمبيوتر ”زد أكس“ الذي كان منتشراً في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، لكن من يعرفه سيعرف أن من يختبئ خلفه هو سنكلير ذاته. حتى أن الرئيس التنفيذي لشركة “تيسلا” الملياردير الكندي الأميركي إيلون ماسك غرد يرثي سنكلير “ارقد بسلام سير سنكلير. لقد أحببت هذا الكمبيوتر”.

زمن ما بعد "زايك"

سنكلير لم يكن يستخدم اختراعاته التي غزا بها البيوت؛ ولم تكن لديه آلة حاسبة للجيب، بل كان يستعمل المسطرة الحاسبة التقليدية، ولم يستخدم الكمبيوتر ولا البريد الإلكتروني

 حتى الدراجات، لم تكن خارج أجندة سنكلير. ففي أواسط الثمانينات قرّر ابتكار دراجة ثلاثية العجلات، وأطلق عليها اسم “سي 5“، وكانت تعمل على الكهرباء. ويروي كتّاب سيرته أنه أصيب بصدمة، لأن الدراجة التي أغدق عليها الإعلان والترويج كان من المتوقع أن تباع بعشرات الألوف من النسخ. لكن في يوم التجربة تعطّلت دراجة سنكلير وسط جسر ”هامر سميث“ وصارت فضيحة. فلم يتمكن من بيع شيء. وحينها كتبت عنه صحيفة الغارديان أنه تحوّل من “عالم ساحر ومبتكر” إلى ”شخصية مثيرة للسخرية“، معتبرة أنه دخل طور الجنون في هذه المرحلة من عمره وتجربته.

لكن هل أزعج هذا الوصف سنكلير؟ لا. فهو صاحب نظرية أنك حين تلحق بفكرة جيدة بالقدر الكافي فإنها ستبدو للجميع وكأنها جنونية. ويتبقى عليك إما أن تنفذها بنفسك أو تدعها وعندها لن ينفذها أحد.

كان اسم تلك الدراجة الكهربائية ”زايك“، وكانت تعمل ببطارية سماها ”زيتا“. و“زايك“ و“زيتا“ شكلتا منعطفاً خاصاً في حياة سنكلير. فهما لم توقفانه عند حدّه، بل اندفع بعد طرحهما إلى طرح الدراجة المطوية، والراديو الذي يوضع في الأذن.

 تعميم المعرفة

مشروع سنكلير ينصبّ على تعميم المعرفة وإتاحة التكنولوجيا لكل الناس
مشروع سنكلير ينصبّ على تعميم المعرفة وإتاحة التكنولوجيا لكل الناس

 كان مشروع سنكلير أكبر من الدراسات الأكاديمية، فكره كان ينصب على تعميم المعرفة، وإتاحة التكنولوجيا لكل الناس، ولذلك يوضع في الاعتبار دوره الكبير في إدخال الكمبيوتر إلى المنازل، ناهيك عن بقية مبتكراته.

وإذا كان جدّه جورج قد ابتكر ”البارافان“ كاسح الألغام البحرية، فإن الحفيد، بحث عن الاهتمامات الأكثر شعبية، علّمته الحرب التي رآها في وقت مبكر من حياته ودفعته إلى النزوح عن لندن، أن الخيار الأفضل هو أن يتناول الجميع تلك التقنيات، وأن يحسنوا استخدامها.

الكثيرون قد لا يتذكرون كمبيوتر "زد أكس" الذي كان منتشراً في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، لكن من يعرفه سيعرف أن من يختبئ خلفه هو سنكلير ذاته

وبدأ يعمل منذ وقت على تحقيق ذلك الاتجاه، لكن تأثير الحرب كان ما يزال قوياً، فانعكس على تصاميمه، وكانت أولى ابتكاراته ”غواصة“. وتسببت اضطرابات الأوضاع المالية لوالده بتنقله من مدرسة إلى أخرى، ما جعله يكره المدرسة. ويقضي الوقت في الابتكار، رغم أنه كان مميزاً في الرياضيات والفيزياء.

تدهورت الأحوال أكثر، فاضطر إلى العمل في جز العشب، وفي مصبغة للثياب، وبحث عن العمل في مجال الإلكترونيات إلا أنه واجه الرفض. ونجح إلى حد ما في إقناع إحدى الشركات بشراء مجموعات إلكترونية صممها.

وبعد أن استقل وأسس شركته، أصدر كتاباً بعنوان لافت في العام 1959 ”مستقبلات الترانزستور العملية“، فأعيد طبع هذا الكتاب تسع مرات بعدها لأهميته. قبل أن يصدر كتاباً آخر بعنوان ”الترانزستور الحديثة للمبتدئين“ في العام 1962 لقي أيضاً انتشاراً واسعاً وأعيد طبعه عدة مرات.

 تصغير كل شيء

الدراجات لم تكن خارج أجندة سنكلير. ففي أواسط الثمانينات قرّر ابتكار دراجة كهربائية. لكن في يوم التجربة تعطّلت دراجته وسط جسر "هامر سميث"
الدراجات لم تكن خارج أجندة سنكلير. ففي أواسط الثمانينات قرّر ابتكار دراجة كهربائية. لكن في يوم التجربة تعطّلت دراجته وسط جسر "هامر سميث"

 يقول مؤرخو العلوم، إن الآلات الحاسبة هي الجد الأعلى لعائلة الكمبيوتر، وقد ولدت في الحضارة العربية الإسلامية، حين اكتشف عالم الرياضيات غياث الدين الكاشي الكسر العشري، وبالدور الذي قام به الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي لاحقاً بليز باسكال الذي تنسب إليه الآلة الحاسبة، حين ابتكر عام 1640 أول كمبيوتر نصف آلي حمل اسمه ”كمبيوتر باسكال“، بهدف مساعدة والده الذي كان يعمل محصّلا للفواتير.

بعدها تطورت تلك الآلات حتى باتت تستخدم لإجراء العمليات الحسابية نيابة عن الإنسان، وصارت ذات أشكال مختلفة وتستخدم في جميع المجالات اليومية، ولها نمطان أساسيات؛ مبسّط ومركّب، والأخير يستخدمه الباحثون والرياضيون والطلاب. أما ما يجعلها مختلفة عن أجهزة الكمبيوتر، فهو أن الكمبيوتر يمكن برمجته والتحكم بمخرجاته، بينما الآلات الحاسبة مصممة مسبقا مع وظائف محددة.

ساعتك الذكية السوداء، لا تنس أن تنظر إليها، فسنكلير أيضاً أحد مطوّريها الكبار. ولن تستطيع الهرب منه حين تشاهد التلفزيون، فسنكلير هو أيضاً من طوّر الشاشات المسطحة في وقت مبكّر

وحين جاء العام 1972 قدّم سنكلير للبشرية مجموعة من الآلات الحاسبة الصغيرة لجعلها سهلة الاستعمال لعموم الناس.

لم يترك فكرة دون أن يحاول الاقتراب منها وتطويرها، لا تنس أن تنظر إلى ساعتك الذكية السوداء، فسنكلير أيضاً أحد مطوريها الكبار. ولن تستطيع الهرب منه حين تشاهد التلفزيون، فسنكلير هو أيضاً من طوّر الشاشات المسطحة في وقت مبكّر. منذ مطلع الستينات في القرن الماضي كان سنكلير يدرك أهمية السليكون في صناعة التكنولوجيا، وحينها اتجه نحو ما سوف يرتبط باسمه لاحقاً ”التصغير“. صار مهووساً بذلك، وبات هذا المشروع هو مشروع حياته الأول.

كل شيء قابل للتصغير، الراديو، الكمبيوتر، الآلة الحاسبة التي كانت ضخمة للغاية، وكان من الطبيعي أن يقوده هذا إلى ما عبّر عنه في مستقبل حياته بالقول ”لا مفر من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي العام في يوم من الأيام إلى انقراض الإنسان، بمجرد أن تبدأ في صنع آلات تنافس البشر وتتفوق عليهم بالذكاء، سيكون من الصعب جدًا علينا البقاء على قيد الحياة. إنه مجرد أمر حتمي“.

 حياة من اللعب

سنكلير طفلٌ عاش الحياة كمغامرة، وكان أحد أبرز مطوري ألعاب الكمبيوتر
سنكلير طفلٌ عاش الحياة كمغامرة، وكان أحد أبرز مطوري ألعاب الكمبيوتر

 يبدو سنكلير كطفل عبر هذه الحياة كمغامرة، وليس غريباً أن يكون أبرز اهتمام له ألعاب الكمبيوتر، والأشياء الذكية الصغيرة، ونجح في ذلك إلى أبعد حد. ورغم عدم إتمامه دراسته الأكاديمية منحته جامعات باث وهيريوت وات وأرويك الدكتوراه الفخرية. وتم تكريمه من كامبريدج بالزمالة. وأسبغت عليه الملكة إليزابيث في عيد ميلادها لقب ”فارس“.

والأغرب أنه، وفق ما تصف أسرته، لم يكن يستخدم اختراعاته التي غزا بها البيوت؛ ولم تكن لديه آلة حاسبة للجيب، بل كان يستعمل المسطرة الحاسبة التقليدية، ولم يستخدم الكمبيوتر ولا البريد الإلكتروني. وكان يهتم فقط بالشعر ورياضة الركض في الماراثون ولعب الورق. وكان يقول إنه لا يحب أن تحيط به التقنيات، لأنها تصرف الانتباه عن القدرة على الابتكار.

12