"كلبش" مسلسل مصري عن التعذيب في "الأقسام" وبراءة رجل الشرطة

رغم اعتياد الدراما المصرية تقديم نموذج رجل الشرطة في كل موسم رمضاني واختيار الوقت الأهم من حيث المشاهدة، إلا أنه قلما ارتبط المشاهد بنموذج واحد من النماذج المقدمة، لكن على خلاف ذلك نجح الممثل المصري أمير كرارة في تخطي المعادلة الصعبة وقدّم مسلسلا جذب إليه انتباه غالبية المشاهدين، هو مسلسل “كلبش” الذي حقق نجاحا كبيرا بمجرد عرض حلقاته الأولى.
الخميس 2017/06/15
شرطي يتحيز لصالح الوطن والحق

القاهرة – شهد مسلسل “كلبش” المعروض حاليا على الفضائيات العربية متابعة غير مسبوقة من الجمهور المصري، نتيجة بدايته المشوقة التي انطلقت بها الأحداث والتي تشابهت مع واحد من الأحداث الواقعية التي عاشها المصريون منذ أربعة أعوام، وقدم المشهد اقتحام خلية إرهابية إحدى الحارات الشعبية في الصباح الباكر وراحت تقتل الناس، وهو ما أعاد إلى الذاكرة حادث قرية “كِرداسة” (بمنطقة الجيزة المجاورة للقاهرة) الذي وقع عقب أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013.

البداية التي افتتح بها صناع العمل الأحداث تمثل أهمية بالغة، لأن اختيارها يأتي بالتزامن مع بعض الحوادث الفردية التي يتعرض لها جهاز الشرطة حاليا في ملاحقته العناصر الإرهابية، إذ صوّرت البداية اغتيال أحد زملاء وأصدقاء البطل خلال مهاجمتهم هؤلاء الإرهابيين.

وما أضفى على المشهد جمالا خاصا أنه تم استكماله بالتصوير السينمائي الذي بذل فيه مخرج العمل، بيتر ميمي، مجهودا كبيرا، وجاءت حركة الكاميرا لتصوير المطاردات سريعة ومتحررة في الجري والقفز و”الأكشن” بين الحارات والأزقة الضيقة.

قضية التعذيب

انتقل المسلسل بعد ذلك إلى دوائر أخرى صغيرة متفرعة عنه، إلا أنها تصب داخله، وهي في حقيقتها مشكلات المجتمع المصري وقضاياه، وعلى رأسها تعذيب المواطنين في السجون وأقسام الشرطة، وهو الموضوع الذي اتخذ منه صاحب الرواية يوسف حسن يوسف التي أُخذ عنها المسلسل الخط الدرامي الرئيسي لروايته التي تحمل نفس العنوان “كلبش”، أي القيد الحديدي في أيدي المجرمين وهم في طريقهم للمحاكمة، وبالتأكيد كانت خلفية الرواية قضية تعذيب المواطن خالد سعيد الذي مات داخل قسم الشرطة تحت التعذيب في عام 2010، قبل انفجار ثورة 25 يناير 2011 في مصر.

ورغم أن بطل العمل هنا، الضابط “سليم الأنصاري”، سبق له أن قام بقتل أحد الإرهابيين مع مطلع الأحداث بالإضافة إلى شروعه في قتل آخر، ويغلب العنف على تصرفاته، إلاّ أن “الكلبش” الحقيقي الذي سيقيد مصير حياته سيكون عقب مقتل شاب داخل قسم الشرطة على يد اثنين من أمناء الشرطة ثم يتم تلفيق التهمة له هو، وهنا يتصاعد الخط الدرامي ويتم ربطه بالعديد من الأحداث المجتمعية التي يتشابك فيها رجال أعمال وقيادات إعلامية وشرطية أيضا.

ويبدأ الضابط الأنصاري رحلته في البحث عن أدلة براءته ويظل يواصل الهروب والانتقال من مكان إلى آخر، وخلال هذه الرحلة يتم الكشف عن الجانب الآخر من الشخصية القوية لهذا الضابط الذي بدا في البداية أن العنف هو شعاره، وذلك من خلال التعرض للجانب الإنساني في حياته، ونراه قد وقف بجانب أحد الأشخاص الذين يختبئ عندهم ويساعده، أو بإثارة الجانب الرومانسي في شخصيته بعد اختبائه في البداية عند خطيبته القديمة لتتجدد المشاعر بينهما.

النماذج النمطية للشرطي في الدراما المصرية تتغير والمعالجات أصبحت أكثر جرأة وواقعية وهو ما أثبته مسلسل (كلبش)

ارتباط الجمهور بالضابط “سليم الأنصاري” الذي يلعب دوره الفنان أمير كرارة يرجع إلى عدة أسباب، على رأسها ظهوره في شخصية رجل “ابن البلد” الشهم الذي يقف مع هذا وذاك، رغم قوته التي تخفي وراءها تلك الشهامة، إنه الشرطي الذي يتحيز لصالح الوطن والحق دون إبداء أهواء شخصية، وهذا الخيط الدرامي يلعب دورا هاما في ارتباط البسطاء من المجتمع به حتى أن بعض سائقي “التوك توك” (مركبة صغيرة ذات ثلاث عجلات) كتبوا اسم المسلسل على عرباتهم.

التوازن الذي أحدثه صاحب الرواية، يوسف حسن يوسف، وهو بالأساس متخصص في دراسة القانون الدولي العام، أضفى حالة من الرضا النفسي على من يشاهد العمل بين وجود نموذج رجل الشرطة الصالح رغم بعض الأخطاء العفوية الناتجة عن حرصه الزائد في العمل، وبين أمين الشرطة الفاسد “زناتي” الذي يلعب دوره المطرب دياب الذي يخوض ثاني تجاربه التمثيلية بعد مسلسل “الأب الروحي”، وتقمص دياب دوره بتميز شديد، كما أن العمل نجح في عدم التحيز لطرف على حساب آخر.

ضابط شهم

نماذج رجال الشرطة التي قُدمت في الدراما المصرية في الماضي كانت في مجملها تحمل نمطية كبيرة، حتى أن بعضها في عهود سابقة كان قاصرا على نماذج محددة لا يمكن للمؤلفين الخروج عنها، إلاّ أن ذلك بدأ في التغير قبل عدة سنوات، وبدأت الدراما تشهد انفراجة وقدرا أكبر من الجرأة التي تمنح صناع العمل مساحة من التحرر في عرض الشخصيات مع مراعاة تفاصيلها الجسدية والتمثيلية معا، مرورا بسياق الأحداث الذي تسير فيه.

ورغم حالة الإبهار التي تحيط بمسلسل “كلبش” إلا أن هناك بعض العيوب التي قد تشوب مصداقيته، ليس في ما يتعلق بالجزء الخاص بكون الضابط سليم الأنصاري رجلا “ابن بلد” يقف بجوار من يطلب المساعدة، وإنما في الجزء الخاص بهروبه، إذ من غير المنطقي أن يظل موجودا في محل أحد المجرمين الذين لهم صلة بقضيته بعد أن وجده مقتولا، ثم يدخل في معركة بالضرب مع رجال تابعين له يقتحمون المحل بعد سماعهم صوته بداخله.

وكيف يمكن أن تنجح خطيبته السابقة -التي وضعت تحت ملاحظة الشرطة- في الضحك عليهم، فتقوم بمساعدته، بل وتنجح في جلب بيانات عن اتصالات جرت بين مرتكبي الجريمة، ورغم صعوبة الأمر إلاّ أنها قامت بذلك دون أن يتفطن إليها رجال الشرطة؟

وكيف يخاطر الضابط الهارب بحياته فيذهب إلى المستشفى للتبرع بالدم لنجل الرجل الذي يختبئ عنده؟ طبعا الأمر قصد به إبراز الجانب الإنساني الذي أضفاه السيناريست باهر دويدار على الأحداث لكسب المزيد من التعاطف مع الشخصية، لكن ذلك يجب ألا يكون على حساب منطقية الأحداث.

هذه الأمور لم تفسد المشاهدة أو تحدث أزمة كبيرة تؤثر على اقتناع المشاهد بالعمل ككل، خصوصا وأن البناء الدرامي للسيناريو يسير بشكل متوازن ويناقش أكثر من خط هام يتشابك مع الشخصيات الأخرى في العمل.

الفنان أمير كرارة يعيش مع مسلسله انطلاقة جديدة ونقلة فنية في مسيرته، وتحدى نفسه ودخل في منافسة واضحة مع الكبار بعد أن ظل حبيسا لسنوات في أدوار البلطجة

ويعيش الفنان أمير كرارة مع مسلسله انطلاقة جديدة ونقلة فنية في مسيرته، وتحدى نفسه ودخل في منافسة واضحة مع الكبار بعد أن ظل حبيسا لسنوات في أدوار البلطجة، ورغم أن بعض الفنانين اعتقدوا خلال الفترة الماضية أن نموذج “البلطجي” هو الأقرب إلى الشارع، فإن تقديم كرارة نموذج الرجل “الجَدَع″ والشهم صاحب المواقف يقدم رؤية مخالفة لهذا المفهوم.

ويبدو أن التحدي الذي خاضه كرارة هنا في تقديم دوره على مستوى الملامح الشكلية أو الأداء سيجعله يتصدر قوائم الأفضل لهذا العام ما يؤثر على اختياراته المستقبلية، خصوصا وأن الكثير من المشاهد الرئيسية “الماستر سين” عكست تفوقه، وأهمها مشاهد المطاردات التي نفذها بخفة وسرعة في الأداء جعلتا من يشاهده يعتقد أنه رجل شرطة حقيقي وتوقف الكثيرون عند طريقته في حمل السلاح.

اكتشاف آخر في المسلسل، هو الفنان محمد لطفي الذي اشتهر بأدوار الإجرام والعنف، ليخوض في “كلبش” مغامرة تقديم الرجل الطيب الذي يعيش مكتفيا برزقه القليل ولا يخشى مصيره الذي فرض عليه إجباريا، وهذه المغامرة بعد مشوار طويل مع أدوار الشر كان من الممكن أن تقضي على رحلته السابقة الحافلة بالأعمال، لكنها تكللت بالنجاح في أعين جماهيره التي اعتادت رؤيته في أدوار نمطية بعينها.

16